فرج فودة حاور المتطرفين بالحروف فردوا عليه بالكلاشينكوف

السبت 2015/08/01
مفكر مصري يغتاله الإرهابيون ويطلق الإخوان سراح قاتليه

على وقع هتافات الآلاف من أنصار تيار الإسلام السياسي بأن “الجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا” غامر المفكر المصري الراحل فرج فودة بحياته من أجل الانتصار للمبدأ في تقويض أفكار تيار الإسلام السياسي، خلال مناظرة تاريخية مع قياداتهم، حضرها آلاف من أنصارهم.

كانت المناظرة التي أقيمت على هامش معرض القاهرة الدولي للكتاب في يناير 1992، حلقة فارقة في تاريخ مواجهة التطرف بالفكر، ومبارزة الحجة بالحجة، ففيها جلس الدكتور فرج فودة والدكتور محمد خلف الله يمثلان تيار الفكر الليبرالي الإصلاحي، المدافع عن الدولة المدنية، على منصة واحدة في مواجهة مأمون الهضيبي، المرشد السادس لجماعة الإخوان، نجل حسن الهضيبي المرشد الثاني للجماعة، والدكتور محمد عمارة والشيخ محمد الغزالي، دعاة الدولة الدينية، في مناظرة حملت عنوان “مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية”.

في تلك المناظرة التاريخية، أدرك أمراء التطرف، أن الفكر والحوار العقلاني العلمي أخطر عليهم من الضربات الأمنية، فقدرتهم على استقطاب الأتباع قائم بالأساس على تغييب العقول، ما دفع قادة الجماعة الإسلامية إلى اتخاذ قرار بمواجهة الأفكار والكلمات بالكلاشينكوف.

كانت المناظرة بداية المواجهة، لكن ليلة اغتيال فودة في الثامن من يونيو عام 1992، لم تكن النهاية كما اعتقد الإرهابيون، فرغم نجاحهم في تصفية الرجل جسدياً، إلا أن أفكاره ومؤلفاته ظلت تؤرق منامهم، تعاود الأجيال الرجوع إليها مع كل موجة انكشاف للفكر الإرهابي خاصة في الوقت الحالي مع تعالي الدعوات لتجديد الخطاب الديني، وتنامي الصدام بين إرهاب الجماعة وتوابعها من أمثال داعش وبين دعاة الحداثة والدولة المدنية.

القرية المبتلاة

ولد الدكتور فرج فودة يوم 20 أغسطس عام 1945 بقرية الزرقا بمحافظة دمياط على البحر المتوسط، على بعد 190 كيلومترا من العاصمة، وللمفارقة أن القرية هي أيضا مسقط رأس إبراهيم عبدالهادي، رئيس وزراء مصر الأسبق، الذي قاد حملة أمنية عنيفة ضد الإخوان انتهت باغتياله عام 1949، وهي ذاتها مسقط رأس الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب الأسبق الذي اغتالته الجماعة الإسلامية عام 1990، لتكون القرية هي الأكثر ابتلاء بإرهاب الجماعات المتطرفة.

عمل الراحل فرج فودة معيدا بكلية الزراعة، ثم حصل على الدكتوراه في فلسفة الاقتصاد الزراعي من جامعة عين شمس عام 1981، إلا أنه سرعان ما اتجه إلى احتراف الكتابة في عدد من الصحف والمجلات المصرية، وهي المقالات التي أثارت جدلاً حادا، في ذلك الوقت، خاصة تلك التي واجه فيها دعاة الدولة الدينية.

في تلك المناظرة الفاصلة في حياة فودة التي شهدها المعرض الدولي للكتاب، حشدت جماعة الإخوان أنصارها، وما إن تحدث الهضيبي مدللا على دعوته للدولة الدينية بالآية القرآنية “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون” معتبرا أن 95 بالمئة من الشعب المصري يدين بالإسلام، وهذا يكفي لأن يُحكم المصريون بما يؤمنون به، حتى تعالت هتافاتهم “الله أكبر وحيّ على الجهاد” وهو ما دفع الراحل سمير سرحان رئيس الهيئة العامة للكتاب في ذلك الوقت مدير المناظرة حينها، إلى تذكيرهم بما طالبهم به قبل بدئها، من احترام مختلف الآراء وتجنب الهتاف تأييداً أو اعتراضاً.

