فرح بطعم الرمان

الأربعاء 2014/01/08

هل للفرح لون وطعم؟ شخصيا أتخيل الفرح أحمر قانيا، وبطعم الرمان، لأن معلما حكيما اختار ذات يوم، من أواسط سبعينات القرن الماضي، في مدرسة ابتدائية بعيدة، أن يهدي طفلا حبات حلوى حمراء دقيقة كفصوص الرمان، بعد أن قرأت حكاية من "كليلة ودمنة" ونجحت في إعادة حكيها على زملائي التلاميذ، دون ارتباك.

هكذا امتزجت في ذاكرتي متعة الأدب بطعم الرمان، غير أني سرعان ما سأكتشف، مع مرور السنين، وتساقط الشعر، أن الفرح في مجتمعاتنا، ليس بطعم الرمان ولا الكرز ولا أي فاكهة حلوة، وإنما هو ثمرة غير ناضجة، صلبة، ولا تترك طلاوة في الحلق.

لقد تعودنا أن نتطيّر من الضحك البريء، وأن نأخذ حذرنا من السرور المفاجئ، وأن نضع أيدينا على قلوبنا حين نسمع بشارة.. لقد نفذ إلى قرار وجداننا وجوب مداراة المنشط بالمكره، وكتم الابتسام بالوقار.. وستر المسرات والنشوات عن الأقارب والأباعد بالخمُر الداكنة.

لا وجود لفرح لا ينغصه في عقيدتنا عذاب، ولا حبور لا تزيغ به الوساوس. لذا فليس غريبا أن نلبس نحن المغاربة في العرس والحداد الأبيض الناصع ذاته، دونما طبقات لونية، تفصل بين الموت والحياة.

أستعيد هنا مشهدا روائيا بالغ الدلالة في روايات نجيب محفوظ التي تناولت عوالم الفتوات، ولا سيما في "ملحمة الحرافيش"، هو مشهد الزفاف (الفرح بالتعبير المصري) الذي يكون موعدا لامتحان صلابة الزعران والشطار في الحواري الشعبية، وسبر مناعتها أو هوانها على الغرباء. فالعريس يخرج بعروسه في حماية فتوات حيه وما إن يعبر عتبات الحي حتى يهاجمه الخصوم، فيحولوا الفرح مأتما، إذ ينكل بالعريس وتختطف العروس، وتكسر أجواء الطرب والرقص، ويفرق الجمع المحتفي أيدي سبأ. تبدو الاستعارة المحفوظية بالغة الدلالة في التعبير عن فرحنا المكدر على الدوام، لا سيما في التعبير عن حال أعراس مجتمعاتنا الأخيرة التي فرحنا في بدايتها، وصدق حدسنا حين وضعنا أيدينا على قلوبنا بعد ذلك، ثم عندما تحوّل حبورنا حزنا مقيما.

ولأننا نخشى من الفرح الخالص، فمن الطبيعي أن نزهد في كل التعبيرات النفسية والجسدية الدالة عليه، لا سيما إذا كانت فردية وغير معوّمة بالإسهام الجماعي، فالرقص مثلا، هو أرقى تعبير عن الغبطة، لا يستقيم في عرفنا إلا إذا كان جماعيا (أي شكلا من أشكال الفولكلور) أما الرقص الفرديّ فيجب أن يكون محجوبا، وغير عمومي، لأنه ماجن وفاضح، لكن من قال أن الرقص يجب أن يستر ويداري؟ فنحن حين نفرح نتوق إلى الفضفضة والكشف، أي أن نخرج من سجايا الحضارة إلى فطرية الجسد.

في مقاله البديع عن الراقصة المصرية الشهيرة "تحية كريوكا" تحدث إدوارد سعيد عن تلك الابتسامة الخالدة التي تقول كل شيء في محيا الفنانة، وهو التعبير الذي سيختفي في الرقص السوقي الذي سينتشر بعد ذلك عند راقصات اتخذن ألقاب "فيفي" و"سوسو" و"ريري" وما جاورها.. ابتسامة كانت تتوهج كلما أوغل الجسد في الكشف والصهيل، لكن اللافت أن تلك الابتسامة المرسومة على صفحة الوجه الهاش، المخضل عذوبة، لم تكن صافية بالمطلق، بل كانت تكدّرها، على الدوام، ظلال داكنة نحس بها تنطق بوجع الجسد المنتشي. لذا فحين نستمع إلى "تحية كريوكا" في أحاديثها نحس بها متدفقة بالغبطة الأصيلة لكنها معذبة، في العمق، بالمحيط السقيم.

في الواقع ليس عيبا أن نتوجس من القادم الغامض، (متى كان القادم من الزمن غير غامض) وأن نخشى من زحف الشقاوة بعد لحظات منشط عابر، لكن من غير المقبول أن يكتسح السواد البياض، وأن تتحول الحكمة إلى شبه معاداة للحياة، وزهد في النعومة الوردية، فالفرح ولو كان فقيرا هو ذريعة العيش.


كاتب من المغرب

14