فرج فودة وسلالة العنف المؤسس في العقول

الأحد 2015/01/18
فودة من أهم الشخصيات التي ربطت حراكها الفكري بواقع المجتمع

اشتهر المفكر المصري فرج فودة في الدوائر الفكرية العربية، بأنه من أهم الشخصيات التي ربطت حراكها الفكري بواقع المجتمع الذي نشأت وعاشت فيه، فهو لم يذهب بعيداً في الأطروحات النظرية بذاتها، بل إن أغلب ما أنجزه إنما جاء في سياق محاولة البحث عن إجابة لسؤال التخلف المهيمن، من خلال قراءة واقع ونوابض التخلف ذاته.

ففي قراءة سريعة للعناوين الفكرية التي أطرَتْ نشاط فودة يرى القارئ أن الرجل كان مهجوساً بقضية تنمية المجتمع، ليس بوصفها عملية محددة بعناصرها المنصوص عليها في المجال الاقتصادي، بل بأمداء أكثر اتساعاً من ذلك، تصل في مجريات تحليلها إلى مقاربات بنية المجتمع الذهنية، ومحارك صناعة الخطابات المسيطرة على أذهان العامة، وعلى المتعلمين الذين يركنون إلى أدوات العلم بوصفها أدوات للعيش، وليس مفاتيح لقراءة الظواهر المتخلفة السائدة والتي تغوّلت في السيطرة على العقول، من أجل الخروج منها.


فودة يحرك الواقع المصري


وضمن هذا السياق نرى كيف أن فرج فودة الحائز على دكتواره الفلسفة في العلوم الزراعية، قد غادر مجاله العلمي، ليذهب منه إلى مجال مناوشة البنى الذهنية المستقرة والمتكلسة، راغباً في تحريك واقع الإنسان المصري، من أجل أن يستعيد المصريون دفة النهضة لدفع مجتمعهم وكذلك المجتمعات العربية إلى عتبات مستقبلية واعدة، ولهذا فإنه من الطبيعي أن يحمل الحزب الذي أزمع على تأسيسه اسم “حزب المستقبل”.

ولد فرج فودة في قرية الزرقا قرب مدينة دمياط في 20 آب 1945. وقد ساعدته نشأته في الريف المصري على القيام بقراءة متبصرة لواقع غالبية المصريين، الذين نأت عنهم التنمية بوصفها عملية تغيير شاملة، بعد أن تركزت في المدن الكبرى، ما جعل الأرياف المصرية، عرضة لأن تتحول إلى حواضن أساسية للحركات الجهادية التي استغلت واقع سكان هذه المناطق، واشتغلت على قهرهم، لتضعه في مسار صناعة الكراهية ضد البيئات الأكثر تمدناً، وقد تساوق هذا مع عملية ترييف المدن في ظل الأنظمة الديكتاتورية التي حكمت مصر كما غيرها من البلدان العربية، والتي قامت وعبر أجهزة المخابرات بدعم بذور نشأة التطرف الديني ليواجه نمو وفعالية الحركات اليسارية والقومية المعارضة، ما خلق في المحصلة حواضن مشتركة تساعد على نشوء العنف؛ عنف الدولة ضد المجتمع، والمجتمع ضد ذاته، عبر أدوات تتخذ شكل قمع الشرطة والجيش للريفيين والمدينيين، على حد سواء، وعنف الحركات الجهادية ضد السلطة وأدواتها، وضد المختلفين عنها من أفراد المجتمع ذاته.

قبل اغتياله كان فرج فودة يرغب بتحريك واقع الإنسان المصري، من أجل أن يستعيد المصريون دفة النهضة لدفع مجتمعهم وكذلك المجتمعات العربية إلى عتبات مستقبلية واعدة

المسار الذي مضى فيه فرج فودة في حياته العملية لم يوقفه عند حدود المنجز الشخصي، وقد أجاب في حوار تلفزيوني عن سبب تحوله من العمل الاقتصادي إلى العمل الفكري فقال: “دراستي الأولية للحصول على الدكتوراه أضافت إليّ المنطق والحجة، لا أستطيع أن أخون عقلي. الناحية الثانية أن دراسة العلوم الزراعية هي دراسة لعلوم الحياة، وما أكتبه هو دفاع عن حق الحياة الكريمة والإنسانية والحضارية”.

