فرج الله الحلو سحقته شراسة النظام الرسمي العربي

الأحد 2014/11/23
فرج الله الحلو أغنية الشباب على مدى نصف قرن مضى

غنّى المنفيون العراقيون والفلسطينيون والسوريون في حفلات اغترابهم الثورية الطويلة على مدى نصف القرن العشرين الثاني، أغنية فرقة الطريق وفرقة نيسان ومرات كثيرة بصوت المغني العراقي الراحل فؤاد سالم ومعه شوقية العطار، نشيداً خالداً لفرج الله الحلو كانت كلماته المعنونة بـ”يارفاق الفكر” تقول:

"يا رفاق الفكر والدم ناضلو

إحنا وانتو بدرب فرج الحلو

ونبقى نرفع للأبد فكر فرج الله وفهد

فكر كل الكادحين

فكر كل الثائرين

ونبقى وياكم نردد صوت فرج الله الحلو".

فقط لأنه أبدى أسفه لموافقة الاتحاد السوفييتي آنذاك على قرار تقسيم فلسطين 1947 وضع اسمه ضمن اللائحة السوداء للحزب الشيوعي المدار من موسكو وأداته التنفيذية في دمشق المتمثلة بخالد بكداش والمخابرات السورية.

لم يصدر الأسف على هذا القرار عن فرج الحلو فقط، وإنما أسف واحتجّ آخرون على صدوره مثل، هاشم الأمين، وقدري القلعجي، ورشاد عيسى والأديب والشاعر رئيف خوري، وإميلي فارس إبراهيم وغيرهم، وهنا تبدأ محنة فرج الله مع عبادة الفرد في الحزب، فتم توجيه لائحة الاتهام ضدهم على اعتبار أنهم “مخربون وانتهازيون وانهزاميون” وتشبيههم بتيتو الزعيم اليوغسلافي الذي خرج لتوه من التحالف السوفييتي (الكومنترن)، كما تم اتهامهم بأنهم “ديمقراطيون اشتراكيون” وكانت الديمقراطية الاشتراكية في تلك الفترة تهمة شنيعة أيضاً، وتعتبر خروجاً عن “الماركسية – اللينينة”.


فخ الإيديولوجيا


التقى فرج الله الحلو أحد مؤسسي الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان، وهو ناصرالدين حدة، من بلدة يبرود في القلمون. وما يثير الغرابة أن ناصر حدة هذا بقي اسمه مطموساً في الحزب لأكثر من خمسين عاماً وقد رحل منذ عدة سنوات. ومن ثم تعرف فرج في عام 1931 على خالد بكداش وبعض القادة الشيوعيين الآخرين. وانتسب في العام ذاته إلى الحزب الشيوعي السوري، رغم تأكيد الكثيرين ممن عاصروه بأنه كان قد انتسب إلى الحزب قبل بكداش.

أعلن فرج الله الحلو أسفه لموافقة الاتحاد السوفييتي آنذاك على قرار تقسيم فلسطين 1947 فوضع اسمه ضمن اللائحة السوداء للحزب الشيوعي المدار من موسكو وأدواته التنفيذية الشيوعية العربية والمخابرات السورية

بعد ذلك قام بتنظيم خلية في مسقط رأسه جبيل. وبعد ذلك أرسله الحزب للعمل في مناطق أخرى من البلاد، في طرابلس وبيروت ودمشق وحلب والمناطق الريفية في سوريا ولبنان.

وفي عام 1934 سافر فرج لأول مرة إلى الاتحاد السوفييتي، وفي العام ذاته أخذت تصدر الجريدة السرية (نضال الشعب) الناطقة بلسان الحزب، وكان هو أحد مؤسسيها وكاتباً رئيسياً فيها. وفي عام 1935 أصبح عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، وفي عام 1936، وفي أثناء الإضراب الخمسيني في دمشق، ألقت سلطات الانتداب القبض على فرج الله الحلو في إحدى المظاهرات، وأبعدته بعد أسبوعين إلى بيروت ومنعته من دخول سوريا، وفي آذار سنة 1937 عقد في دمشق مجلس وطني للحزب في سوريا ولبنان انتخب فيه خالد بكداش أميناً عاماً للجنة المركزية وفرج الله الحلو سكرتيراً للجنة المركزية، وخاض في العام ذاته معركة الانتخابات عن محافظة جبل لبنان. ولما صدرت جريدة “صوت الشعب” العلنية في ربيع العام 1937 وضعت تحت قيادته المباشرة.

