فرديناند ديليسبس ومشروعه المجنون الذي غير العالم

الأحد 2015/08/02
مصر تقهر الطبيعة من جديد بمشروع قناة السويس الثانية

مع توسُّع الأسواق العالمية وزيادة حركة الإنتاج في العالم يبدو من الطبيعي أن يطمح القائمون على قناة السويس إلى تطوير المشروع الذي وقَعَ فريسةَ الإهمال طيلةَ العقود الثلاثة الماضية كأغلب القطاعات الحيوية في مصر.

فتمَّ البدءُ قبلَ نحوِ عام بأعمال الحفرِ والتجريف بالمعدَّات الحديثة لقناةٍ جديدة ستكونُ موازيةً للقناة الأصلية بحيثُ تنطلقُ عند الكيلو 60 لتعود للالتحام مع الجسد الأصلي لقناة السويس عند الكيلو 95 بطول يصل إلى 35 كيلومتراً.

لتتشكَّل بين القناة الوليدة والأصليَّة جزيرةٌ ترابية ستكون مقراً للعديد من المنشآت السياحية والتنموية والعمرانية، فضلاً عن دورِها في التصدي لظاهرة البطالة التي ضربَت السوق المصرية عقب الاضطرابات السياسية التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة.

هذا المشروع الحيوي أيضاً سيؤدي إلى زيادة عائدات قناة السويس بنسبة تتجاوز 295 بالمئة وهي نسبةٌ عاليةٌ جداً بالنسبةِ إلى أيّ مشروع، وإذا أدخلنا هذه النسبة على قيمة عائدات القناة الحالية البالغة ما يقارب 5.3 مليار دولار أميركي، سنجدُ أنَّ العائد سيكون عام 2023 أكثر من 13.226 مليار دولار أميركي فضلاً عن قدرةِ القناة الجديدة على تحقيق نسبةِ عبورٍ مضاعفة في الحركة الملاحية ما يؤدِّي إلى زيادة التبادل التجاري بين الدول وبالتالي انتعاش الاقتصاد العالمي.

فكرة شق قناة من البحر الأحمر إلى البحر الأبيض المتوسط تظهر في التاريخ أول مرة من أيام سنوسرت الثالث أحد ملوك الأسرةِ الفرعونية الثانية عشرة وحتى العام 1874 حين طبقها فرديناند ديليسبس في قصة طويلةٌ تحمل في طياتها حكاية شعب أراد الحياةَ وانتصر على كلِّ ما قد يعترِضهُ في سبيل تحقيق حلمِه.

الأفكار الاولى

الفكرةُ الأولى بمدِّ جسرٍ مائيٍّ يربطُ البحر الأحمرَ بالبحر الأبيضِ المتوسّط عادَت إلى الظهور بقوَّةٍ عقِب وصول الحملة الفرنسية إلى مصر بقيادة نابليون بونابرت، الذي أمَر بدراسةِ إمكانيَّةِ تنفيذِ شق الأرض الذي عارَضهُ بعد دراسةِ الجغرافية المهندس لوبير الذي أقنَعَ نابليون أنَّ مستوى الماء في البحر المتوسِّط أعلى من البحر الأحمر وبالتالي فإنَّ الماء سيفيض ويُغرِق مِصر كلها.

هذا التخيُّلُ المجنون أرعبَ نابليون الذي أمرَ بإيقاف الفكرة بشكل كامل، عقِبَ ذلكَ بثلاثةِ عقودٍ تقريباً عادَ فريقُ خبراء فرنسيين إلى القاهرة وأخذوا الإذن من والي مصر في ذلكَ الوقت محمَّد علي باشا بمعاينةِ الموقعِ الجغرافي في منطقة القناة.