الجماعات الجهادية بقوة نحو العنف، وقيامها باغتيال الرئيس السادات في العام 1981، نقطة تحول بارزة في حياة فودة الفكرية، حيث اتجه إلى قراءة واقع حركات الإسلام السياسي المصرية، ولعل تعمق فودة في هذا الواقع، وممارسة عملية انتقاد حواضنه السياسية والفكرية والاقتصادية، قد قاده في المحصلة لأن يتخندق في مواجهة كاملة مع رموز التيارات المتطرفة، ما أدى في النهاية وبتاريخ 8 يونيو 1992 إلى مقتله على يد شابين ينتميان إلى الجماعة الإسلامية، نفذا ودون أن يقرأ أي منهما سطراً واحداً مما كتبه فودة، فتوى كفّرته، وأباحت دمه.

لم تكن حادثة اغتيال المفكر المصري فرج فودة خارجة عن سياق أعم وأشمل هو اتخاذ البعض من أفراد الجماعات لمبدأ التصفية الجسدية، أسلوباً في مقارعة الأفكار. فالتاريخ الإنساني يحتوي الكثير من الحوادث المشابهة، التي كرس فيها مبدأ العنف ضد الآخر، أو العنف ضد المخالفين، والمختلفين، حيث تلجأ الجماعة السياسية أو الأيديولوجية إلى تصفية الخصم بسبب مخالفته لرأيها أو معتقدها.

إلا أن اللافت في جريمة الاغتيال التي تنطبق عليها كل مواصفات فعل الإرهاب بحق الخصوم، جاء من أنها قد سُبقت بفتوى تكفيرية أطلقتها “جبهة علماء الأزهر” تحت مرأى ومسمع أجهزة النظام السياسي الحاكم. في الوقت الذي صار فيه اشتداد عنف جماعات الإسلام السياسي ضد خصومهم من الجماعات السياسية والدينية حتى الإسلامية المخالفة منها، وكذلك النظام السياسي، وصولاً إلى الأفراد، من سياسيين ومفكرين وكتاب، واقعاً راهناً يهدد كينونة السلم الأهلي في المجتمع المصري.

فرج فودة وفي لحظة فارقة يغادر حزب الوفد ليعمل على تأسيس حزب سماه «حزب المستقبل»، بعد أن اعترض على تعاون الوفد مع الإخوان


الانغلاق والمجتمع


جوهر هذا العنف، وعبر مراجعة سيرورته لا يمكن أن يُقصر على جماعة دينية أو مذهبية محددة، فأصله عميق في تاريخ البشرية، وديمومته تتأتى من استمرار الجماعة الدينية أو السياسية، في وضعها العصبوي، وعدم انفتاحها على المجتمع وعدم انفتاح المجتمع عليه، ما قد يؤدي إلى سلبها أهم محرك من محركات ديمومتها، ألا وهو الانغلاق الذي يجعل من عملها سرياً ومحاطاً بالكراهية المفترضة، ما يؤدي إلى قدرتها على توليد العنف ضد الآخر، وقدرتها على استمداد أفراد جدد ينضوون تحت شعاراتها ليقوموا بما تمليه عليهم قرارات القادة.

غير أن السؤال الذي يبدو ملحاً دائماً حيال جرائم الاغتيال السياسي، ويطرح في مسارات تحليل تفسير الحدث، في قاعات المحكمة وعلى صفحات الجرائد، إنما هو لماذا؟ لماذا تذهب الجماعة السياسية إلى خيار العنف تجاه فرد، ما الذي يشكله الفرد المفكر من خطر عليها كي تذهب إلى قرار أو فتوى تبيح دمه.


