فرج بيرقدار: عندي أوراق سجائر مليئة بالقصص.. هربتها من السجن

الثلاثاء 2013/10/22
بيرقدار: السجن حررني من الخوف

فرج بيرقدار واحد من المبدعين الذين عاشوا ظلمة السجون، وناضلوا بالكلمة، فكانت النتيجة آلاما ومعاناة يراها شاعرنا ثمنا زهيدا أمام رسالته النبيلة التي صمّم على المضيّ فيها في وجه الظلم والاستبداد. هوايته التمرد والرفض، يحاول من خلال شعره تأسيس مفاهيم جديدة، قد تبدو خارجة عن المألوف، في كل مرة يُحدث ضجة عندما يتكلم، بيرقدار خص جريدة العرب بحوار كشف من خلاله عديد القضايا الأدبية، وتحدّث عن الأزمة السورية، وعن تجاربه الشخصية، وغيرها من المحاور.

فرج بيرقدار شاعر وصحافي سوري من مواليد حمص 1951 حائز على إجازة في قسم اللغة العربية وآدابها / جامعة دمشق، كما تحصل على خمس جوائز عالمية، ومكث أربعة عشر عاماً في سجون المخابرات السورية.


الهم السياسي


في بداية حوارنا أردنا البحث في الجوانب الخفية من حياة بيرقدار، والتي تبدو في مرحلة ما بعيدة عن العالم وضوضائه، على أساس الفترة التي قضاها الشاعر داخل السجون، والتي اكتشف فيها أشكالا أخرى من الحوارات المختلفة عن الأشكال العادية، والحقيقة أن بيرقدار يعترف بأنه قد عاش مقابلات مختلفة من حيث النوعية والشكل، وفي هذا السياق، يقول بيرقدار: "بعد خروجي من السجن وجدتُ نفسي مضطراً أو أمام نوع من الواجب إلى ضرورة عرض ما لا يعرفه الآخرون عن السجون والتعذيب والمعتقلين.

بعد الثورة السورية كان ضغط الإحساس بالواجب أعلى، ومع تكرار وتنوّع أشكال المقابلات صار نفوري أو توجّسي منها أقلّ، وإحساسي بجدواها أكبر".

وعن الشأن السياسي، وكيفية متابعة الشعراء له، وتفاعلاتهم، يقول بيرقدار: "ما من شاعر أو شخص بدون همّ سياسيّ واجتماعيّ؛ السياسة والاجتماع شأنان لا يخلو أحد منهما إلا المرضى.

لا أعني السياسة والاجتماع بمعناهما الضيق. أليست الورود والأرصفة والحدائق والسجون والسكاكين والتشرّد والمحبّة كلها شؤون سياسية واجتماعية؟ أليس الخبز أو الحجر شأناً سياسياً واجتماعياً. ولكن ينبغي أن أشير إلى أن الهمّ السياسي بمعناه العام لا يعني الالتزام السياسي أو الحزبي".


محاربة القبح بالجمال


الشعر يوضح غوامض الحياة في مقابل فهم غموضه الخاص، وقد يُجيب عن أسئلة ظلت مبهمة، عن الشعر وبداياته يقول بيرقدار: "لا أحمِّل الشعر ما لا طاقة له به. الإجابات مهمَّة البحث والدراسات والفلسفة. لا أطمح من وراء كتاباتي الشعرية إلى أكثر من محاربة القبح بالجمال، والأسر الواقعي بحرية الخيال".

ويضيف قائلا: "حين لم يتمكّن أهلي من تأمين عدّة الرسم لأكثر من مرة، أغلقت الحلم عليه. كان القلم والأوراق أقلّ كلفة بكثير. في الصف السابع كتبت أول قصيدة من ستة أبيات، كان عنوانها "حريتي". لم يكن مفهوم الحرية عندي أبعد من الحرية الشخصية والاجتماعية مع شيء من الحرية الوطنية وفق ما تلقّاه جيلي في مدارس الأنظمة "القومجية".

