فرسان نادي السينما في السبعينات "بيان الفراولة" واكتشاف وودي ألين

الأفلام السياسية أثرت الذائقة السينمائية لجيل السبعينات من النقاد، وكانت المعارك محتدمة بين أنصار النقد الأيديولوجي والنقد الجمالي.
الأربعاء 2019/11/20
موهبة وودي ألين الخاصة انطلقت مع فيلم  "النائم"

في هذا المقال استعادة جانب آخر من تجربة نادي القاهرة للسينما في السبعينات، مع توقف أمام بعض الأفلام التي كان النادي عاملا رئيسيا في اكتشافها.

لم يظهر نادي السينما الرئيسي في القاهرة عام 1968، من فراغ، فقد سبقته محاولات جادة لتأسيس كيان لتجمع هواة السينما ومحبيها والراغبين في دراستها. كان التجمع الأول في الخمسينات من خلال “ندوة الفيلم المختار” التي أسّسها الكاتب المبدع يحيى حقي عندما كان رئيسا لما أطلقت عليه حكومة ما بعد 1952 “مصلحة الفنون” التي تأسّست عام 1955 قبل أن يتم إنشاء وزارة الثقافة عام 1958. ومن المهم أن نعرف أن وزارة الثقافة المصرية التي أسّسها ثروت عكاشة، سبقت وزارة الثقافة الفرنسية التي أنشئت في العام التالي، أي 1959.

كان نشاط نادي القاهرة للسينما ينقسم إلى موسمين في العام. الموسم الأول من أول العام حتى نهاية مايو، والموسم الثاني يبدأ بعد إجازة الصيف من أول أغسطس حتى نهاية العام. وكان المقر الرسمي للنادي في مركز الثقافة السينمائية بشارع شريف في وسط القاهرة. وكان يشرف على النادي أحمد الحضري أما رئاسة مجلس إدارة النادي فقد أسندت إلى وكيل أول وزارة الثقافة في ذلك الوقت حسن عبدالمنعم.

ولكن في ما بعد أصبح النادي جمعية أهلية تعمل طبقا لقانون الجمعيات التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية، وأصبحت هناك انتخابات تجري كل ثلاث سنوات لانتخاب مجلس إدارة للنادي. لكن ظل أحمد الحضري مديرا للنادي لفترة طويلة. وكانت تتناوب على عضوية المجلس أسماء مهمة لسينمائيين ونقاد مثل يوسف شريف رزق الله وسمير فريد وسامي السلاموني وخيرية البشلاوي وفوزي سليمان وهاشم النحاس ورفيق الصبان، وغيرهم.

فاكهة نادرة

كان الأستاذ حسين قطب بقامته الطويلة المهيبة هو المدير المالي للنادي أو “صراف النادي” الذي يقبض أموال الاشتراكات كما يدفع مكافآت الكتابة في النشرة. وهو شخصية مرحة شديدة الطيبة، لكنه مثل أي “صراف” تقليدي في أي مصلحة حكومية مصرية يشعرك دائما بأنك مدين له وهو يدفع لك حفنة الجنيهات القليلة مقابل ما نشر لك من مقالات.

وكان يذهب يوم الأربعاء من كل أسبوع، يقف على باب الدخول إلى سينما أوبرا لكي يفحص ويتأكّد من بطاقات العضوية وصحتها، ولكننا كنا نستطيع دائما أن نراوغ ونساعد بعض أصدقائنا من غير الأعضاء، على التسلّل في زحام موجة “الاقتحام” الأولى عند فتح الباب.

وكان الصديق الراحل عدلي الدهيبي مسؤولا عن تحرير النشرة الأسبوعية، وهو الذي يستلم المقالات من أصحابها ويعرضها على “اللجنة” التي تقرّر ما يصلح أو لا يصلح، ثم يشرف على إعدادها للنشر والإشراف على الطباعة. وكانت النشرة الأسبوعية تقع في 32 صفحة عادة، وكانت تطبع على ورق الصحف الرخيص، لكنها كانت بشكلها هذا وورقها الرخيص الأصفر، تثير شهيتنا للقراءة والاطلاع وكانت بمثابة فاكهة نادرة في تلك الفترة.

