فرد هوف سياسي مخضرم يصف رؤية أوباما حول إيران والعرب بالساذجة

الأحد 2016/08/07
سياسي أميركي على دراية بكواليس البيت الأبيض

واشنطن - رجل هادئ، موقفه واضح اللون في فترة رئاسية شابها الكثير من الرمدية رغم تلويحها باللون الأحمر مراراً. يقال عنه إنه الصديق الحقيقي للشعوب العربية، والشعب السوري منها خاصة، في زمن يدّعي فيه الجميع التعاطف مع شعوب الشرق الأوسط الجريحة.

سفير له باع طويل في تاريخ الدبلوماسية ووزارة الدفاع الأميركيتين. أوكل إليه العمل على ملفات عرفت بحساسيتها وتعقيدها. فعمل مع المبعوث الخاص للسلام في الشرق الأوسط جورج ميتشل، وفي ثمانينات القرن الماضي، وتحديداً في العام 1983، قام بوضع مسودة تقرير “لجنة لونغ” التي عملت على كتابة التقرير الخاص في عملية التحقيق حول تفجير مقر المشاة البحرية الأميركية في بيروت والذي أدّى إلى مقتل 241 جنديا أميركيا. ذلك التقرير اشتهر بنزاهته وحياديته آنذاك.

منحه الرئيس بارك أوباما رتبة سفير وأوكل له مهمة المستشار الخاص حول القضية السورية. فعمل بشكل قريب من المعارضة السورية بكل أطيافها و تياراتها، ونسّق مع الوزيرة السابقة والمرشحة الحالية عن الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون. السفير “فريدرك هوف” أو “فرد هوف”، الذي يشغل حالياً مدير مركز رفيق الحريري في “مجلس الأطلسي” وهو منظّمة تأسست بعد سنوات قليلة من التوقيع على اتفاقية تأسيس حلف شمال الأطلسي في عام 1949 والتي تعمل على تعزيز القيادات البناءة والمشاركة في القضايا الدولية من أجل الأمن و السلام.

“العرب” التقت بالسفير هوف للنقاش أولاً، حول هوف ذاته، وثانياً حول الملفات العربية في الانتخابات الأميركية، أي داعش وسوريا والعراق، تلك القضايا التي أصبحت معروفة بتعقيداتها الإقليمية و الدولية و تأثيرها على الخارطة الجيوسياسية والأمن و الاستقرار الدوليين، بعد أن أصبحت ساحة للصراعات الإقليمية والتقليدية. ملف ثقيل يحمل بين طياته تفاصيل كثيرة وكبيرة، منها الجارة إسرائيل وعضو الناتو تركيا، و”الكريدور” الواصل بين طهران إلى الضاحية الجنوبية في بيروت، والملف النووي الإيراني والصراع الخليجي ضد المطامع الفارسية في المنطقة، إضافة إلى الدب الروسي ودوره كقطب حرب باردة جديدة، تعقيدات الاحتلال الأميركي للعراق والقضية الكردية والمارد الإرهابي المتصاعد داعش، بترول وقواعد عسكرية، غاز ومنافذ بحرية على المتوسط، طوائف وآمال بدويلات جديدة، تشيع ومراقد حسينية وأيديولوجية، برجوازية وريفية، أغلبية وأقلية، منها الصامت ومنها الصارخ، مدن وأرياف وعلمانية و إخوان وغيرهم.

داعش بين أنقرة وواشنطن

بدأ هوف حياته المهنية في الجيش الأميركي. وشارك في حرب فيتنام من أواخر ستينات القرن العشرين وحتى سبعيناته، واكتسب خبرات كبيرة قبل استقالته من منصبه في العام 2012 كمستشار لوزيرة الخارجية متخصص في الشأن السوري.

يقول هوف إنه ليس خافياً على أحد اليوم، ولا حتى على الإدارة الحالية أن العمليات العسكرية لدى التحالف ضد داعش اليوم ليس لها الأثر الكبير في القضاء على هذا التنظيم. وأن هدف هذه الحملة لن يتحقق إلا إذا حاولت أنقرة وواشنطن على الأقل الوصول إلى درجة من التفاهم أو الإجماع حول ما يجب فعله في سوريا، مؤكداً أن الرؤية ما زالت غير واضحة بين الطرفين. وهذا ما يعتبره هوف تحدياً كبيراً يواجه كل الأطراف الإقليمية التي تعمل على هذا الملف.