وفي سنة 1939 بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، لوحق الحزب الشيوعي من السلطات الفيشية الفرنسية المتواطئة مع النازية، واعتقل فرج الله وألقى دفاعاً أمام المحكمة العسكرية الاستعمارية، دافع فيه عن حق سوريا ولبنان بالاستقلال، وهاجم فيها الفاشية والنازية وقوى الحرب والعدوان. وحكم عليه هو ورفاقه مدة خمس سنوات. وقضى فرج الله ونقولا شاوي السكرتير الآخر للجنة المركزية والشيوعيون المعتقلون الآخرون 22 شهراً في سجون القلعة والرمل وبعبدا وبيت الدين اللبنانية.


ابن سطيفان


كان فرج الله قد ولد في العام 1906، وهو فرج الله ابن اسطفان فرج الله الحلو، من قرية حصرايل في قضاء جبيل. ابن عائلة من الفلاحين الفقراء، والده كان يعمل شريكا في دير معاد، والدته وبعض أشقائه سافروا إلى المهجر، وبقي هو إلى جانب والده مع شقيقته الكبرى مريانا وشقيقه غالب، تلقى علومه الأولى في مدرسة القرية، ومنها انتقل إلى مدرسة عمشيت ثم معهد سيدة ميفوق، وفي العام 1929 ترك فرج الله مدرسة ميفوق من دون أن يُكمل دراسته فيها، ورحل إلى حمص حيث تعاقد مع الكلية الإنجيلية الوطنية التي يترأسها المربي فريد مسّوح، بهدف تدريس اللغة العربية، ومتابعة تحصيله الذاتي.

ورد في شهادة بعض الذين التقوا بخالد بكداش خلال أحد الاجتماعات أنهم سمعوه يردّد: "إذا خلص فرج الله من إيد عبدالناصر، ما رح يخلص من إيدنا"

في العام 1946 وكان الحلو قد أصبح الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني، عقد المكتب السياسي للحزب اجتماعا في بيروت بحضوره وقرر بالإجماع وفي أقل من ربع ساعة الموافقة على سفر فرج الله إلى باريس ولندن لاستكمال دراسته في الماركسية وانتخاب نقولا شاوي خلفا له، وقد بدأت حينها الجهود الحثيثة لملاحقة فرج الله بكل وسيلة كانت، بسبب مواقفه الصادقة، تجاه قضية فلسطين، فجرّد من مسؤولياته الحزبية وحجب صوته.


الاغتيالات السورية في لبنان


سياسة الاغتيالات والتصفيات الجسدية التي مارسها النظام السوري بحق النشطاء والسياسيين اللبنانيين ليست حديثة العهد وإنما تعود بجذورها إلى حقبة الهيمنة الأمنية التي أدخلها عبدالناصر إلى سوريا إبان ما كان يسمى بالوحدة المصرية السورية، حيث أنشأ رئيس الاستخبارات السورية أو (الإقليم الشمالي) للجمهورية العربية المتحدة، عبدالحميد السراج، مكتباً خاصاً للشؤون اللبنانية، وأوكل أمره إلى الضابط السوري برهان أدهم، وكان لهذا المكتب دوره الأول في الكثير من أعمال الاغتيال والقتل والتفجيرات في لبنان، عبر عملائه والمتعاونين معه، كتفجير الترامواي في باب إدريس في العام 1958، واغتيال نسيب المتني في السنة ذاتها، الذي كانت حادثة اغتياله الشرارة الأولى للثورة ضد كميل شمعون المدعوم من قبل حكومة الوحدة ومخابراتها، والصحافي كامل مروة (رئيس تحرير الحياة)، ثم لحقتها بعد ذلك تصفية القائد الشيوعي فرج الله الحلو، وتذويبه بالأسيد في مغطس حمام مكتب عبدالوهاب الخطيب في شارع بغداد في دمشق.

