فرح الديباني: أتطلع إلى نهضة أوبرالية عربية

الأوبرالية فرح الديباني تحلم بالعودة إلى مصر كي تساهم في ترويج وتعليم الغناء الأوبرالي لبناء كوادر جديدة قادرة على إنعاش هذا الفن.
الثلاثاء 2019/06/25
نحو المزيد من تمصير فن الأوبرا

لم يتوقف نجاح مغنية الأوبرا المصرية فرح الديباني عند حصولها على جائزة أفضل مغنية شابة في أوبرا باريس مؤخرا، وهي جائزة لم يصل إليها أي فنان عربي من قبل، لكنها أعادت تسليط الضوء على الأوبرا والمواهب التي تتبناها، وقالت في حوار أجرته معها “العرب”، إن كسر الحواجز بين الثقافات الموسيقية ضرورة حضارية يلعب المبدعون المجددون دورا بارزا فيها، وذلك من خلال التقريب مثلا بين الثقافة الشرقية والأوبرا، والدمج والمزج بين أصالة الفن الأوبرالي والتراث العربي.

القاهرة- تبقى الأوبرا جزءا أصيلا يمثل الفن الغربي بكلاسيكيته المعهودة وأفكاره الثقافية المتجذّرة، لذلك يصعب على الكثيرين استيعاب هذا النوع من الفن الراقي، وجاءت فرح الديباني، كشابة مصرية صاحبة صوت أوبرالي جذاب، لتكسر حاجز برودة العلاقة بين الأوبرا العربية ونظيرتها الأوروبية، بعملها غير المسبوق في فرقة أوبرا باريس، قبل أن تحقق إنجازا من خلال فوزها بجائزة أفضل مغنية شابة في الأوبرا الفرنسية.

ونشأت فرح في أسرة مصرية فنية تعشق الموسيقى وتحضر حفلات الأوبرا، وبدأت مشوارها الفني في عمر السادسة، وقتها كانت تتعلم البيانو، وعندما لاحظ والدها موهبتها مبكرا اتجهت نحو رحلة موسيقية احترافية، بدعم من أستاذة الفن الأوبرالي في مصر نيفين علوبة، وتعلمت منها القواعد الأساسية لهذا الفن في سن الرابعة عشرة، ثم انتقلت إلى ألمانيا لتعلّم أصول الأوبرا بالتوازي مع دراستها للهندسة المعمارية.

وقالت فرح الديباني في حوارها مع “العرب” إن ميزة الأوبرا في قدرتها على الجمع بين فنون الغناء والموسيقى والرقص والديكور والمزج بينها، وهي عملية ليست سهلة وتحتاج إلى الكثير من التمرينات والتدريبات مثل الألعاب الرياضية. وأضافت “كان اختيار الغناء الأوبرالي مغامرة جميلة، بدعم من أسرتي ومدرستي، ثم الانطلاق للغناء على مسارح الدولة في القاهرة والإسكندرية، وجاءت التجربة الأكبر مع قراري بالسفر إلى ألمانيا لتعلم أصول هذا الفن هناك وتحقيق حلمي”.

واجهت فرح الديباني الكثير من التحديات عندما قررت السفر لدراسة الأوبرا، والجمع بين دراستها الأصلية، وهي الهندسة، وبين دروس الأوبرا، والبحث عن مكان في العالم الأوروبي، وكان البعض في ألمانيا يتعجبون من أنها عربية وجاءت لدراسة فن غربي كلاسيكي، لأنهم لم يعتادوا ذلك من قبل.

وكشفت لـ“العرب” أنها حققت الإنجاز الأكبر في حياتها بالانضمام إلى فرقة أوبرا باريس، وسط منافسة مع المئات من المغنيين حول العالم عام 2016، وأصبحت أول عربية تلتحق بها، وتعلمت وشاهدت الكثير من الأعمال الأوبرالية، وحصلت على جائزة أفضل مطربة صاعدة، ثم قامت إدارة الأوبرا بمد عقدها بشكل استثنائي لثلاث سنوات، وهو أمر جديد على المعهد الفني الكبير.