فرد هوف يرى أنه ليس خافيا على أحد اليوم، ولا حتى على الإدارة الحالية أن العمليات العسكرية لدى التحالف ضد داعش ليس لها الأثر الكبير في القضاء على هذا التنظيم. وهذا ما يعتبره هوف تحديا كبيرا يواجه كل الأطراف الإقليمية التي تعمل على هذا الملف

يعتبر هوف أن الحكومة التركية لديها بعض الخيارات، حيث كان هناك بعض المؤشرات قبل محاولة الانقلاب، على إمكانية أنقرة بإعادة تقييم سياستها تجاه سوريا، وعلى وجه الخصوص تجاه رئيس النظام السوري بشار الأسد ومستقبله. وهذا ما بدا من تصريحات رئيس الوزراء التركي وبعدها ظهور توضيح يقول إن تركيا لا تزال ترى الرئيس الأسد “جوهر المشكلة”.

أجواء العلاقات بين أنقرة وواشنطن يشوبها التوتر. ويعلل هوف ذلك ليس فقط بسبب القضية الكردية والموقف الأميركي من حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، واعتماده شريكاً في قوى التحالف على الأرض، ولكن في الاستراتيجية الشاملة حول الملف السوري، حيث رأت أنقرة أنها تستطيع أن تلعب الدور الرئيس في مساعدة واشنطن في هذه القضية ما دام البلدان متفقين على استراتيجية واحدة فيما يخص سوريا. و لكن هذه الفجوة ما زالت كبيرة وبعيدة عن الردم بحسب هوف.

هذه الفجوة تتركز في مصير الأسد، حيث تعتبره أنقرة ومنذ بداية الحراك في سوريا أنه جوهر الأزمة وتعتبر أن الأسد هو مصدر الدمار والقتل الجماعي والسبب الرئيسي لتوسع دائرة داعش في المنطقة. هذا الأمر يزعج أنقرة وخاصة أنها لا تزال ترى أن الأسد يناور في بقائه على سدّة الحكم رغم كل شيء. ويعتقد الأتراك أنه ما دام مصير الأسد ليس واضحاً بعد، فلا يمكن التقدم في مكافحة الإرهاب وفي الحرب على داعش.

يستبعد هوف أيّ تدخل أو تورّط لواشنطن في الانقلاب العسكري داخل تركيا، ويرى أن التصريحات الأخيرة من قبل المقربين من الحزب الحاكم والصحافة التركية مخيبة للآمال، متمنياً على الأتراك إنهاء هذه الحرب الإعلامية.

وفي الوقت ذاته، أخذ الهمس في واشنطن يتزايد حول التقارب الروسي التركي مؤخراً، وخاصة بعد إفشال الانقلاب في تركيا. التصريح الأخير لوزير الخارجية التركية جاويش أوغلو والذي شكر فيه التعاون الروسي في مساعدة الأتراك في إفشال الانقلاب، جعل بعض المحللين والخبراء يقبلون على قراءة المشهد على أنه تم التوصل بالفعل إلى تفاهم روسي تركي حول الملف السوري.

هوف يؤكد أن هناك فرقا كبيرا سنلمسه بين سياسة كلينتون ونهج أوباما، وذلك عبر تأليف فريق كبير من المستشارين مثل المستشار برنت سكوكروفت، ونظام عمل تحاول من خلاله الحصول على آراء متنوعة وضليعة بقضايا الشرق الأوسط.

ولكن لدى هوف وجهة نظر حذرة حول ما يتداوله الإعلام، حيث قال لـ”العرب” إنه ليس على علم بإبرام أيّ اتفاق بين الأتراك والروس حول الحل أو حتى رؤية للحل في سوريا. ويؤكد هوف أنه من الطبيعي في هذه الظروف أن نرى هذا التقارب وخاصة بعد توتر العلاقات بين موسكو وأنقرة بعد إسقاط الطائرة الروسية في الأجواء التركية.ولا يغيب عن أحد وجود علاقات طويلة

وعميقة بين البلدين، وخاصة في الشق الاقتصادي الذي يلعب دوراً هاماً في إطار الطاقة والقطاع السياحي. يضيف هوف أنه من الممكن أن يكون أردوغان قد رأى، وفي ظل الظروف التي تمر بها بلاده والمنطقة بشكل عام، أنه من المفيد لتركيا التهدئة مع روسيا والالتفات إلى الوضع التركي الداخلي.

تركيا ستبقي على سياستها السورية، كما يعتقد هوف، من خلال إغلاق حدودها منعاً لتسلل الإرهابيين والتكفيريين إليها، إضافة إلى العمل على إقناع واشنطن بوقف التعاون مع قوات الأكراد داخل سوريا والاستمرار في الدعوة إلى حل سياسي خارج معادلة نظام الأسد. ولكن التغيّر الذي سيطرأ على تركيا هو أولوياتها الداخلية في إعادة النظر بطبيعة الجيش وتشكيل نمط جديد من البيروقراطية وأنظمة الجامعات التركية والتي كان لها دور كبير في الانقلاب. وبالتالي لن تعطي سوريا الاهتمام كما فعلت في السابق إلا في ما يتعلق بأمنها.