لكن المفاجأة التي لم يحسب الإخوان حسابها في المناظرة التي استمرت ثلاث ساعات نجاح فرج فودة في تفنيد حججهم بهدوء وأفكار واضحة، مؤكدا أن “لا أحد يختلف على الإسلام الدين، لكن المناظرة حول الدولة الدينية والمدنية، وبين الإسلام الدين والإسلام الدولة، الإسلام الدين في أعلى عليين، أما الدولة فهي كيان سياسي واقتصادي واجتماعي يلزمه برنامج تفصيلي يحدد أسلوب الحكم، والمنادين بالدولة الدينية لا يقدمون هذا البرنامج”.

المناظرة الشهيرة بين فودة والإسلاميين تعد بداية المواجهة، لكن ليلة اغتيال فودة في الثامن من يونيو عام 1992، لم تكن النهاية كما اعتقد الإرهابيون، فرغم نجاحهم في تصفية الرجل جسديا، إلا أن أفكاره ومؤلفاته ظلت تؤرق منامهم

وواجه فودة مناظريه بتصريحات سابقة لهم، فساق تصريحا لمأمون الهضيبي نشر بمجلة لواء الإسلام بتاريخ 7 فبراير 1989، قال فيه “أقول لهؤلاء الذين يطالبون الإخوان ببرامج تفصيلية، الأولى بكم أن تطالبوا الحكومة برفع يدها العميلة عن الدعاة للإسلام، حتى يتاح المناخ لصالح الأبحاث والابتكارات”، وكان التأكيد على عدم امتلاك الإسلاميين لبرنامج سياسي للحكم حجة فودة الأولى في مواجهتهم، وهو ما تأكد صدقه بفشلهم وثورة الشعب المصري عليهم بعد عام واحد من وصول الإخوان للحكم في مصر، وما سبقه من تجارب فاشلة لهم في السودان وعدد من البلدان الأخرى.

أي دولة يريدون

قال فودة في حجته الثانية “نحن لا نتكلم عن وهم، ولا نتكلم عن حلم نحن نتكلم عن تجربة، فالدكتور محمد عمارة قال: نحن نتحدث عن تجربة دولة الخلافة، وأنا أقول الدولة الدينية استمرت 13 قرنا، بينما الخلافة الراشدة لم يتجاوز عمرها 1 بالمئة من عمر الدولة، فيما 99 بالمئة منها لم تكن راشدة ما بعد حكم سيدنا عمر بن عبد العزيز″، مستدلا على ذلك بما قاله عمارة ذاته في حوار مع جريدة الوفد “بعد الخلفاء الراشدين، فقدت الخلافة صفة الرشد وغابت الشورى، وأصبح الحاكم يفتئت على الشعب وإرادته”، وهنا تساءل فودة “أيّ دولة دينية تريدون هل التي تطبق في الجزيرة العربية، أم حكم النميري (وقتها) في السودان أم حكم الملالي في إيران؟”.

وأضاف “أعطونا نموذجاً أو مفهوما للدولة الدينية لو سمحتم؟”، مستطردا “ممارسات الطرف الآخر في حد ذاتها حجة عليكم، فنحن ما زلنا على البر ولم نصل للدولة الدينية ولم نر منهم إلا إسالة الدماء وتمزيق الأشلاء والسطو على المحلات العامة وتمزيق الوطن بالفتن”، في إشارة إلى جرائم التنظيمات الإرهابية حينها.

كلمات فودة المنطقية أعجزت مناظريه الذين ظلوا يتحدثون عن إيمان الشعب دون محاولة الإجابة عن أيّ من أسئلته ما أدّى إلى تضاعف شعبية دكتور العلوم الزراعية وسط المؤمنين بالدولة المدنية، وزاد من سخط الجماعات الدينية، ما دفع صفوت عبدالغني قيادي الجماعة الإسلامية الذي كان يقضي عقوبة السجن وقتها (لإدانته في جريمة اغتيال السادات) إلى إصدار تعليمات لعناصر الجماعة عبر محاميه باغتيال فودة، بحسب ما شهد به لاحقا نبيل نعيم مؤسس تنظيم الجهاد.