وكانت الدراسات والمقالات التي ينشرها النقاد الكبار مثل فتحي فرج وأنور خورشيد وأحمد الحضري وصبحي شفيق، تثير شهيتنا وتساهم في رفع درجة الوعي بأفلام النخبة، أي أفلام الفن كما يطلق عليها. وكانت للكتابات والترجمات الهامة التي كان يقدّمها يوسف شريف رزق الله بصفة شبه أسبوعية، تأثير هائل على علاقتنا بالسينما الفنية والحركات السينمائية الجديدة والطليعية في العالم التي كانت قد بدأت في الظهور منذ منتصف الستينات.

كان سمير فريد يكتب عن الفيلم الثوري الأميركي “بيان الفراولة” (The Strawberry Statement) ،(1970) وعن تاركوفسكي ويجعلنا نكتشف أفلامه الأولى، وخاصة عمله العظيم الذي أعتبره شخصيا أفضل وأهم أفلامه على الإطلاق وهو “أندريه روبلييف” (1966).

كما كان ينشر عن برتولوتشي ودوسان ماكافييف وساتياجيت راي وكيروساوا، وكان سامي السلاموني يكتشف ويكشف لنا موهبة وودي ألين الخاصة التي كانت قد بدأت في الظهور من خلال نقده لفيلم “اعزفها مجددا يا سام” لهربرت روس (1973) ثم “النائم” (1973).

وكان أنور خورشيد مع أحمد رأفت بهجت، يكتبان عن “الملعونون” لفيسكونتي، وفتحي فرج عن السينما الحرة في بريطانيا ويتوقف أمام أفلام كاريل رايز وتوني ريتشاردسون، ثم يذهب إلى التجربة الخاصة للمخرج الأميركي جوزيف لوزي الذي غادر أميركا بسبب الحملة المكارثية وعمل حتى وفاته في أوروبا، ومن أشهر أفلامه “الخادم” الذي قام ببطولته ديريك بوغارد 1963 (من تأليف هارولد بنتر) وقد عرضه النادي.

ويلتقط سامي السلاموني الخيط ليكتب باستفاضة عن المخرج البريطاني الذي يعتبر المؤسس الحقيقي لحركة “السينما الحرة” البريطانية، ليندساي أندرسون وأفلامه خاصة “يا لك من رجل محظوظ” (1973) وكان السلاموني شديد الإعجاب بهذا الفيلم تحديدا.

وقد اشتبك معه ورد عليه صديقنا يسري نصرالله (قبل أن يصبح مخرجا وكان يكتب النقد الذي يفصح عن ميل يساري ماركسي). وقد أجرى يسري حوارا نادرا مع ليندساي أندرسون على هامش مهرجان لندن السينمائي واعتبر فيلمه هذا فيلما فوضويا (أي مناهضا للماركسية). ثم يشتبك سمير فريد وسامي السلاموني مع سمير سيف -وكان معيدا شابا حديث التخرج في معهد السينما كما كان لا يزال يتمتع بشعر كثيف في رأسه- (مثلنا جميعا!)، وفي جدل نقدي ممتع يعرض كل منهم رؤيته النقدية لفيلم “كلاب القش” (1972) لسام بكنباه الذي أثار الكثير من الصخب والجدل ومنعت الرقابة المصرية عرضه للعموم.

