"فرح يختفي في المرآة" قصائد من شوك

رضوان العجرودي يقدم في ديوانه "فرح يختفي في المرآة" رؤيته الوجودية للعالم من خلال نصوص تعتمد القسوة في غالبها لتصوير مشاعر الشاعر.
السبت 2020/09/05
شاعر يخوض رحلته بالتذكر (لوحة للفنان سمير الصفدي)

الشعر شقيق الفلسفة ولو كان الظاهر ما بينهما هو الفرقة والتضاد، فإنهما متشابهان في وظيفتهما ألا وهي “التنوير”، وإن كانت الفلسفة تذكي مشعلها بالمنطق فإن الشعر يغذي شعلته بالمشاعر الواعية، تلك النامية من أفكار متخمرة في عمق الشاعر حتى تصبح أحاسيس مغروسة من خلالها يمكن للشاعر المشي في الظلام وقدح النور لتحرير الآخرين بالكلمة.

“فخرج يسوع خارجا وهو حامل إكليل الشوك وثوب الأرجوان. فقال لَهم بيلاطس: هو ذا الإنسان”.

بهذا المقطع من الإصحاح التاسع عشر من إنجيل يوحنا، يصدّر الشاعر التونسي رضوان العجرودي مجموعته الشعرية الأولى “فرح يختفي في المرآة”.

الرحلة القاسية

آثرنا ذكر التصدير لأنه فعلا موجز لنصوص المجموعة، وهي على تتابعها تصدر عن شاعر هو يتشبه بيسوع في محاولته تطهير العالم بآلامه، وهكذا هو الشاعر أيضا، لباس أرجواني من الطفولة على كتفيه، وتاج من أشواك الآخرين على رأسه، ولكنه يواصل رحلته المنذور لأجلها: كشف الزيف واستخراج الصور القاسية من حياة البشر لمعالجتهم وردهم إلى طريق الإنسانية والمحبة.

هاجس الماء هو ما يساعد رحلة الشاعر على الاستمرار وكأننا به في صحراء يشقها وحيدا بقسوة
هاجس الماء هو ما يساعد رحلة الشاعر على الاستمرار وكأننا به في صحراء يشقها وحيدا بقسوة

العودة إلى الطفولة منها يبدأ الشاعر مجموعته في نص “حكاية لا تعرفها أمي”، يقول: وضعتني أمي في ” ڨاجو” (صندوق) أصفر/ تحت شجرة لوز/ كان الحصاد. صورة صفراء كانت مطلع المجموعة ومادة تتفرع بقية نصوصها، هي صورة الولادة، ولكنها ليست ولادة في مستشفى أو في رخاء وهدوء وفرح، بل في صندوق أصفر، من تلك الصناديق المخصصة لحمل الخضار، وفي بيئة ساخنة زمن الحصاد وغباره في ظل شجرة.

هكذا هي الولادة غير العادية، الولادة القاسية وكأنها خروج من الأرض الجرداء، ولادة ستتتابع منها النصوص التي تصور ثوب الأرجوان وتاج الشوك، نصوص تعتمد القسوة في غالبها لتصوير مشاعر الشاعر وهو يشق العالم المزيف، وصوته الذي يصدح بالحقيقة ولو كانت دامية. فالطفل الذي أطلقته الأم للعدم صار شيخا ويحمل عصا، هكذا يرى الشاعر نفسه ويرى الولادة فعل إطلاق بما يكتنفه من قوة وقسوة وسرعة وهدف محدد.

يشق الشاعر طريقه، يقول عن نفسه “أتمرّنُ في الوديان والغابات/ أطوّع أطرافي للركض بلا انقطاع/ لديّ كيس مملوء بالصدى/ ذخيرة للعواء المجروح”، ومازلنا هنا في النحت القاسي الذي تنتهجه أغلب نصوص الكتاب في تصويرها الشعري المبتعد عن الرومانسية والمنطلق بمخلب الحنين إلى الأمام لا إلى الخلف، ليمزق كل غشاوة تعترضه ويستخرج منها ما هو مكلّف بكشفه من حقائق.

السير إلى الأمام هو هاجس الشاعر لكن وإن بينا طريقته القاسية في شق طريقه فإنه أيضا منساب بهدوء مائي كما يقول “كنت جدولا صغيرا أعبر بين شجرتين/ أسير هادئا/ إخوتي سواقٍ رقيقة تصل إلى النعناع وكرم العنب”، وهو ما يؤكد الثنائية التي انطلقنا منها “الأرجوان والشوك”، والتي تحكم أغلب نصوص المجموعة.

يقدم الشاعر رؤيته الوجودية للعالم من خلال ذاته المتعددة فكأنه يقحم الآخرين في ذاته ليقولهم من خلال ضمير المخاطِب “أنا”، ولكنه في خضم نصوصه الكاشفة عن المغتربين في مكعبات الإسمنت والمعذبين بالفقر والجوعى واليتامى والمنسيين، يراوح بين التخفي والظهور، فـ”الكتابة أشبه بسرقة بنك” في رأيه، ليست فعلا عاديا يستحق الثناء، إنها سرقة في بعدها الاحتياجي لا الإجرامي، وهو ما يؤكده الشاعر في تصويره للسرقة بين روائح العطر وبعيدا عن مراقبة الكاميرا.