في الصف العاشر بدأت النشر في جريدة العروبة التي تصدر في حمص، وكان الهجاء والرثاء طاغيين على مواضيعي، وكان المتنبي معلّمي ومثلي الأول. في الباكالوريا اخترت معلّمين آخرين كنزار قباني والسيّاب وشعراء الوطن المحتلّ. باختصار أنا خلطة من كل أولئك، ويهمّني أن أشير إلى أن قراءاتي للروائي كازانتزاكي قد رفدت قاموسي الشعري وأفكاري والمناخات التي تشدّني وأكتب في مضاميرها".


تجربة السجن


عاش بيرقدار تجربة مريرة في السجون السورية، وهي تجربة مازال يتذكر تفاصيلها الدقيقة، كان ذلك سنة 1987، ولكن قبل ذلك عاش الشاعر أحداثا صعبة تمثلت في اعتقاله مرتين، يقول بيرقدار: "قبل هذا الاعتقال تعرّضت لاعتقالين في عام 1978، الأول في المخابرات الجوية، وكان علي مملوك مقدّماً وجميل حسن ملازماً أول، وكان شكل علي مملوك يرعبني. بعد خروجي من الجويّة بيوم اعتقلني فرع الأمن الداخلي التابع لمخابرات أمن الدولة. الاعتقال الأخير عام 1987 كان من قبل شعبة المخابرات العسكرية – فرع فلسطين.

اعتقلتُ في دائرة الهجرة والجوازات وسفّروني إلى فرع حلب للأمن السياسي، ولكني بعد وصول الفرع بساعات أفرجوا عني لأن القضية كانت مقضية".

ويضيف قائلا: "لهذا أعتبر أن اعتقالي الأخير هو اعتقال فرع فلسطين 1987. كان وقت الاعتقال صباحاً، ولكني وأنا عائد في الليل إلى غرفتي في مخيّم فلسطين تبعني شخص، عرفت لاحقاً أنه عبد الكريم عباس المتهم بالمشاركة في اغتيال الحريري، وقد استطعتُ تضليله قبل أن أدخل إلى الغرفة، ولكنهم طوّقوا المخيم في تلك المنطقة وفتّشوها بيتاً بيتاً، وحين حدّدوا مكاني انتظروا حتى الصباح ثم داهموا الغرفة.

هم يعرفون أني شاعر وأني لا أحمل ولو سكيناً، ومع ذلك كانت سرايا الشرطة العسكرية في الخارج بكامل عتادها العسكري تحتلّ الشوارع والأسطح. كان ذلك في صباح 31 مارس- آذار 1987، وكان الاعتقال الأطول الذي دام قرابة 14 عاماً".

إلا أن هذه التجربة، زادته قوّة ونزعت عنه قيود الخوف، يقول: "السجن حرّرني من الخوف أولا. كنت حين أكتب أراعي الرقيب الذي في داخلي. بعد السجن انتهت القصة وأدركت أننا أخلاقياً على الأقلّ أقوى منهم بكثير. حين تنتهي جولات التعذيب والتحقيق يصبح السجين والسجان شخصين شبه متكافئين، حاضرا ومستقبلا. إذا أدرك السجين هذه الحقيقة فلا بد له أن يكون أقوى من جلّاده، وحرّرني السجن أيضاً من نفسي شخصاً وتاريخاً وأنماط كتابة.

في السجن فقط استطعت تحقيق ادعاء حافظ الأسد بأنه "لا رقابة على حرية الفكر سوى رقابة الضمير". تدمر تلك المدينة الأثرية، الضاربة في جذور التاريخ، يتذكرها بيرقدار، وفي نفسه ألم، عندما تعود به الذاكرة إلى سجنها القاسي، يقول: "أتذكّر الكثير وأحاول النسيان مؤقتاً، ولكني سأتذكّر أكثر عندما أقرّر أن أكتب بتفصيل عن تجربة سجن تدمر.

تعرف أني نشرت كتاباً مكثفاً عن تجربتي في هذا السجن، ولكن لديّ أوراق سجائر كثيرة مهرّبة وفيها الكثير من الوقائع والتفاصيل، وأنتظر الظروف المواتية لنشرها في كتاب أكثر شمولاً. أقل ما يمكن أن يقال عن سجن تدمر هو أنه ازدرى جهنّم وكل ما قرأت عنها".

