فرصة متاحة لوقف تراجع مكانة القضية الفلسطينية

السبت 2013/10/12

تراجعت مكانة القضية الفلسطينية بصورة ملحوظة في الأعوام الثلاثة الماضية، رغم أن هذه الفترة شهدت انضمام فلسطين إلى الأمم المتحدة بصفة دولة مراقب، ورغم استئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية بعد توقف دام أربع سنوات.

أسباب وعوامل عدة يُعزى إليها هذا التراجع، بعضها ذاتي يتعلق بالطرف الفلسطيني، وبعضها يتصل بعوامل خارجية.

فيما يخص الأسباب الذاتية فإن استمرار الانقسام على المستوى القيادي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، زعزع ثقة شعب فلسطين بمن يقود سلطته في رام الله وغزة، وولد حالة من الإحباط والفشلل. لقد أدى هذا الانقسام إلى تعطل المؤسسات وبالذات المجلس التشريعي، إذ حال الانقسام دون إجراء انتخابات تشمل جناحي الوطن. وبينما تتحمل حركة حماس مسؤولية أكبر في إدامة هذا الانقسام وهي التي استولت على السلطة بالقوة في قطاع غزة، رغم أنها كانت منتخبة في الأصل، فإن السلطة الفلسطينية لم تنجح من جهتها في الضغط المعنوي على حركة حماس، وذلك لافتقاد أداء السلطة لأي زخم في الصراع مع الاحتلال، ولدرجة التضييق على الحركة الشعبية المدنية المناهضة للاحتلال.

بينما انهمكت حماس في السنوات الثلاث الماضية في محاولة استثمار موجة الربيع العربي وصعود الإسلاميين في مصر وتونس لمصلحتها الفئوية، وكما هو الحال في رام الله فإن أية مظاهر احتجاجية ممنوعة في غزة، رغم التغني بالربيع العربي الذي قام على حركة احتجاجات شعبية.

واقع الأمر أن الربيع العربي حيل بينه وبين أن تتسلل نسماته إلى الداخل الفلسطيني، علما بأن التوق إلى ربيع وطني يجمع بين التطلع إلى مقارعة الاحتلال بصورة ناجعة، وبين مكافحة الفساد والتسلط. ومع هذا «الاستثناء» الذي وقع على شعب يرزح تحت الاحتلال في الضفة الغربية أو يخضع لحصاره في قطاع غزة، فقد تفشّت حالة من الارتخاء الشعبي المقرون بالاستغراق في الهموم المعيشية، وهكذا ظلت الأخبار الرئيسية الأكثر بروزا تتعلق إما بـ «التطورات» على وضع الأنفاق بين غزة ومصر، أو حول عجز السلطة المتواتر في رام الله عن دفع رواتب الموظفين والعاملين.

أما إنجاز انضمام فلسطين إلى الأمم المتحدة، فلم يتم استثماره لانتزاع مكاسب سياسية للقضية الفلسطينية. تكفي الإشارة في هذا الصدد إلى أن الوضع القانوني الجديد للكيان الفلسطيني يسمح بمقارعة الاحتلال الاستيطاني في المحكمة الجنائية الدولية، وهو ما لوّح به الرئيس محمود عباس مرة أو مرتين، إلا أن الرفض الأميركي للمسألة، والتهديد الإسرائيلي بمحاصرة السلطة حملاه على التراجع عن اللجوء إلى القضاء الدولي.

أما المفاوضات الجارية في القدس المحتلة، فتتم بمعزل عن أية حاضنة شعبية ضاغطة لانتزاع الحقوق، ذلك أن السلطة نفسها تؤثر احتجاز الاحتجاجات الجماهيرية ومنع قيامها، خشية من «الفوضى والفلتان»، وها هي المفاوضات تستمر وراء ستار من الكتمان، وكأن الأمر يتعلق باجتماع لمحفل سرّي، ورغم سرّيته يحِفّ به عدم الاهتمام.

أما في البيئة الخارجية المتعلقة بوضع الإقليم، فلاشك أن موجة الربيع العربي قد وجهت الانتباه إلى النهوض في وجه أنظمة الاستبداد والفساد، وذلك في تغليب لمواجهة التحديات الداخلية على التحديات الخارجية.

