فرحات مهني زعيم انفصالي يتربص بأمازيغ الجزائر

زعيم حركة استقلال القبائل لا يتوانى عن إظهار عدائه لكل ما هو جزائري ويعتبره استعمارا، مقابل استعداده للتعاون مع أي قوة أو كيان يُعينه على تحقيق حلمه الانفصالي وتفكيك وحدة البلاد.
الأحد 2019/05/05
بطل مشروع "ماك" الذي تنسجه الأيدي الخفية

يصرّ زعيم حركة استقلال القبائل فرحات مهني الذي يصفه البعض بـ“الانفصالي البربري”، على تقديم خدماته المجانية للسلطة، بمشروع سياسي مرفوض شعبيّا حتى داخل القلاع الخلفية للأمازيغ في منطقة القبائل. وهو ما يكون قد ضمن له الحماية من المتابعات والعقاب، رغم أن الأمر يتعلّق بالسيادة والوحدة الوطنيتين، فالرجل محصّن من المساءلة، بينما يتابع من علّق على منشور في الفيسبوك أو وضع له إشارة إعجاب.

عاد مهني إذاً بقوة في ذروة الحراك الشعبي المتصاعد بالجزائر، ليتحوّل إلى إحدى الأوراق المكشوفة في إدارة موازين القوة داخل البلاد، رغم إجماع المراقبين على أن مشروعه انتحاري، يقوض الأمازيغ في رقعة جغرافية غير قابلة للحياة، وأنه لم يكن ليحظى بهذا الزخم، لولا آليات الغلق التي أخرت تعرية الرجل والمشروع معا، أمام البربر أولا والجزائريين جميعا.

فيما يقبع العشرات من المدوّنين خلف السجون، لمنشورات أو تعاليق وضعوها في شبكات التواصل الاجتماعي، لإدانة ممارسات السلطة، أو معارضة سياساتها، يتمتع مهني بكامل حريته في تنقلاته وتصريحاته. ومن الصعب استيعاب الإقرار بسجن الشاب غرمول الحاج، من محافظة معسكر بغرب البلاد، لأنه رفع لافتة منذ أشهر رفض فيها الولاية الخامسة لبوتفليقة، بينما يسمح لمهني، بإلقاء محاضرة بواسطة الفيديو من فرنسا في جامعة تيزي وزو.

ويوحي عنوانا العمليْن إلى فرق شاسع بين طرح الرجلين، إلا أن المعاملة الأمنية والقضائية تكيل بمكياليْن في الجزائر، فالأول الذي سجن بسبب رأي معارض للسلطة، ثبت بمرور الأيام أنه يقع في صلب مطالب الحراك الشعبي، بينما الثاني قدّم محاضرة بعنوان “الاحتلال الجزائري للقبائل”، ومع ذلك لا أحد يتحرك لا في الحكومة ولا في السلطة العسكرية الحساسة جدا لخطاب السيادة والأمن الوطني.

ويكاد الجزائريون يجمعون على أن وهم دولة القبائل التي يطالب بها مهني، يقدّم خدمة مجانية للسلطة الخفية وإلا كان مصيره أبشع من مصير الكثير من المعارضين، وأن سياسة الغلق الممارسة عليه، صنعت منه ماردا كرتونيا يتحلّل بقطرات مطر، أو يطارد بالنعال والبيض في تيزي وزو نفسها، لو وضع وجها لوجه أمام سكان المنطقة أو عموم الشعب في ربوع البلاد.

أصالة العنصر الأمازيغي

الرد الشعبي الغاضب والرافض للانفصال عن الجزائر يأتي سريعا من سكان مدينة تيزي وزو، الذين خرجوا في مظاهرات حاشدة للتنديد مجددا بمشروع فرحات مهني وبدسائس السلطة التي تريد إشعال فتنة عنصرية للهرب من الاستحقاق الديمقراطي
الرد الشعبي الغاضب والرافض للانفصال عن الجزائر يأتي سريعا من سكان مدينة تيزي وزو، الذين خرجوا في مظاهرات حاشدة للتنديد مجددا بمشروع فرحات مهني وبدسائس السلطة التي تريد إشعال فتنة عنصرية للهرب من الاستحقاق الديمقراطي

لقد ظل مهني يُسدي خدماته الجليلة للسلطة، لتخويف الشارع من أي مبادرة للتحرر من طغيان السلطة، ولا يختلف مشروع حركة انفصال القبائل، عن تنظيم داعش وقبله القاعدة، التي ما انفك النظام يوظفها كفزّاعة لإثارة المخاوف، أو شمّاعة يعلّق عليها قراراته وأجنداته الجاثمة على صدور الشعب منذ عقود. وتكفي المتابع لحظات قليلة فقط، ليحكم على جمود أفكار المشروع الانفصالي لمهني، فالرجل الحالم بدولة قبائلية متحرّرة من الاستعمار الجزائري، يتجاوز كل الحقائق العقلية والمنطقية، ويصنع لها ذرائع لا تستند إلى أي مسوغ تاريخي أو سياسي ولا حتى جغرافي واقتصادي.