أما عن تأثير تجربة السجن في شعره، فيقول: "قبل اعتقالي الأخير كان لها بعض التأثير، وقد حرّرني السجن منها، إضافة إلى تحريري من الخوف ومن قيود سياسية واجتماعية وكتابية لها أول وما لها آخر".


المرأة مرآتك


تبقى المرأة في الشعر العربي حاضرة، ومؤثرة، فهي مصدر الإلهام، والحسّ العاطفي، عن المرأة وعلاقته بها، يقول بيرقدار: "في الحقيقة حتى الآن لا أعرف بالضبط. سنوات السجن ازدلفت بالكثير من الأمور والمشاعر إلى غير مواقعها ومواصفاتها.

أربعة عشر عاماً وأنا أحاول تكوين امرأة في منتهى التنقيح والتنزيه والرمزية. ورغم ذلك من الصعب، إن لم أقل المستحيل، أن تكون المرأة واقعياً حبيبة وأماً وأختاً وممرّضة وقديسة. ولكنّ بيئتي وتربيتي وثقافتي جعلتني أقرب إلى المتصوّفة وشعراء الغزل العذري. لهذا قد أستطيع اختصار الأمر في كلمتين: المرأة مرآتك".


خيانات ذهنية


وعن الدور الذي يلعبه الشعر في الظرف السوري الراهن، يرى بيرقدار أنه يكاد يكون مغيبا على صعيد الداخل، لأن الأغنية والصورة والفيلم صارا أكثر أهمية الآن. أما على صعيد الخارج فيعتقد أن الشعر السوري وغيره من أنواع الكتابة قد حقّقت أكثر مما هو متوقّع.

يقول بيرقدار: "ثورة الشعب السوري وتضحياته لفتت انتباه العالم إلى السوريين. وليست مصادفة أن تأتيني خلال السنة الماضية وهذه السنة عروض لترجمة قصائدي وبعض كتبي إلى الفرنسية والإيطالية والأنكليزية والأسبانية والتركية والألمانية".

وعن الترجمة وتأثيرها في النصوص، وارتباطها بالتراث، يقول بيرقدار: "في ظل الاشتغال على اللغة لدرجة أنها أصبحت تقنية من تقنيات الكتابة، ولما لها من ارتباط بالمجتمع وتراثه وحساسياته الإيديولوجية، فبين أن يبقى الأدب ابن لغته من جهة، ولما للعربية من جماليات من جهة أخرى، فما سر جمالية النصوص غير المكتوبة بالعربية من طرف كتاب ذوي قوميات أخرى، ككتابات الأكراد مثلا؟ ويضيف قائلا: "رغم ما ترتكبه الترجمات من "خيانات ذهبية" فإن ترجمات جاك بريفير وشيركو بيكاسه على سبيل المثال، منحتنا روحاً وأدباً وإحساساً لا سبيل لنا إليه خارج الترجمة. حين يكون الأدب حقيقياً تصل الترجمة. أستثني من ذلك النصوص التي تلعب على خصوصية اللغة والكلمات، ولديّ الكثير من ذلك الذي لا تستطيعه الترجمة.

لم أتعرّض لسليم بركات لأنه يكتب بالعربية، ولكن حين تخضع كتاباته للترجمة، أظن أن حاله قريب من حالي، وليس لنا أن نتطيَّر حيال عدم وصول الجزء المعتمد على خصوصيات اللغة من جناس وإحالات لفظية تاريخية خاصة.

حين يعرض الأدب روحه وأفكاره بجمال وبساطة ودهاء وصدق ومهارة وابتعاد عن اللعب اللفظي الخاص، فلا بدّ أن يصل بصورة أفضل إلى الآخر أياً تكن لغته. أعرف الآن ما هي كتاباتي الأكثر نجاحاً أو الأقل نجاحاً في الترجمة. وأعتقد أن هذا هو سرّ جمالية نصوص بعض الكتّاب من الكرد وغيرهم بعد ترجمتها".

15