وبعد الدراسةِ اكتشفوا أنَّ المهندس لوبير كان على خطأ في طرحِهِ، وعرَضوا فكرةَ حفرِ قناة السويس على محمد علي الذي وافقَ بشرطَين يقومان على ضمان القوى العظمى في ذلك الوقت “فرنسا وبريطانيا” حياديةَ القناة الوليدة، وتكفُّل الحكومة المصرية بتمويل الحفر كاملاً، هذان الشرطان لقيا رفضاً قاطعاً في باريس لأنَّ ذلكَ يعني استقلالَ مصر والاعترافَ بسيادَتِها فطوِيَ المشروع وعادَ إلى النسيان، حتَّى أيقظَهُ ديليسبس بعدَ أن طرَحهُ على سعيد باشا نجلَ محمَّد علي عقِبَ اعتلائِهِ عرشَ الحكم في وادي النيل الذي وافَقَ مباشرةً نظراً للعلاقة الخاصَّة التي ربطتهُ بديليسبس.

فكرة شق قناة من البحر الأحمر إلى البحر الأبيض المتوسط تظهر في التاريخ أول مرة من أيام سنوسرت الثالث أحد ملوك الأسرةِ الفرعونية الثانية عشرة وحتى العام 1874 حين طبقها فرديناند ديليسبس في قصة طويلةٌ تحمل في طياتها حكاية شعب أراد الحياةَ وانتصر على الطبيعة

بين باريس والقاهرة

الحملةُ الفرنسيَّةُ على مصر التي استمرت سنةً واحدةً وشهرا لم تتوقَّف في تأثيراتِها عند نابليون بونابرت الذي عادَ إلى مركزِ الإمبراطوريَّةِ في باريس عام 1801، بل تعدَّى الأمر ذلكَ إلى الدائرةِ الضيِّقةِ التي كانت قريبةً من قراراتِهِ، فما إن رجعَ بونابرت إلى عاصمتِهِ خاليَ الوِفاض من القاهرة، بعد أن تركَ فيها الجنرال كليبر، حتى أوفَد شخصاً يدعى ماتيو ديليسبس مستشارَهُ إلى مصرَ لترتيب اختيارِ حاكمٍ جديدٍ لها، ذلكَ الشخصُ الذي كان محمد علي باشا الضابطُ الألباني في الحملة الفرنسية بعد أن لاحظَ العسكرُ قُدرَتَهُ على فرضِ حضورِهِ من خلال تقرُّبهِ من شيوخِ الأزهر ونشاطهُ في الديوان الذي أنشأهُ نابليون ضمنَ مشروعِ المجمَعِ العلمي، الذي أحضرَهُ إلى مصر بدايةَ الحملة، اختيار ديليسبس لمحمد علي كانَ نقطةً فارقةً في حياةِ الأخير حيثُ بدأ أولى خطواتهِ نحو تحقيق حلمِهِ الدفين بأن يكون قائداً يدخل التاريخ من أوسع أبوابه وربَّما هي الأقدارُ التي دفعَت بهذا ليتمَّ بدءُ العصر الذهبي لمصر وبناءُ الدولةِ الحديثة التي وصلَ صيتُها وإنجازاتُها خلال العقودِ التالية إلى كلِّ الدنيا.

مات ماتيو ديليسبس وقبلَ وفاتِهِ أوصى الحاكمَ الجديد لمصر محمد علي باشا بالحرصِ على ابنِهِ الشاب في ذلكِ الوقت فرديناند ديليسبس، الذي تمَّ تعيينُهُ بعد ذلكَ وهو في سنه السابعة والعشرين قنصلاً مساعِداً لفرنسا في الإسكندرية حيثُ استقبلَهُ محمَّد علي استقبالاً حافلاً عام 1832 وعرضَ عليهِ تعيينَهُ في القصرِ الأميري مُربيَّاً لسعيد باشا فوافقَ فرديناند.

في التاسِع عشر من نوفمبر من العام 1805 وُلِدَ فرديناند ماتيو ديليسبس في فرساي أحد ضواحي العاصمة باريس لعائلةٍ اشتُهِرت بالقربِ من الامبراطور نابليون بونابرت من خلال عملِ أفرادها بالسلك الدبلوماسي.