رغم أصالة العنصر الأمازيغي في المنطقة، قياسا ببقية الأعراق الأخرى، مهما اختلفت المقاربات التنظيرية في أصوله، وتوزعه في كل ربوع البلاد، وربوع منطقة شمال أفريقيا، يريد له مهني، دولة في ثلاث محافظات تشكل منطقة القبائل حاليا، وهي تيزي وزو وبجاية والبويرة. ودون أن يقدّم استشرافا لمستقبل وتبعات المشروع الانفصالي وإمكانيات تجسيده على الأرض، يجد الأمازيغ أنفسهم محشورين في رقعة لا تشكل حتى واحد بالمئة من عموم البلاد، من غير أن يطرح منظّر المشروع حلولا لوضع المقيمين والمولودين خارج منطقة القبائل، ولا للأواصر المتجذّرة بين الإثنيات المكوّنة للمجتمع الجزائري الحالي، ولا للمقومات الاقتصادية والثروات التي تكفل للدولة الحلم إعالة شعبها وخدمته.

دويلة مشوهة

وباستثناء شريط ساحلي بنحو 200 كيلومتر يريح مشروع مهني، فإن حدوده البرية ستضعه في زجاجة، فكل حدوده البرية يقتسمها مع “المستعمر”، وكل نشاطه الاقتصادي والتجاري سيرتبط معه، الأمر الذي يحكم على دولة القبائل المنشودة بالموت الحتمي في أحسن الأحوال، قبل أن يصطدم مشروعها برفض أمازيغ القبائل وشتّى ربوع البلاد، ويضع فرحات مهني، في خانة الأدوات الخادمة لقوى خارجية وداخلية.

وكانت الحركة الثقافية البربرية في ثمانينات القرن الماضي، قد دفعت بالعديد من رموز النضال الثقافي واللغوي في المنطقة إلى الواجهة، ومن بينهم فرحات مهني، الذي أخذ نهجا متطرّفا وحتى انتحاريّا، بعدما شذّ على رفاق الدرب الذين يتمسكون بالوحدة الوطنية، ويضعونها في خانة الخطوط الحمراء.

أما اليوم فلا يتوانى مهني عن إظهار عدائه لكل ما هو جزائري ويعتبره استعمارا لبلاده، مقابل استعداده للتعاون مع أي قوة أو كيان يُعينه على تحقيق حلمه الانفصالي وتفكيك وحدة البلاد، وتجرأ في سنوات ماضية على زيارة تل أبيب، وتعاطف مع المسؤولين الإسرائيليين نكاية في الجزائر والجزائريين الذين يدعمون الشعب الفلسطيني.

فرحات مهني يسدي خدماته الجليلة للسلطة كما اعتاد دوما، لتخويف الشارع من أي مبادرة للتحرر من طغيانها، ولا يختلف مشروع حركة انفصال القبائل، عن تنظيم داعش وقبله القاعدة، التي ما انفك النظام يوظفها كفزّاعة لإثارة المخاوف، أو شمّاعة يعلّق عليها قراراته وأجنداته الجاثمة على صدور الشعب منذ عقود

وفي إطار مشروعه التقسيمي، دعا خلال الصائفة الماضية، بالموازاة مع انفجار فضيحة الكوكايين، دعا مهني، إلى تشكيل فرق من الميليشيات المسلّحة في المنطقة، للدفاع عن السكان مما أسماه بـ“غطرسة الأجهزة الأمنية للاستعمار الجزائري”، وأظهرت صور تداولتها بعض المدوّنات بزّات وأسلحة، إلا أنه لم يظهر أي أثر لتلك المجموعات، بسبب فشل الرجل في تعبئة الشارع القبائلي لمشروعه.

وكان قد أعلن في وقت سابق عن ميلاد حكومة دولته في المنفى منذ سنوات، لكنه فشل في افتكاك اعتراف أو تعاطف أي دولة أو قوة بما فيها تلك المعروفة بعدائها للجزائر، وحتى الأكاديمية البربرية أو المؤتمر العالمي للأمازيغ، لم يوليان أهمية للمشروع كونه يقزم البعد الثقافي واللغوي الأمازيغي في حدود جغرافية ضيقة.