سباق الانتخابات الأميركية

في مقال له بعنوان “سوريا: إلقاء اللوم على المعارضة” نشر في موقع مجلس الأطلسي في مارس 2014، تساءل هوف “لماذا تمكن بشار الأسد من البقاء في السلطة في سوريا؟ وفقاً للسفير السابق روبرت فورد فإن هناك ثلاثة أسباب مكنت بشار الأسد من البقاء في السلطة ولا يتعلق أيّ منها بسياسة الغرب تجاه سوريا. السببان الأول والثالث يتعلقان بالمعارضة السورية، بينما السبب الثاني هو طهران وموسكو. لكن هل حقاً المعارضة السورية مسؤولة فعلاً عن بقاء بشار الأسد إلى حدّ الان في السلطة؟ وهل حقاً لا يمكن لوم السياسات الغربية تجاه سوريا على ذلك؟ هذا من وجهة نظر إدارة أوباما، لكن هل هي صحيحة؟”. ويختم هوف مقاله بالقول “إن إلقاء اللوم على المعارضة هو مجرد بديل عن خوض ذلك الطريق الصعب، لكنه لا يليق ببلد عظيم كالولايات المتحدة”.

واليوم مما لا شك فيه، أن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط وسوريا بالتحديد، موضوع نقاش لدى الحملات الانتخابية وتحظى باهتمام كبير لدى الناخبين. ويبدو أن هناك اختلافاً واضحاً بين سياسة المرشحين الأميركيين في ما يتعلق بالسياسة حول سوريا. ظهر هذا جلياً من التصريحات المتواترة من ترامب وكلينتون معاً، حيث قال المرشح الجمهوري ترامب في خطاب قبوله لترشيح الحزب الجمهوري له، إن على أميركا الخروج من إطار قلب الأنظمة الدكتاتورية وشن الحروب وإعادة بناء الدول. ومن خلال تصريحاته، فإنه من الممكن في حال تم انتخابه بالفعل أن يوكل الملف السوري للروس.

هذا التوجه يخالف توجه المرشحة الديمقراطية كلينتون. يقول هوف “من الصعب معرفة ما سيكون عليه الوضع السوري في مارس 2017، لذلك من غير المجدي الحديث في هذه المرحلة عن قضايا مثل مناطق آمنة وغيرها، لأن فريق العمل في السياسة الخارجية لم يكتمل بعد”.

يعتقد هوف أن هناك فرقاً كبيراً سنلمسه بين سياسة كلينتون ونهج الرئيس أوباما، وذلك عبر تأليف فريق كبير من المستشارين مثل المستشار برنت سكوكروفت، ونظام عمل استشاري تحاول من خلاله الحصول على آراء متنوعة وضليعة بقضايا الشرق الأوسط. وقد عرف عن سياسة أوباما استفرادها بالقرار، فالقرار يأتي من شخص الرئيس نفسه ومن خلال فهمه للقضايا واعتباره أن هذا التوجّه، نهج صحيح. بالإضافة على عدم وجود أيّ ضغط من كلّ من وزارتي الخارجية أو وزارة الدفاع في الدوائر الاستخباراتية على الرئيس لتغيير مواقفه.

هوف يتنبأ بأن تدخلاً أكبر سيحدث في ما يتعلق بالحرب على داعش، وخاصة بعد العمليات الإرهابية التي حصلت في باريس وبروكسل وميونيخ

إيران والاتفاق النووي

برزت مواقف لافتة لهوف قبل فترة، كشف فيها عن اعتبار إيران أن السعودية هي عدوّها الأول، فقد أثارت تلك التصريحات الأوساط السياسية في واشنطن حينها، وأوضح فيها هوف، الذي عقد جلسات عرفت بـ”المسار الثاني” مع مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى، إذ قال “إن المسؤولين الإيرانيين أجمعوا على أن العدو الحقيقي هو السعودية، داخل سوريا وخارجها”، مشيراً إلى أن أحد المسؤولين الإيرانيين اعتبر أن السعودية تزداد أهميتها يوماً بعد يوم في حسابات إيران، مضيفاً أن “للولايات المتحدة وإيران مصلحة مشتركة في احتواء الحرب الطائفية في المنطقة، وفي إلحاق الهزيمة بالتحدي السعودي للولايات المتحدة”.