وأوضحت أن أحد المعوقات التي تواجه الأوبرا في الدول العربية تكمن في صعوبة انتشارها وفهمها، وأحيانا السخرية منها، فلا أحد يفهم لماذا ينطلق البعض بالغناء الطويل وبنبرات عالية وكلمات غير مفهومة، وتراجعت الأوبرا في مصر منذ منتصف القرن الماضي قبل أن تظهر محاولات حثيثة لاسترجاع مكانتها في العقد الأخير.

فرح الديباني: التقريب بين الفنون الأوبرالية والشرقية يطلق المواهب العربية
فرح الديباني: التقريب بين الفنون الأوبرالية والشرقية يطلق المواهب العربية

ومرّت الأوبرا المصرية التي نشأت في عهد الخديوي إسماعيل عام 1869 بمراحل متعددة بين صعود وهبوط وتفاعل لدى المستمع والمتابع العربي، وكانت حتى نهاية الأربعينات من القرن الماضي أحد اهتمامات المجتمع المصري من الطبقات فوق المتوسطة، لكنها بدأت تتراجع في الخمسينات وحلّت مكانها الفنون الشعبية والتراثية، تماشيا مع النهج السياسي العام لمصر وقتها، والقائم على تعزيز القومية العربية على حساب الحد من مكوّنات الثقافة الغربية. وعادت الأوبرا للازدهار في التسعينات من القرن الماضي، وبدأت الحكومة المصرية تهتم بدعم الفن الأوبرالي والتدريب عليه وتقديم الحفلات، لكنه بقي منحصرا في النخبة.

ثقافة القبول

أكدت فرح الديباني لـ“العرب” أن ثقافة قبول فن الأوبرا والاستمتاع به تغيرت في المجتمعات العربية، وهو ما ظهر من خلال إقبال الجمهور على حفلات الغناء الأوبرالي ومتابعته في الأماكن التي تعرضه. وحددت الديباني سببين لعبا دورا في هذه الطفرة، الأول: ظهور ورش وجمعيات وروابط خاصة يقودها محترفون وهواة لدعم المواهب الصوتية والتمثيلية، مثلما حدث معها في ورشة “فبريكا” التي اكتشفتها شخصيا وقدمتها للجمهور ودعمتها في السفر إلى ألمانيا، ويرتبط السبب الثاني بفكرة تمصير أو تعريب الأوبرا.

وأشارت الفنانة المصرية إلى أن الأوبرا عمل غربي معقّد وفن جليل له رونقه وشكله الخاص، ومع تقريبه عبر تعريب اللغة أو إنتاج مسرحيات أوبرالية خاصة بالثقافة العربية أو من خلال الدمج بين الطرب العربي والغناء الأوبرالي المسرحي، يمكن زيادة الإقبال عليه.

ويواجه الفن الأوبرالي انتقادات من بعض الشباب الذين يرون فيه “فنا نخبويا غير مفهوم، ولا يصل إلى كافة المتابعين”، ويظل حبيس فئة صغيرة لا تبحث سوى على التقليد الغربي. ولفتت فرح إلى أن الأوبرا نوع من الفنون، ولا يوجد فن يحظى بحب أو قبول الجميع، لكنها تعترف أن الصورة الرافضة للأوبرا تغيّرت كثيرا في الآونة الأخيرة.

وينتشر تعريب الأوبرا كإحدى الأدوات التي لجأ إليها فنانو الأوبرا العرب للترويج والدعم، وظهرت في هذا الاتجاه محاولات عدة في مصر ولبنان والمغرب، أشهرها قيام المايسترو المصري شريف محيي الدين بتحويل روايتي “السقا مات” و”ميرامار” إلى مسرحية أوبرالية، اعتمدتا الغناء على قواعد الأوبرا الأصلية والكلمات العربية، وحققتا نجاحا كبيرا، ومزج فيهما المايسترو شريف بين الشرق والغرب، في القصة واللغة والغناء والموسيقى.