فلسطينيون كُثر اعتبروا أن قضيتهم ذهبت ضحية الربيع العربي، وهذا استخلاص مبسّط ومتعسف، فالأنظمة التي ثارت عليها شعوبها لم تشكل يوما الضمانة الضامنة للقضية الفلسطينية، والنظام القائم في سوريا- على سبيل المثال- يكاد لا يعترف بوجود قضية وطنية فلسطينية، بل ينظر إلى فلسطين كأرض مقتطعة من سوريا، وشعبها يجب أن يكون تابعا للنظام في دمشق. والأصل أن تحرر الشعوب العربية وامتلاكها لمصيرها وبناء أنظمة عصرية ترسي دولة القانون والعدالة والمساواة والمشاركة، هو ما يحول دون المتاجرة بالقضية التي كانت مركزية من أجل تسويغ قمع الشعوب، وهو ما يمنع التآمر على القضية، وبيعها في سوق السمسرة الدولية.

على أن الوضع العربي دولا وشعوبا انصرف اهتمامه بالفعل إلى تداعيات موجة الربيع العربي وتفاعلاتها، باعتبارها الحدث الأكبر الذي يلامس هموم المواطنين، وخاصة بعدما تبين أن الموجة تتبعها موجات. فكان ما كان بعدئذ من صعود الإسلاميين ثم الانتفاض عليهم، مع بروز الخشية من انفلات نزاعات أهلية هنا وهناك. وهي تطورات دراماتيكية لا سابق لها ومن الطبيعي أن تستأثر باهتمام فائق حتى يوم الناس هذا. ولما كان كل شيء في الأثناء هادئا في فلسطين باستثناء الغزو الاستيطاني الجامح وتوسيع الاستيلاء على القدس وأكناف القدس، وذلك بفضل السياسة السكونية، سياسة الشلل الذاتي (بإرادة ذاتية) التي تتبعها السلطة الفلسطينية (لن تكون هناك انتفاضة ثالثة، قول مأثور لرئيس السلطة)، فإنه لم يكن غريبا في ظروف كهذه، أن ينحسر الاهتمام السياسي والشعبي وحتى الإعلامي بقضية فلسطين، حتى أن الفلسطينيين أنفسهم، قد عقدوا آمالهم على الربيع العربي الواعد، وتفاعلوا معه بصورة شديدة الحيوية، مدركين أن التغييرات الإيجابية التي صنعتها الشعوب في العالم العربي، حتى لو لم تكن راية القضية مرفوعة في موجة الاحتجاجات (في واقع الأمر لم ترتفع أية راية باستثناء راية المطالبة بتغيير الوضع الداخلي)، لابد أن تنعكس إيجابا على قضيتهم. وذلك كله معطوف على إدراك متنامٍ لما أصاب السلطتين في رام الله وغزة من تكلس، ومن تغليب لاعتبارات تمكين السلطتين على موجبات مناهضة الاحتلال.

دوليا فقد قام العالم كله بالتصويت على انضمام فلسطين للأمم المتحدة في 29 نوفمبر 2012، وقبل ذلك بانضمام فلسطين إلى منظمة اليونسكو في 31 أكتوبر 2011، واتخذ الاتحاد الأوروبي مواقف عدة مناهضة للاستيطان (ولكن دون معاقبة، أو حتى التلويح بمعاقبة حكومة الاستيطان)، وفي جميع هذه الحالات اتخذت الإدارة الديمقراطية في واشنطن مواقف مناوئة ورافضة لتمتيع فلسطين بأية مكانة في المحافل الدولية إرضاء لإسرائيل، وتشجيعا لها على التفاوض.

وبالفعل فقد ضغطت هذه الإدارة من أجل استئناف التفاوض الفلسطيني- الإسرائيلي، دون ضمانات ولكن برعاية أميركية يمثلها الوزير جون كيري وبإشراف يباشره المبعوث مارتين انديك. وقد حرصت تل أبيب على تسريع الغزو الاستيطاني عشية بدء المفاوضات وخلالها ثم اشتراط الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية، ومع الجولة الثامنة الأخيرة يحذر الجانب الفلسطيني من استمرار الاستيطان على مسيرة التفاوض، بينما يلح الرئيس أوباما على نتنياهو لتسريع عملية التفاوض دون إشارة علنية لمعضلة الاستيطان.

ويبدو أن واشنطن عازمة على أن تحقق بصورة ما، بعضا من وعود أوباما بحل هذا الصراع في ولايته الأولى. حل في ظروف غير مواتية للجانب الفلسطيني، وفي وقت تتراجع فيه مكانة القضية عربيا ودوليا. وفي إمكان السلطة لو حزمت أمرها أن تحول مناسبة التفاوض إلى فرصة لإحياء الاهتمام بالقضية، أولا عن طريق التمسك الحازم بالحقوق الثابتة المُقرة دوليا، وثانيا عن طريق نهوض شعبي يُحصّن المفاوض ويحسّن بيئة التفاوض، وسوى ذلك فإن القضية إلى مزيد من التراجع.

* كاتب وإعلامي أردني

9