فرحة كروية في زمن الخيبة السياسية

الخميس 2014/02/06

كانت مفاجأة جميلة أن يستطيع فريق رياضي من فتيان في مقتبل العمر، أغلبهم من مواليد التسعينات، أن يقدم كل هذا الفرح لشعب يبلغ تعداده ستة ملايين مواطن، وينتشر فوق مساحة من الأرض تزيد على المليون وسبعمئة ألف كيلو متر، تفصل بين حواضره وقراه، الصحاري الشاسعة وسلاسل الجبال، كما تطفو على سطح حياته، خلافات جهوية وعشائرية، ونعرات إقليمية وعرقية. فتأتي هذه الدستة من الصغار وعبر مباراة في جنوب أفريقيا، استمرت لمدة ساعتين، لتصنع فرحا انقطع عنهم منذ فرحة الانتصار على الطاغية في معركة الحرية التي فرضها عليهم نظام القهر والإجرام والدم، وتخترق هذه الفرحة تراكما من الخيبات السياسية والانكسارات، التي أحدثها الأداء الفاشل للنخب السياسية التي تدير البلاد، والاحتراب الخارج على القيم والمناهض للدولة والقانون والنظام، الذي ينشب بين الميليشيات المسلحة. وكان طبعا أكثرها فجيعة وإجراما عندما اشتبكت بعض هذه الميليشيات مع متظاهرين مسالمين في طرابلس، فقتلت منهم أكثر من أربعين شخصا وجرحت المئات، وازداد عدد الخيام التي تنصب في مناسبات الموت والمآتم التي تقام في بنغازي كل يوم، بسبب الاغتيال والتفجيرات.

نجحت هذه المجموعة الصغيرة من الشباب، عن طريق الفوز بكأس الأمم الأفريقية، في توحيد مشاعر الشعب الليبي من أقصى البلاد شرقا إلى أقصاها غربا، فقد خرجت الجموع في مدن ليبيا وقراها بما في ذلك سبها الجريحة، التي كانت تشهد احترابا بين عناصر الجيش والثوار من جهة، وبين عناصر من المرتزقة والخونة والأجانب جندها أعوان النظام السابق وأبناء الطاغية في الخارج من جهة أخرى. وخرجت مدينة بنغازي برجالها ونسائها لتفرح بالحدث وهي المدينة التي نزفت ومازالت تنزف على يد عناصر ليبية وأجنبية ممن ينتمون إلى ميليشيات الإسلام المتطرف وتتبنى فلسفة القتل والتصفية على طريقة القاعدة وأتباعها، بل نجحت هذه الميليشيات في أن تحوّل مدينة حضارية هي مدينة درنة إلى إمارة إسلامية، مختطفة من محيطها الليبي، ولكن الحسم سيتم قريبا مع هذه العناصر التي أساءت إلى ثورة كريمة شريفة من أنصع وأشرف الثورات في التاريخ.

يتفاءل الليبيون خيرا بهذا الانتصار، ولم تكن هذه المبالغة في الابتهاج بهذا النصر والاحتفال به شعبيا ورسميا إلى حد أن الحكومة قررت أن تعلن اليوم التالي للنصر الكروي عطلة رسمية لمزيد من الأفراح والاحتفال، أقول إن هذا الفرح العارم لم يكن إلا إظهارا لروح التفاؤل بما أنجزه هؤلاء الشباب، فهي الكأس الأولى على المستوى القاري يحصل عليها أبطال لعبة كرة القدم في ليبيا، رغم أن الرياضة الليبية رياضة عريقة وكانت فعلا مؤهلة للوصول إلى الأفق العالمي وهو ما حصل لأبطال كرة السلة وحصل لعدد من الملاكمين وحصل لأبطال عدد من الرياضات بينها سباق الدراجات، وكانت كرة القدم نفسها تسجل انتصارات على المستوى الإقليمي، وكان بعض اللاعبين قد تفوقوا وهم يلعبون مع فرق إيطالية، بسبب الصلة التي كانت تربط ليبيا بدولة الاستعمار القديم، إلا أن النظام الانقلابي الذي جاء بشعاره الإجرامي، “لا نجومية في المجتمع الجماهيري”، وشعار آخر سابق له هو؛ “الخيمة تنتصر على القصر”، كان معاديا لكل مظاهر التفوق والنجاح في الرياضة وغيرها، منتصرا للبدائية ضد التحضر، وللجهل ضد العلم، وللفشل والخمول ضد التألق والتفوق والنجاح، فأطفأ كل النجوم وكل القناديل.