سعي فودة للتغيير، لم يكن مقتصراً على طرح الأفكار ومبارزة الحجة بالحجة، بل امتد إلى أرض الواقع، من خلال النزول إلى العمل الحزبي، فساهم في إعادة حزب الوفد للحياة، لكنه سرعان ما خاض معركة مع قياداته الذين قرروا الدخول في تحالف انتخابي مع جماعة الإخوان، خلال الانتخابات النيابية التي جرت عام 1984، ومع إصرار قيادات الحزب على التحالف استقال فودة، موجها انتقادات حادة للحزب الليبرالي، معتبراً أنه ينقلب على أفكاره، وهو خطأ تاريخي أثبتته الأيام، وبات وصمة في جبين الحزب تلاحقه حتى الآن، على الرغم من نجاحه في حصد 54 مقعدا وقتها بما يعادل 18 بالمئة من حصص البرلمان وهو نجاح لم يتكرر بعد ذلك.

الرأي العام المصري يفاجأ عقب وصول الإخوان إلى الحكم بـ"أبو العلا عبدربه" المتهم في قضية اغتيال فودة الذي شارك بتوفير السلاح، يطل عبر فضائية مصرية في برنامج حواري مع الإعلامي طوني خليفة، بعد أن قضى عقوبة السجن المؤبد

التغيير بالعمل السياسي

انتقل فرج فودة لتأسيس حزب “المستقبل” ليكون حزبا ليبراليا يجمع المؤمنين بالدولة المدنية والعلمانيين، غير أن لجنة شؤون الأحزاب رفضته مرتين، وهي اللجنة التي كان يسطر عليها الحزب الوطني الحاكم، فخاض الانتخابات البرلمانية مستقلاً في مواجهة مرشح للحزب الوطني، والشيخ صلاح أبو إسماعيل القطب الإخواني العتيد مرشح تحالف الوفد وقتها، ما جعله عرضة لحملة تشويه حادة، حيث روّج أبو إسماعيل، وهو بالمناسبة والد حازم أبو إسماعيل مؤسس حركة حازمون، أن فودة دعا إلى إباحة الزنا في كتابه “قبل السقوط” ما أدى إلى خروجه من المنافسة ودخول أبو إسماعيل ومرشح الوطني جولة الإعادة.

أيد فودة اتفاقية كامب ديفيد، ورأى أن الصراع مع الكيان الصهيوني سيتلاشى بعد هذه الاتفاقية، وهو ما لم يكن صائبا، لكنه كان ثاقب الرؤية عندما قال إن الصراع القادم في الشرق الأوسط سيكون بين العرب ومشروع إيران تحت حكم الملالي وسعيها لتصدير ما أسمته الثورة الإسلامية، فيما ستكون الحروب المستقبلية، لتأمين مصادر المياه في أفريقيا حيث منابع النيل.

رؤية فرج فودة الاستشرافية ثبت عمقها بعد رحيله بسنوات، فقد عارض غزو العراق للكويت بقوة، إلا أنه كتب حينها “انهيار العراق الشامل ليس في مصلحة أحد، وتحديدا مصر، ولا في مصلحة دول الخليج، بل إن وجود صدام حسين الآن، برغم كل مساوئه وأخطائه، أهون بكثير من البديل المتاح حاليا، وهو قيام حكم شيعي في العراق أو في جنوبه”.

انتقد بشدة تهليل رموز التيارات الدينية في مصر لحكم النميري بالسودان بزعم تطبيقه الشريعة، وحذر حينها من خطورة ذلك على الوحدة الوطنية بالسودان وما قد يتبعه من حروب أهلية وانقسام للدولة وهو ما حدث لاحقا بانفصال الجنوب.

لم تكن الخلافات الفقهية مع دعاة الدولة الدينية السبب الرئيسي لاغتياله عام 1992، بل كانت الستار، بينما الحقيقة كانت نجاح فودة في تحريض قطاعات من الشعب على التفكير الناقد للخطاب الديني، وهو الخطر الأكبر على تيار الإسلام السياسي الذي ينمو مع تغييب العقول واحتكار الحديث باسم الله، لذلك نشر عددا من أعضاء جبهة علماء الأزهر بيانا بجريدة النور لتكفيره، ما مهد لصدور قرار اغتياله بعدما نجح في القفز بالعلمانية 80 عاماً إلى الأمام.