لذا نجدُ أنَّ سنواتِهِ الأولى كان قد قضاها في إيطاليا وبلدانَ أخرى متنقِّلاً مع والدِه إلى أن التحقَ بكليَّةِ هنري الرابع في باريس حيثُ درَسَ الهندسة هناك، وبدأ حياتَهُ العملية في أوروبا قبلَ أن يتجِّهَ إلى الشرق ممثِّلاً لبلادِهِ كقنصلٍ مساعدٍ في الإسكندرية قبلَ أن يعودَ مرَّةً أخرى إلى مصر بعد انتهاء عصر نابليون الذهبي وتدهوُر أوضاع عائلةِ ديليسبس التي تمَّ اعتبارُها إحدى ركائز حُكمِ نابليون في فرنسا.

الخذلانُ في الغرب قابلَهُ تذكُّرُ الفضلِ في الشرق حين دخلَ فرديناند مرَّةً أخرى الإسكندرية في السابع من نوفمبر عام 1854 مُلتقِياً الطفلَ الذي عمِلَ مُربيَّاً لهُ بعدَ أن صارَ أميراً للبلاد التي احتضنَت في أراضيها نهر النيل، ذلكَ اللقاءُ الذي أرادَ به الأمير محمد سعيد ردَّ جميلِ صديقِهِ القديم تضمَّنَهُ عرضُ فرديناند مشروع القناة مرَّةً أُخرى فوافق الحاكمُ الجديد دون نقاش وبدأ عصرُ التنفيذ للحُلُم الذي بدأ قبل التاريخ.

السخرة

العقلية البرجوازية التي تضاءَلت جُذوَتُها بعد سقوطِ نابليون في مخيِّلَةِ فرديناند ديليسبس، عادت إلى الظهور من عقلِهِ الباطن فور موافقةِ الباشا المصري على المشروع الجديد، حيثُ قدّمَ الأخيرُ كلَّ التسهيلات القانونية لعمل شركةِ قناة السويس التي أسَّسَها ديليسبس الذي اتُّهِمَ من مُعارِضيهِ بسرقةِ المشروعِ التاريخي، لكنَّهُ استطاعَ التغلُّبَ على كلِّ ذلكَ من خلال ضرب الفأس الأولى في الرملِ الممتد بين بحرَينِ معلناً أمام محمد سعيد باشا تدشين مرحلة العمل الفعلي في حفر قناة السويس، كان ذلك في الخامس والعشرين من أبريل من العام 1859 حيثُ استمرَّ الحفر لأكثر من عشر سنوات، لجأ خلالَها ديليسبس إلى نظامِ السخرة الذي كان يقومُ على استجلاب الفلاحين وشباب الصعيد للعمل في القناة الجديدة ما أدَّى إلى خسارةِ مصر الكثير من طاقاتِها البشرية نتيجة الأمراض وضعف العناية الصحية حيثُ كان ديليسبس يتعاملُ مع العمال على أنَّهم عبيد في ظل الدعم الكامل الذي كان يلقاهُ من القصر الأميري.

الشاب الفرنسي فرديناند ديليسبس أتى ذات على ظهر سفينةٍ من تونِسَ إلى مصر، فأصيبَ أحدُ ركَّابِ السفينةِ بالكوليرا ما دفعَ المسؤولين إلى فرضِ الحجر الصحيِّ على الركاب، ولأنَّ ديليسبس كان ذاهباً لاستلام مهامِّه الجديدة كمساعدٍ للقنصل في الإسكندرية فقد تمَّ تزويدُهُ ببعضِ الكُتُب خلال الحجر مما أعطاهُ وقتاً كافياً للانكفاء على دراسةِ المشروع التاريخي عبر بعض الوثائق، ولكنَّهُ اختلَف عن كلِّ الحالمين في اختيار التوقيت المناسِب لطرحِ الفكرة وضمان أخذ القبولِ والدعم لها.