وقد اعتبره سمير فريد وسامي السلاموني فيلما فاشيا محرضا على العنف ومهينا للمرأة، بينما دافع عنه سمير سيف واعتبره عملا مرموقا شديد التميز من ناحية اللغة السينمائية، وكان سمير سيف مغرما بوجه خاص بالأفلام الأميركية وخاصة أفلام الأكشن. أما سمير فريد فاختار لمقاله في معرض الرد على دراسة سمير سيف المنشورة في النشرة الأسبوعية للنادي، عنوان صادم هو “فلسفة الكاوبوي”، وكانت تلك المعركة التي دخلها أيضا فايز غالي (قبل أن يصبح كاتبا للسيناريو)، ضمن المعارك النقدية الشهيرة بين أنصار النقد الأيديولوجي والنقد الجمالي. قبل أن يتغيّر الحال بالطبع.

سينما سياسية

كانت الحوارات الطويلة العميقة مع المخرجين الفرنسيين، التي يترجمها يوسف شريف رزق الله خصيصا للنشرة، تكمل رؤيتنا لأفلام هؤلاء السينمائيين العظام من أمثال جان بيير ميلفيل وفرانسوا تروفو ولوي مال وإيف بواسيه. ومن أهم الأفلام التي أتى بها يوسف للعرض في النادي وأتذكرها بوجه خاص فيلم “الموت حبا” (1971) الذي ساهمت بمقال متواضع عنه للنشرة (لم يكن مسموحا لأمثالي من المبتدئين بكتابة دراسات طويلة وكانت مقالاتي تُختصر حتى لا تطغى على مقالات “الكبار”).

أما “الموت حبا” فكان من إخراج أندريه كايات، وبطولة آني جيراردو وبرونو برادال وكاود سيرفال. وهو من الأفلام السياسية التي تصوّر واقع الحال في فرنسا بعد فشل انتفاضة مايو 1968. وكان يوسف شريف قد أحضر للعرض في جمعية الفيلم التي كان أمينها العام مع رئيسها سامي السلاموني (ثم عرضه أيضا في نادي السينما أيضا) الفيلم السياسي الفرنسي “الاغتيال” (1972) لإيف بواسيه.

وهو حسبما أعتقد، أول فيلم يتناول قضية اغتيال المهدي بن بركة، ولكن قام المخرج مع كتاب السيناريو، بتغيير الأسماء تفاديا للرقابة الفرنسية، فقد كان من المحظور وقتها تناول هذه القضية التي كانت المخابرات الفرنسية ضالعة فيها.

فأصبح اسم بن بركة في الفيلم هو “ساديل” (قام بدوره عملاق التمثيل الإيطالي جيان ماريا فولونتي)، وأصبح اسم أوفقير “الكولونيل قصار” وقام بدوره ميشيل بيكولي، كما قام جان لوي ترنتنيان بدور قاضي التحقيق في جريمة القتل وهو دور مماثل لدوره في فيلم “زد” الشهير.

أظن أن هذا الفيلم قد أصبح حاليا من كلاسيكيات السينما الفرنسية، وخاصة موجة الأفلام السياسية التي برزت كثيرا في السبعينات من خلال الإنتاج المشترك مع إيطاليا.

وحتى لويس بونويل أحد رواد السوريالية في السينما، تأثر بهذه الأجواء فحفل فيلمه الشهير “سحر البورجوازية الخفي” (1972) بالكثير من الإسقاطات السياسية المباشرة، كما يبدو في تصويره قيام الشرطة الفرنسية بتعذيب طالب شاب داخل قسم الشرطة بطريقة وحشية مبتكرة، وذلك بوضعه فوق أسلاك البيانو وتوصيل الأسلاك بالكهرباء (ولا شك أن بونويل كان يشير إلى قمع انتفاضة مايو 1968)، كما كانت إحدى شخصيات الفيلم فتاة ثورية من إحدى دول أميركا اللاتينية، تتعقب في باريس سفير بلدها دون رافاييل (قام بالدور بعبقرية الإسباني فرناندو ري) تريد اغتياله في خضم حركات العنف الثورية التي اجتاحت العالم وقتها، ومنها عمليات خطف الطائرات من جانب بعض فصائل المقاومة الفلسطينية. وحديث الذكريات يطول ويمتد.

16