لا يعتقد هوف، في لقائه مع “العرب” أن كلا المرشحين، ترامب أو كلينتون، سيكون أسيرا للاتفاق النووي مع إيران. حيث يرى أن الإشكالية في هذا الاتفاق هو كيف تعاطت معه إدارة أوباما، بصورة جعلته يأتي على حساب الخوف من خروج طهران من المفاوضات في حال قامت إدارة أوباما بالضغط على إيران في الملف السوري، إذ أن واشنطن تتفهم أهمية بشار الأسد لدى طهران ودوره في كل من سوريا ولبنان والذي يعدّ هو وحزب الله أدوات مهمة لأمنها القومي وبسط نفوذها في المنطقة، الذي يعتقد أوباما أن طهران ستفعل ما بوسعها للحافظ عليه.

يوضح هوف لـ”العرب” أن الاتفاق النووي قد أثّر بشكل كبير على الملف السوري، وأن أوباما وإدارته يبحثان عن نصر تاريخي يشكر عليه أوباما في المستقبل البعيد. إذ يعتبر أوباما أن الشرق الأوسط سيعيش بسلام وبدون تهديد

نووي، وأنه سيكون الشخصية التاريخية التي حققت هذا. ولكن هوف يعلق بأن هذه مجرد سذاجة من قبل الإدارة الأميركية الحالية، حيث أن إيران وسياستها في التدخل بالمنطقة وإيقاف نشاطها النووي لن يتغير فيها شيء، إلا في حال حصل توافق إسرائيلي إيراني، وهذا ما يزال في علم الغيب. يقول هوف “لا أرى أن إيران توقف دعمها لحزب الله والذي تعتبره أداتها الاستراتيجية والأمنية في منطقة الشرق الوسط ومن خلالها تخترق العالم العربي وتضغط على إسرائيل”.

يعتقد السفير هوف أن كلينتون لن تكون سجينة هذا الاتفاق من ناحية الخوف من فقدان الطرف الإيراني أو انسحابه من الملف النووي. بل سنشهد سياسة ضاغطة منها لوقف الأعمال الإجرامية الشاملة في سوريا والدفع لتحقيق خطوات في الملف الإنساني وتكبيل عواقب سياسية ضد الأسد وسياسة حربه الإجرامية، على حد تعبير هوف.

الجهات الفاعلة في الميدان

يرى هوف أن هناك جهات فاعلة تجعل من الأسد المستفيد الأول وصاحب اليد العليا، فهو يشعر بالأمان في الوقت الحالي وذلك عن طريق التدخل الروسي والذي يعد استثماراً كبيراً من الناحية العسكرية، وكذلك من خلال الالتزام الإيراني في سوريا. الأسد في نهاية المطاف في وضع جيد، على حد تعبير هوف، ويرى نفسه رابحاً بأقل الخسائر من حيث الناحية العسكرية، فالميليشيات المصنوعة من قبل الإيرانيين تؤدي العمل الأكبر والأخطر مقارنة مع جيشه وميليشياته الشعبية.

هوف يتنبأ بأن تدخلاً أكبر سيحدث في ما يتعلق بالحرب على داعش. فيقول “إن الإدارة الحالية على يقين أن الوضع خطير وخاصة بعد العمليات الإرهابية التي حصلت في باريس وبروكسل وميونيخ وقلب أميركا، ووجود إلحاح وحاجة كبيرين، ولكن الضبابية ما زالت تستحوذ على المشهد، بسبب عدم معرفة ما هو المطلوب على الأرض في العراق وسوريا لهزيمة داعش، وما هو موجود في الواقع″.

أما ميليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردية فلديها مقاتلون أكفاء وقادرون على القتال، بحسب هوف، ولكن السؤال هو هل تستطيع تلك القوات تمشيط مناطق محتلة من قبل داعش، في مدن وقرى عربية كالرقة مثلاً؟ من وجهة نظر هوف هذه القوات تركز في المقام الأول على إحراز منطقة حكم ذاتي في شمال سوريا، وفي الوقت الحالي مواردها غير كافية لمعركة كبيرة كمعركة الرقة.

يتوقع الدبلوماسي والخبير في مناطق النزاع في الشرق الأوسط، زيادة حجم القوات الخاصة الأميركية، بينما لا يرى أيّ تدخل للقوات العسكرية البرية بشكل مباشر، وهو يقترح منذ قرابة العام تشكيل ائتلاف عالمي من قوات برية مشكلة من قوى من الاتحاد الأوروبي والمنطقة للمشاركة في الحرب على داعش.

7