فرجة مفخخة

الجمعة 2014/03/07

“في زمن الربيع التونسي، تحوّلت الفرجة التلفزيونية إلى الأسوأ”، هذه الجملة أسرّ بها إليّ مُقدّم برامج منوعات تلفزيونية تونسي معروف، اعتدنا احتساء كوب من القهوة بين فينة وأخرى. قالها، ولم نتناقش في الأمر، فالمسألة جلية، ولا تستدعي الكثير من التمحيص والمجادلة.

مع انتفاضات بلدان الربيع العربي، وتونس كانت شرارتها الأولى كما هو معلوم، انقلبت الفرجة التلفزيونية 360 درجة، من فرجة ترفيهية، ولا نقول ثقافية، طبعا، فذاك خيار الدكتاتوريات التي تُغلّب متعة البصر على إعمال البصيرة، حتى لا نبصر فسادها واضطهادها وخرابها.. فيبثون في المشاهد هداياهم المسمومة، عبر الرقص الاعتباطي والغناء الهابط والحوارات التلفزيونية الساذجة التي يُسأل فيها الضيف عن لونه المفضّل، ورفيقه المبجّل، وجديده، ولا شيء غير ذلك؟

وبالمناسبة هذا السؤال الأخير، أي ما جديدك؟ كان لزمن تلفزيوني طويل، السؤال الأكثر شيوعا بين مقدمي البرامج التلفزيونية، يُقال كيفما كان، ويُرمى كيفما اتفق، حتى أن مقدمة تلفزيونية خصّصت منوعة فنية امتدت زهاء الساعتين، لجديد مطرب قدّم ألبومه الكامل الذي احتوى نحو 10 أغان، ومع انطلاق كل أغنية يقدّمها، تقول “والآن مع أحدث إنتاجات ضيفنا، وبشكل حصري على قناتنا.. الجديد، الجديد”، وعند انتهاء المنوعة، سألته دون وعي منها قبل أن يغادرها: ما جديدك؟ فأجابها ضاحكا: جديدي أني سأعود إلى البيت حالا!

هذا إن كان الضيف، نجما من الصنف العاشر، أما إن كان ذا حظوة وشعبية جماهيرية مهيبة، فيعمل بعض المقدّمين على استدعاء غريمه في المجال لينكّل به تنكيلا، فلا يسطع نجم هذا ولا تبرز عبقرية ذاك.. ليظلّ وللأبد، النجم الأوحد في عقل المشاهد البسيط، هو الرجل الواحد “زعيمهم الأوحد” صاحب الهيبة والمهابة التي لا تقهر.

اليوم غابت النجوم التلفزيونية بجميع صنوفها، حتى الورقية منها، وبرزت نجوم جديدة، هي نجوم التحاليل السياسية، وما أكثرها.

ومع انفتاح وتعدّد القنوات التلفزيونية، لا ترى رغم ذلك عدا البلاتوهات ذات الأربعة كراسي وطاولة وما بينهما من مقدّم، لا يقدّم لكنه يُؤخّر، بعدم حرفيته، وغياب نزاهته، وحياديته في إدارة الحوار، بين الخصوم السياسيين، وكيف له أن يتحلى بالحرفية والحياد؟ وهو الذي أتى فجأة من برامج المنوعات الفنية “الهشك بشك” إلى إدارة الحوارات السياسية المفخّخة.

صاحبنا نطق بنصف الحقيقة في توصيفه لحال المنوعات التلفزيونية إبان ربيع تونس، بقوله: تحوّلت الفرجة التلفزيونية إلى الأسوإ، والأجدر به أن يقول: إنّها كانت سيئة فباتت أكثر سوءا؛ والخاسر الوحيد في كل ما تقدّم هو المواطن الذي شُـتّت فكره في سجال عقيم حول الأحقيّة بلقب الشهادة: من مات وهو يذود عن الوطن؟ أم الذي قُتل أثناء مُحاربته لحرّاس الوطن؟ أمّا الضحايا وقد تحوّلوا إلى مجرّد رقم، قد يتضاعف غدا.. وإلى بلاتوه سياسي آخر!

17