في رحلته الشاقة من زمن الحصاد إلى زمن الشرطة والمغتربين، لا ينسى الشاعر أن يضع بين مفازاتها “ماء الرحلة” ألا وهو الحب، يقول مثلا “خذ كلمة  ‘حب‘/ مجرّدة دون تعريف/ احشرها في فمك/ جرّب أن تقولها في الحمّام/ ستخرج فقاقيع برائحة الليمون”.

ومن أجل “حبيبات الظل” اللواتي يخبئهن الشاعر عن الآخرين قدم ماءه يقول “من أجلهن حافظت على أوراقي في خريف مالح/ حفرت حفرة في الماء/ بعد كل هذا وأكثر/ ما زلت ذلك الوغد الذي يلف لسانه حول رقبته”.

هاجس الماء هو ما يساعد رحلة الشاعر على الاستمرار وكأننا به في صحراء يشقها وحيدا، وفي ذاته الآخرون. لكنه لا يوفر لهم الإقامة المريحة بل هو الوغد الذي يغدر بهم ويفضح تفاصيلهم المخفية لأجل رسالته الأسمى؛ الإنسان. حتى لو صار هو نفسه “ما بقي من ماء في إسفنجة بعد عصرها”.

متحف المخذولين

رحلة شاعر
رحلة شاعر

يذكر العجرودي مدينته في نص “النوم تحت قمر تطاوين”، ولكنه عدا ذلك لا يركز على مكان بعينه، فمن مدينته الأولى انطلق في رحلته التي لم يحدد لها مستقرا ولا جهة بعينها.

يقول الشاعر “لي أوقات فراغ طويلة/ أشعر داخلها أني تلك الإشارة التي تحمل ديكا يشير إلى جهة الريح/ نصيبي أن أنتظر الريح كي أعرف أن وجهتي خاطئة”.

لكن الرحلة يجب أن تستمر لأنها قدر الشاعر الراحل دون وصول في ما يشبه الورطة الوجودية تماما مثل النبوة، التي كانت أحمالا ثقيلة على كواهل الأنبياء ليرشدوا البشر إلى صلاحهم، يقول الشاعر “متورطّ فيك أيّها العالم/ تعرف ذلك؟/ متواطئ مع الجمع”.

ويستمر الشاعر في تعرية الزيف ونقد الأنظمة مثل قوله “صاروا يبيعون لنا الأحلام/ كانت مجانية”.

إن ورطة الشاعر بقدر ما هي أشبه بالقدر فإنها كذلك نوع من التواطؤ مع الآخرين لأجل البشر، وهنا يظهر جليا شخص بروميثيوس المتواطئ مع البشر، والذي تسرب من خلال الشاعر أبي القاسم الشابي إلى مختلف شعراء العربية، حيث بات الشاعر الحديث مطالبا بسرقة نار التنوير حتى لو أحرقته، ليمد بها إلى الآخرين، الفرق أنه أكثر انفتاحا مما كان، فصار هاجسه الإنسان أينما كان بعيدا عن حدود القبيلة والوطن والجغرافيا والزمن.

إن ورطة الشاعر بقدر ما هي أشبه بالقدر فإنها كذلك نوع من التواطؤ مع الآخرين لأجل البشر

في هذه الرحلة الصعبة قد يتحول الشاعر إلى “معروضة” في “متحف للمخذولين”، لكنه أبدا ليس تمثال حجر بل هو أيقونة يظل دمها متدفقا، كل ذلك لأجل إنقاذ الناس من الظلمة، تماما مثلما حدث في أسطورة “كهف أفلاطون”، لكن أغلب الذين تسعى الفلسفة إلى تحريرهم تعميهم أضواء الحقيقية ويفضلون الظلام على ألم النور.

يقول العجرودي في نص “متحف المخذولين”: “أولئك الذين جاؤوا وهم يحملون الضوء لشعوب الظلمة/ انتهى بهم الأمر محنّطين في متحف للمخذولين/ حيث وضع العشاق خلف جدار زجاجيّ/ بقلوب مفطورة ودماؤهم في ممرّات لولبية”.

من ناحية أخرى لفتت انتباهنا أهمية العنونة لنصوص المجموعة، الصادرة عن دار الفردوس للنشر والتوزيع، والتي لا تخلو من ذكاء وحرفة نجد مثلا عناوين من قبيل “متران خارج حياتي”، “مكتوب على ظهر الحرب”، “صخرة خفيفة”، “أحدهم يخرج من الأخشاب”، “تشفق على وحدتي الجدرانُ”، “حبٌّ في شكل سيّارة”، وغيرها من الالتقاطات اللافتة.

13