ثم تستمر تلك العمليات بعد الانفصال وتسلّم البعث السلطة في سوريا عام 1963. وهنا لا يخفى على أحد بأن الغاية الرئيسية من سيناريو الوحدة كان التهيئة الكاملة لصعود التيار القومي الذي مثله البعث، ومن ثم تسلمه مقاليد السلطة في سوريا بعد أن تم القضاء على معظم الحركات السياسية وملاحقة أعضائها وحل الأحزاب، ومنها حزب البعث الذي تم حلّه بشكل صوري فقط، والاحتفاظ بمعظم ضباطه في الجيش السوري والقيادات الأمنية. فلا نستغرب تسمية حافظ الذي كانت كنيته “الوحش” بحافظ الأسد من قِبل عبدالناصر نفسه.


قطع رأس القيادة المعارضة


بعد تصفية الحلو خلا الطريق أمام بكداش وجماعته القريبة من النظام البعثي الحامي الأساسي للكيان الإسرائيلي والذي أهدى له الجولان 1967 مقابل ضمان استمرارية حكمه لسوريا إلى هذا اليوم، تم اعتقال فرج الله الحلو في العام 1959 على أيدي المخابرات التي كان يقف على رأسها، كما سلف ذكره عبدالحميد السراج. وفور اعتقاله، أخضع فرج الله الحلو للتعذيب الوحشي، ومات تحت التعذيب بعد بضع ساعات فقط. ولإخفاء معالم الجريمة، تم في البدء دفن الجثة سرا، في غوطة دمشق الشرقية، قريباً من قرية مرج السلطان، ووضعت المقبرة تحت الحراسة. ولكن فيما بعد، وبعد أن شك حراسها بسيارة تحوم بشكل مريب في المكان، وخوفا من سرقة الجثة وانفضاح الجريمة، تم نبش القبر من جديد وجرى تذويب الجثة.

يذكر جورج حداد، رفيق الحلو وصديقه: “قبل اعتقاله مباشرة، في أوج حملة الاعتقالات ضد الشيوعيين في سوريا، كان فرج الله الحلو موجودا في لبنان. وشخصيا يمكن أن أؤكد على ذلك بالواقعة التالية، كنت حينذاك أعمل محررا للشؤون النقابية والمعيشية في جريدة “النداء”، التابعة للحزب. وفي تاريخ لا أذكره بالضبط في 1959، جرت محاولة من قبل مخابرات السراج، لاغتيال المحامي الشيوعي فاروق معصراني، بتفجير سيارته، في مدينة طرابلس. وقد استدعاني الرفيق فرج الله الحلو، في مكاتب النداء، وطلب مني الذهاب إلى طرابلس لتغطية الحادث صحفيا للجريدة. وفي هذه الأثناء، وصل إلى مكاتب الجريدة الرفيق كريم مروة. فطلب منه الرفيق فرج الله أن يذهب هو لتغطية الخبر بدلا مني. ولا شك أن الرفيق كريم يتذكر هذه الحادثة.

وقد جرت حينذاك أيضا محاولة اغتيال القائد الشيوعي التاريخي أرتين مادويان. وفي هذه الأجواء المضطربة كان الحزب الشيوعي اللبناني ـ السوري، الموحد حينذاك، يسحب أعضاءه ومناضليه، حتى أبسطهم، من سوريا إلى لبنان، ويخبئهم ويحميهم، وبعد أيام قليلة من مقابلتنا مع الرفيق فرج الله في مكاتب جريدة النداء، فوجئنا بنبأ اعتقاله في سوريا، الذي وقع على الحزب كله وقوع الصاعقة”. بعد انهيار الوحدة، أشارت جريدة الأخبار إلى أن عناصر المخابرات الذين اعتقلوا فرج الله الحلو من البيت الذي توجه إليه في دمشق، استقبلوه مرحبين بالقول: “أهلا أبو فياض”، وهذا كان لقبه الحزبي حينذاك، أي أن الذين اعتقلوه، وطبعا المسوؤلين المباشرين الذين أرسلوهم لاعتقاله، كانوا يعرفون من هي “الضحية”، قبل، أو على الأقل من لحظة اعتقاله بالذات.
في العام 2006 تحدث أحمد أبو صالح رئيس الاتحاد القومي في حلب أيام الوحدة، عن ملف مقتل فرج الله الحلو في تلك الفترة مشددا على أن رئيس الاستخبارات آنذاك عبدالحميد السراج، اعترف بالمسؤولية ولكن أربعة ضباط بعثيين هم الذين قاموا بتذويب الحلو بمادة الأسيد