قناة السويس الجديدة مشروع حيوي سيؤدي إلى زيادة عائدات القناة بنسبة تتجاوز 295 بالمئة وهي نسبة عالية جدا بالنسبة إلى أي مشروع، وإذا أدخلنا هذه النسبة على قيمة عائدات القناة الحالية البالغة ما يقارب 5.3 مليار دولار أميركي، سنجد أن العائد سيكون عام 2023 أكثر من 13.226 مليار دولار أميركي

كلمة سر التأميم

المشروع الذي حُفِرَ بالفؤوس والأيدي في الرمال والتراب معاً صار حقيقةً بعد عشر سنواتٍ عِجاف خسر فيها المصريون أجيالاً دُفِنَت في تلك التربة تحت ما يسمَّى السُخرة، فحتى اليوم لا توجَد إحصاءاتٌ دقيقة لأعداد المفقودين خلال الحفر، وربّما هذا الثأرُ الذي يحمِلهُ ذوو الراحلين هو ما دفع جمال عبدالناصر إلى أن يجعل كلمة السر لعمليَّةِ تأميم القناة اسم صاحبِ المشروع ككل "فرديناند ديليسبس" حين ضمَّن ذلكَ الاسم في سياق خطابه الشهير في المنشية الذي أعلنَ فيه تأميم الشركة العالمية لقناة السويس شركةً مساهمة مصرية، بعدَ أن سحبَ البنك الدولي وواشنطن تمويل السد العالي.

من تلكَ اللحظة آلت ملكيةُ القناة بكل أصولِها ومنشآتِها إلى الحكومة المصرية، طبعاً لا شكَّ أن القاهرة في سبيل ذلك خاضت حرباً سياسية عالمية، سبَقَها العُدوان الثلاثي الذي نفَّذتهُ إسرائيل وبريطانيا وفرنسا في العام 1956 والذي أتى بعد إعلان التأميم مباشرةً في سبيل إبعاد يد مصر عن إدارة القناة.

من هنا لا يُمكِن رؤيةُ قناة السويس برغم كل امتداد فكرتِها تاريخياً وجغرافياً إلا كورقةٍ سياسيةٍ واقتصادية رابحة في يد من يمتلكُها، لذا فقد خضعَ المشروع ككل من بدايتِهِ إلى مراحلَ عدَّة تمثَّلت بداية في جسم القناة الذي يمتد إلى ما يقارب 194 كم تنقسِمُ خلالها القناة إلى عدَّةِ أقسام تضمنُ الملاحةَ البحرية فيها ذهاباً وإياباً ضمنَ نظامٍ وضعَهُ ديليسبس وهيئةُ إدارةِ القناة عقِبَ تشغيلِها مباشرةً.

عائدات القناة

استمر نظام ديليسبس بصورتِهِ الأولى مع بعضِ التطوير الذي فرَضتهُ ظروف مراحلِ التشغيل خاصَّةً إذا راجَعنا الإحصائيات المتعلِّقة بمرور السفن لوجدنا أنَّها في ازديادٍ متواتر حيثُ لم تتوقَّف القناة عن العمل إلا في ظروفٍ قاهرة، خلال الثورة التي قادَها أحمد عرابي، وخلال العدوان الثلاثي وخلال حرب السادس من تشرين، أكتوبر لعام 1973، ضمن هذا المشهد لعِبَت قناة السويس دوراً حيوياً في الاقتصاد العالمي عموماً والمصري على وجه الخصوص وصَلَ إلى أكثر من ملياري دولار في عام 2000 ليقفزَ إلى أكثر من خمسة مليارات في عام 2015.

لا بدَّ من القول أيَّاً كانت الاعتباراتُ التاريخية في نسبةِ المشروع لفرديناند ديليسبس إلَّا أنَّ حُلُم هذا الرجل وإصرارَهُ دفعَ بالفكرةِ من على الورقٍ لتكونَ صرحاً عظيماً يمتدُّ بين بحرَين بفعل السواعد المصرية، وكُل ما يمكِن أن يكون مستقبلاً من تطويرٍ في جسد القناةِ وتفرُّعاتِها يعودُ في الأصلِ إلى الطموحِ الكبير الذي وضعهُ ديليسبس الذي فارقَ الحياةَ في السابع من ديسمبر لعام 1894 بعد أن وضعَ على الجغرافية أهمَّ ممرَّينِ مائيَينِ في العالم في قناة السويس وقناة بنما.

7