آخر كلماته تتردد اليوم "الحوار هو الحل، فالكلمة أقوى من السيف، والخلاف في رؤى، وليس بين أنصار الإسلام وأعدائه، الإسلام دين القول بالتي هي أحسن، لذلك ندين الإرهاب لأنه فعل وقول بالتي هي أسوأ"

كتاب الإرهاب

في كتابه “الإرهاب” يشدد فرج فودة على تمسكه بالمواجهة الفكرية للتكفيريين حتى وإن كان الثمن حياته، “ليس في الأمر شجاعة منا بقدر ما فيه من منطق، فالموت أهنأ كثيرا من العيش في ظل فكرهم العييّ، وحكمهم العتيّ، ومنطقهم الغبيّ، وأن يفقد الواحد منا حياته وهو يدافع عن وحدة الوطن، أشرف كثيرا من أن يعيش في وطن ممزق، وأن يضحي الواحد بالسنوات الباقية من عمره أشرف كثيرا من أن يقضيها تحت حكم من يفضلون ركوب الناقة على ركوب السيارة لأن الثانية (لتركبوها) بينما الأولى (لتركبوها وزينة). المقبرة أهون، والاستشهاد أفضل، والجهاد ضدهم حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا هو الاختيار الصحيح والمريح”.

في السادسة من مساء الثامن من يونيو 1992، وقبل عيد الأضحى بأيام قليلة، انتظر شابان ينتميان للجماعة الإسلامية 8 ساعات كاملة خروج فرج فودة من مكتبه بشارع أسماء فهمي بمصر الجديدة مع ابنه وصديقه، ليمطرانه برصاص بندقية آلية ويفران بدراجة بخارية، لكن سائقه الخاص طارد بسيارته الجناة، وتمكن من صدمهما فوقع أحدهما مغشياً عليه، فيما لاذ الآخر بالفرار.

المفارقة الكاشفة أنه عقب وصول الإخوان للحكم فوجئ الرأي العام بـ”أبو العلا عبدربه” المتهم الثالث في قضية اغتيال فودة الذي شارك بتوفير السلاح، يطل عبر فضائية مصرية في برنامج حواري مع الإعلامي طوني خليفة، بعد أن قضى عقوبة السجن المؤبد، ليكرر قناعته بقتل فودة، مستندا إلى شهادة الشيخ محمد الغزالي (أحد مناظريه) في المحكمة والذي قال فيها إن فودة مستباح الدم، ويؤكد أن جريمة المتهمين ليست القتل بل الافتئات على حق الحاكم في قتل المرتد.

دفع فودة كما توقع حياته ثمنا لمواجهة التكفيريين، والمتاجرين بالدين، ودفع قاتلوه حياتهم ثمن الفتاوى الخادعة، فقال نبيل نعيم مؤسس تنظيم الجهاد، إن المتهم الأول عبدالشافي كان يكرر قبل إعدامه أن حبل المشنقة طريقه إلى الجنة، وأنه قتل فودة حباً في الله، بعد أن أفتى علماء بتكفيره.

رحل فودة لكنه يعود مجددا مع كل موجة تكفيرية تضرب المجتمع، أو مع تزايد المطالبات بتجديد الخطاب الديني، وكانت آخر كلماته “الحوار هو الحل، فالكلمة أقوى من السيف، والقرآن الكريم بدأ بـ’أقرأ’، سنظل نتحاور لإيقاف نزيف الدم، لنصل لكلمة سواء، فالخلاف في رؤى، وليس خلافا بين أنصار الإسلام وأعدائه، نحن ضد الإرهاب وهذا لا يناقض الإسلام، فهو دين القول بالتي هي أحسن، لذلك ندين الإرهاب لأنه فعل وقول بالتي هي أسوأ، الدين لله والوطن للجميع، الحوار يجب أن يكون بالحروف لا بالكلاشينكوف”.

13