أسلاف فودة على طريق الاغتيال


في يوليو عام 1940 قام بضعة شباب دمشقيين بتنفيذ عملية اغتيال للدكتور عبدالرحمن الشهبندر مؤسس حزب الشعب وأحد قادة نضال السوريين من أجل الاستقلال، ورغم أن سلطات الانتداب الفرنسي قد وجهت الاتهام صوب سياسيين سوريين ينتمون إلى الكتلة الوطنية المنافسة لحزب الشهبندر إلا أن ما خرجت به المحكمة آنذاك حصر أسباب ارتكاب القتلة لجريمتهم بدوافع دينية (قالوا إنهم سمعوا الشهبندر يعرّض بالإسلام في إحدى خطبه) حيث استفتى الفاعلون شيخ الجامع الأموي بالأمر فأباحه لهم، دون أن يعرف حقيقة نواياهم باستهداف الشهبندر، ورغم أن ملف القضية ورغم مرور كل هذا الوقت عليها، مازال مغلقاً في عهدة أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية، يرى البعض أن تشطيب قضية اغتيال الشهبندر بذلك الشكل، إنما ينتهي إلى حقائق تشير إلى المستفيدين من إزاحة سياسي سوري كان يبشر بالتفكير العلمي كسبيل لصناعة التنمية في المجتمع، من أجل أن تتجاوز البلاد وكذلك العباد حالة التخلف المجتمعي.

فودة ينظر إلى قضية تنمية المجتمع، ليس بوصفها عملية محددة بعناصرها المنصوص عليها في المجال الاقتصادي، بل تصل في مجريات تحليلها إلى مقاربات بنية المجتمع الذهنية

وبالقراءة التاريخية وبالعودة إلى جذور هذا العنف، لا يمكن للمتابع أن يتجاهل واقعة شامية أخرى حدثت في القرن التاسع عشر حينما كفّر بعض شيوخ دمشق أبا خليل القباني، بسبب نشاطه المسرحي، واستعدوا العامة والسلطة ضده، ما أدى إلى حرق مسرحه، ومغادرته بلاد الشام إلى مصر، ولعل تحري المستفيد من عملية إبعاد القباني عن بلاده ومحاصرته حتى في مصر، يوضح إلى أي درجة كان التفكير بالفن وصناعته، كمؤشر على الحداثة في المجتمع، خطيراً على مصالح الفئات المستفيدة من جهل المجتمع وتأخره.

وفي نظرة سريعة إلى الماضي القريب فإننا نرى كيف أن لجوء الجماعات الإسلامية المسلحة إلى ممارسة العنف في مصر وفي غير بلد عربي، لم يكن عارضاً في مسار نشاطها، فقد سبق تأسيسها في ستينات القرن العشرين، ممارسة “التنظيم الخاص” لجماعة الإخوان المسلمين التي توصف بأنها معتدلة للعنف ضد الخصوم، و اغتيال محمود فهمي النقراشي باشا، رئيس وزراء مصر في نهاية عام 1948 بسبب إصداره لقرار يقضي بحلها، وبالأصل فإن هذه الجماعات تعتقد بـ”جاهلية المجتمع وترفض الدستور والديمقراطية وتؤمن بالعنف كأسلوب وحيد للعمل السياسي”، ما يضعها في مواجهة مع حركة المجتمع الذي يتبادل التأثير والتأثر مع حركية الحضارات الإنسانية، التي تفضي إلى اندماج جميع سكان الكوكب في منتجاتها العلمية والصناعية والفنية الثقافية بشكل عام.


لماذا قتل فودة


انتقاد هذا العنف المؤسس له عميقاً، في المجتمع المصري والمجتمعات العربية عموماً، كان بذاته سبباً من أسباب إقدام قتلة فرج فودة على تنفيذ جريمتهم، فبعد مرور وقت قصير على نهاية المناظرات الفكرية التي واجه فيها عدداً من شيوخ التيارات الإسلامية في مصر ومفكريها، والتي خرج الجميع راضين عمّا جرى فيها من حوار قد يؤدي إلى تقريب المسافة بين التيار الليبرالي الذي يؤمن بضرورة انتماء مصر للعصر الحاضر، وبين التيارات الإسلامية المعتدلة، قامت جريدة “النور” الإسلامية والتي سبق لها أن اتهمت فودة بـ”الإباحية” بنشر بيان التكفير الذي أصدرته جبهة علماء الأزهر. والذي حرض القتلة على أن يفعلوا ما فعلوه.

9