أوبرا عربية

أكدت الفنانة المصرية فرح الديباني أن فكرة تخفيف الأوبرا وتقديمها بصيغة عربية لتناسب الجميع قضية تستحق الدعم، بعد أن لاحظت تفاعل الجمهور مع المسرحيات المعربة، قائلة “تعاونت في بعض المسرحيات، منها أعمال مترجمة لموتزارت، وكانت مثيرة وملفتة”. ويبدو المشهد أكثر رحابة مع التوسع العربي في عالم الأوبرا، وأصبح هناك دور كبير للأوبرا في العديد من الدول العربية، منها الإمارات وسلطنة عُمان والكويت، وتتعاون الدول الثلاث مع فنانين عالميين.

وأعربت الفنانة المصرية عن رغبتها في التعاون والمشاركة في أي من دور الأوبرا العربية والمساهمة في دعم هذا الفن العريق، لأن فكرة تقريب الأوبرا لعقول المشاهدين من جنسيات وثقافات مختلفة منتشرة في الكثير من الدول.

الفنانة المصرية تتمنى تقديم أعمال تمزج جمال غناء وموسيقى الشرق مع جماليات الأوبرا الغربية، مؤكدة أن المزج الناجح يفرز أوبرا عربية مختلفة
الفنانة المصرية تتمنى تقديم أعمال تمزج جمال غناء وموسيقى الشرق مع جماليات الأوبرا الغربية، مؤكدة أن المزج الناجح يفرز أوبرا عربية مختلفة

وفي ألمانيا مثلا، تقدّم العروض باللغة الألمانية والموضوعات تعالج القضايا المرتبطة بالمجتمع، وقد شاهدت فرح ذلك أيضا خلال تقديمها حفلات مع الفرقة الفرنسية في الصين وعلى مسرح “بولشوي” في موسكو، ويحدث ذلك في بعض دول أميركا اللاتينية، لأن الفن لا يمتلك جنسية ولا يقف عند بلد أو قارة، فهو متطور ومتغير ليتناسب مع أذواق الشعوب، ويلامس القلوب، وحان الوقت لتكون الكثير من الدول العربية على موعد للتشابك معه والإضافة إليه.

وقدّمت أوبرا لبنان بالتعاون مع أوبرا مصر منذ عامين أول عروض أوبرالية باللغة العربية عبر تقديم قصة “عنتر وعبلة” الشهيرة، وشهد العرض نجاحا عندما تم تقديمه في أكثر من دولة عربية وخليجية، وبدا الجمهور أكثر قبولا للعمل الفني لأنه شاهد قصة يعرفها جيدا من تراثه وبلغة عربية يدركها ويستوعبها.

ومع ذلك، يرى البعض من النقاد أن معظم أشكال الأوبرا العربية تقدّم بشكل معرّب أقرب إلى المعروضات المتحفية أو المتحجرة، بما يجعلها تشبه البضاعة المعاد تدويرها كي تحافظ على رتابة الغرب وثقافته بلغة عربية دون اشتباك حقيقي مع التراث القادر على التوسع والوصول لقطاعات واسعة من الجمهور، وهو ما جعل التجارب الأوبرالية العربية تبدو منعزلة عن بعضها وعن المشهد العالمي وبحاجة لثورة فنية.

وطالبت فرح الديباني في حوارها مع “العرب” بضرورة تطوير أداء الأوبرا العربية والرجوع إلى المنبع الأصلي للفن عبر السفر والدراسة بالغرب، كي يمكن تعلّم الأصول العلمية، فذلك هو “مفتاح الترويج والنجاح الحقيقي، ولا يمكن النهوض بفن دون دراسته بكل جوانبه، واستيعاب أنماطه ليصبح التعديل والتطوير في الصالح العام”.

وتحلم الأوبرالية المصرية بالعودة إلى مصر كي تساهم في ترويج وتعليم الغناء الأوبرالي وإنشاء رابطة أو مركز لتعليم وشرح الغناء في الأوبرا لبناء كوادر جديدة قادرة على إنعاش هذا الفن، وقالت لـ“العرب”، “أتمنى تقديم أعمال تمزج جمال غناء وموسيقى الشرق مع جماليات الأوبرا الغربية، وكلما كان المزج ناجحا سوف تكون هناك أوبرا عربية مختلفة”.

16