فخ الاعتقال


لا يمكن لأي عاقل تصديق ذهاب فرج الله طواعية إلى سوريا في تلك الفترة العصيبة، ودون أن يبلغ أحداً. فقد كان مثقفاً، ناضجاً، ومحنكاً، بعيداً كل البعد عن أي تصرف يتصف بالفردية ورد الفعل غير المحسوب. ولذلك يستبعد تماماً أن يكون قد ذهب إلى سوريا بقرار ذاتي. وحتى ولو كان حينذاك هو المسؤول عن الساحة السورية، وقرر ذاتياً الذهاب إليها لمتابعة الوضع ميدانيا على الأرض، فهذا القرار، المتعلق بشخص مثله، ينبغي، أولا، أن يبحث مع الأمين العام، وأن ينال موافقته، وكان حينذاك خالد بكداش، الذي لم تكن تسقط شعرة من رأس إنسان شيوعي في الساحة السورية بالأخص، دون رأيه وموافقته. وينبغي، ثانياً، أن يبحث في الهيئة القيادية المعنية، المسؤولة مباشرة عن الساحة السورية.

وللوصول إلى الحقيقة المحضة يكفينا أن نذكر شهادة بعض الشيوعيين الذين التقوا ببكداش خلال أحد الاجتماعات حين سمعوا ذلك الأخير يردد: “إذا خلص فرج الله من إيد عبدالناصر، ما رح يخلص من إيدنا”.

ومن جهة أخرى، وبالعودة إلى مسؤولية البعث في قضية تصفية الحلو، ففي مقابلة له على إحدى الفضائيات في العام 2006 تحدث أحمد أبو صالح رئيس الاتحاد القومي في حلب أيام الوحدة، عن ملف مقتل فرج الله الحلو في تلك الفترة مشددا على أن رئيس الاستخبارات آنذاك اعترف بالمسؤولية ولكن أربعة ضباط بعثيين هم الذين قاموا بتذويب الحلو بمادة الأسيد، والحال هكذا، فقد استمرت سياسة البعث التصفوية ضد القيادات الوطنية وأحرار لبنان خلال العقود الخمسة الأخيرة لتطال قائداً آخر من نفس الحزب ألا وهو الراحل جورج حاوي 2005.


صناعة الأضحية


تحوّل فرج الله الحلو بعد اغتياله تذويباً بالأسيد إلى رمزٍ أسطوري، كتبت فيه الأغاني والأناشيد والقصائد ورسمت له اللوحات والمنحوتات، ولم يكن أكثرها شهرة قصيدة الشاعر المسرحي المصري نجيب سرور التي قال فيها:

“القرن يقال العشرين

والعام التاسع والخمسين

وأنا في الزنزانة منفردا أترقب

وقع أقدام الجستابو

صوتٌ:

مات بالأمس فرجْ

أيها العمالُ في كل مكانْ

منذ أن كانوا وكنـَّا

منذ كان العبدُ يعملْ

ثم لا يـأكلُ

والسيـُّد ُ يـأكلْ

منذ كان القـنُّ يعملْ

ثم لا يـأكلُ

والمالك يـأكلْ”.

مع اغتيال فرج الله، واحتفال المناضلين بما سمّوه استشهاده في سبيل أفكار الحزب الشيوعي، بدأ عهد جديد في المنطقة العربية، شهد صعود فكرة “الأضحية”، وتلقت الأنظمة العربية ذلك بحفاوة، وباستجابة ذكية، فكانت تعتقل الآلاف من الشبان، وتنفي آلافاً آخرين، وتصفّي في السجون ما لا يعرف تعداده، بينما الضحايا داخل المعتقلات وخارجها في المجتمع، يهللون لتجريف أبنائهم، وإهلاك أنفسهم، وشهد عصر الأيديولوجيات، فناء أجيالٍ حملت طاقات مذهلة في سوريا والعراق ومصر ولبنان وغيرها، كان يمكن أن تساهم في تنمية مجتمعاتها، بعلومها وخبراتها، ولكن تيار التضحية بالنفس كان جارفاً بما لا تمكن مقاومته.

9