وكان أهل الإبداع يفاجئون النظام الإجرامي ببعض بوادر الاختراق للحصار الذي فرضه عليهم، فيحدث أن تأتي فرقة للفنون الموسيقية والاستعراضية أو فرقة مسرحية بالفوز في مهرجان دولي فيكون الجزاء، هو تعطيل الحياة الفنية الموسيقية الاستعراضية أو المسرحية لعدة أعوام لقتل أية موهبة يمكن أن تحقق هذا الاختراق، وهو ما حصل في الرياضة أيضا، فقد فاجأ المنتخب الليبي جلاوزة النظام بأنه وصل إلى تصفيات كأس أمم أفريقيا عام 1982 ولعب المباراة النهائية مع غانا التي خسرها عن طريق ضربات الجزاء، ولعله لم يخسرها إلا لمناخ من الإرهاب والترويع صنعه النظام لعناصر الفريق بدلا من تشجيعهم والاحتفال بهم، ثم جاء العقاب، وهو إيقاف رياضة كرة القدم في ليبيا، ومنع المباريات المحلية التي تقام على مستوى البلاد، بل وحدث أن اعتدى على بعض الأندية وحلها، وتعطلت كرة القدم تعطيلا كاملا، وحدث أن أبطال تلك المباراة الذين كانوا موضع احتفال شعبي جعل أسماءهم تدخل الفلكلور وأغاني الأعراس، أن تم عقابهم وإدخالهم عنوة إلى التجنيد الإجباري لكي تنتهي علاقتهم بالكرة، ويقول أحد أبطال ذلك الزمان فوزي العيساوي إن الشرطة السرية استدعته للتحقيق، وقادته مخفورا من بنغازي إلى طرابلس دون تهمة، حيث وجد المحقق يسأله كيف أصبح اسمه يتغنى به الناس في الأعراس، ولم يكن لدى البطل الرياضي جواب يقوله، فهو لا يملك أموالا يؤجر بها كتبة الأغاني ومغنياتها للإشادة باسمه، ونفى أن يكون على معرفة بهؤلاء الناس، أو علاقة شخصية بهم، ولا يدري ما يمكن أن يفعله لمنعهم من ذلك. فكان عقابه أن وجد نفسه مرغما على دخول التدريب العسكري، والتعرض للإهانة والانقطاع عن النادي ليعيش حياة أشبه بحياة الاعتقال والسجن.

وطبعا نسي العالم الكرة الليبية، ولم يعد أحد يذكر الفريق الليبي في أي محفل إقليمي أو عالمي، وأذكر أنني التقيت صدفة ببطل من أبطال كرة القدم المصريين، ممن احتكوا في الستينات بالمنتخب الليبي، الذي فاز ذات مرة على المنتخب المصري نفسه، وهو عادل هيكل، وسألني في استغراب وفجيعة أين ذهب ذلك الزخم، وذلك الأمل وتلك الإمكانيات التي كانت تبشر بكرة ليبية ذات مستوى يهدد أبطال هذه الكرة في المحيط الجغرافي لليبيا، فأبلغته متأسفا بأن ينسى موضوع الكرة في ليبيا، وهو ما تكرر مع آخرين يسألون عن فرق فنية ومسرحية ومواهب في الغناء والموسيقى والتمثيل فأقول لهم إن ليبيا تعيش مرحلة انحسار وانكسار ولا أمل في عودة الحياة إلا بانتهاء النظام الإجرامي الذي يحكمها. وها قد انتهى ذلك النظام، وعاد إلى ليبيا التألق والإبداع الذي سنراه بإذن الله في كل المجالات.


كاتب ليبي

9