فشل شعبي

يؤكد قرار السماح لمهني، بإلقاء محاضرة الاحتلال الجزائري للقبائل على طلبة جامعة تيزي وزو في بحر هذا الأسبوع، في الحين التي تمنع فيه وزارة التعليم العالي فتح المدرجات أمام ناشطين وأساتذة جامعيين، على غرار سليم بن خدة، الذي تحمل جامعة الجزائر المركزية اسم والده “بن يوسف بن خدة”، ومصطفى بوشاشي، بأن السلطة بصدد حبك مناورة عبر إذكاء صراعات ثقافية وأيديولوجية لتوجيه اهتمام الرأي العام من الحراك الشعبي إلى المسائل الهامشية.

ويجزم الكثير من المعارضين الجزائريين بأن مشروع “الماك” وهو الاختصار اللاتيني لمشروع فرحات مهني، هو أداة من الأدوات التي توظفها السلطة الخفية “الاستخبارات”، في التلاعب وتوجيه الرأي العام، وأنه يؤدي دوره في تخويف الجزائريين من أي مقاومة سلمية للنظام السياسي القائم.

إلا أن الردّ جاء سريعا من سكان مدينة تيزي وزو، الذين خرجوا في مظاهرات شعبية للتنديد مجددا بمشروع مهني، وبدسائس السلطة التي تريد إشعال فتنة عنصرية، مطالبين طرد أنصار المشروع، والتعبير عن تمسّكهم بوحدة وهوية البلاد، والانضواء تحت لواء الحراك الشعبي الضامن للتنوع والاختلاف تحت سقف الجزائر، ورفض أي محاولة للتفرقة بين أفراد الشعب.

دخول منظّر المشروع الانفصالي في عزلة شعبية بمنطقة القبائل، يؤكد هشاشة المخطط
دخول منظّر المشروع الانفصالي فرحات مهني في عزلة شعبية بمنطقة القبائل يؤكد هشاشة مخططه

إن دخول منظّر المشروع الانفصالي، في عزلة شعبية بمنطقة القبائل، يؤكد هشاشة المخطط، وقد بات مهني الذي يحيط نفسه ببعض العشرات من أنصاره، بعيدا عن المناضلين الكبار للهوية والثقافة الأمازيغية خاصة في منطقة القبائل، ووجد نفسه يغرّد خارج الأطر النضالية والسياسية التي انخرط فيها، كالحركة الثقافية البربرية وحزب التجمّع من أجل الثقافة والديمقراطية المعارض. أما نجل الزعيم التاريخي حسين آيت أحمد، فكان قد أبلغ مهني، رسالة قوية حين منعه من إلقاء كلمة بمناسبة الترحم على جثمان الفقيد لما وافته المنية العام 2015، ورفض حتى مصافحته أمام الملأ، وفوق ذلك وشّح يوغرطة آيت أحمد، الحافلة التي كانت تقلّ وفدا من المعزّين الأجانب في جنازة والده بالراية الوطنية، حينما حاول أنصار مهني تزيينها برايات الحركة الانفصالية.

ورغم تشبّثه بقميص المناضل والمطرب القبائلي المعارض للسلطة معطوب الوناس، كرسالة سياسية ومشروع أيديولوجي، إلا أن الانتقادات التي وجهتها له مليكة معطوب، حول توظيف رصيد ونضال شقيقها من أجل القضية الأمازيغية للترويج لمشروعه الانفصالي، عرّى مهني وزاد من عزلته الشعبية.

وقالت مليكة معطوب إن “على مهني التوقف عن الحديث باسم الأموات، وأن شقيقي لم يكن أبدا انفصاليّا، ولم يكن فقط قبائليا، بل كان جزائريّا إلى حد أظافره”، في إشارة لاستغلاله ذاكرة المجتمع القبائلي ورمزية شقيقها الراحل في خدمة أغراض ضيقة تضرّ بالأمازيغ أنفسهم وبالوحدة الوطنية.

وكان ناشطون سياسيون، كرئيس الاتحاد الديمقراطي الاجتماعي كريم طابو، وحزب حركة الشباب من أجل التغيير رشيد نكاز، قد رافعوا من أجل رفع الحصار المضروب على مهني، من أجل كشف حقيقته أمام الرأي العام، وأمام سكان منطقة القبائل تحديدا. وقال طابو إن “الحريات هي التي تكشف حقيقة الجميع، وأن فرحات مهني استفاد من الغلق والتضييق، وأن الأفكار تضرب بالأفكار وليس بالقمع، ومن حق الرجل الترويج لتصوراته والشعب الجزائري هو الذي يحكم على الجميع في أجواء الديمقراطية والحريات”.

8