فرص عمل النساء بالخارج تستفز العقليات الذكورية

التهميش الذي تعيشه المرأة ينعش رغبة النساء في الحصول على عروض عمل بالخارج.
الأحد 2020/03/15
المرأة العربية لا تزال تقود حربا شرسة لنيل أبسط حقوقها

ليس من السهل على النساء العربيات الحصول على فرص متساوية مع فرص الرجال في قوائم العروض المتاحة للعمل خارج أوطانهن، وفي حال نجاحهن في ذلك، فإنهن لا يحظين في أحيان كثيرة بآفاق عمل كبيرة ويظللن غير قادرات على الهرب تماما من كم المطبات التي تزرعها العادات والتقاليد في طريقهن ويخضن الكثير من التحديات في سبيل إثبات جدارتهن.

"السفر يقهر التحيز والتعصب وضيق الأفق".. قد لا يكون مارك توين فكر من الأساس في أن يخص المرأة على وجه التحديد بهذه المقولة، لكن الكثير من النساء يعتقدن أن السفر من الممكن أن يقدم لهن فرصا لتحقيق أحلامهن وطموحاتهن المهنية أسوة بالرجل.

ويعد ضيق الآفاق المهنية في أغلب الدول العربية سببا مباشرا في بحث المرأة والرجل -على حد السواء- عن عروض عمل خارج أراضي الوطن، لكنهما في الآن ذاته لا يواجهان نفس التحديات والعراقيل.

وقد أظهرت عدة تقارير ودراسات أن نسب العاطلين عن العمل في ارتفاع مطّرد، حيث يتوقع تقرير لمنظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة أن تبلغ نسبة البطالة 7.3 في المئة في الدول العربية خلال العام الحالي. وأشار التقرير إلى أن نسبة البطالة في صفوف الإناث أعلى بثلاثة أضعاف مقارنة بالذكور.

وفي العام الماضي، كشف صندوق النقد العربي في تقرير تحت عنوان “آفاق الاقتصاد العربي” أن الدول العربية تحتاج إلى حوالي 60 مليون وظيفة جديدة للإبقاء على بطالة الشباب عند مستوياتها الحالية.

وبحسب تقرير صندوق النقد العربي، فإنه من المتوقع ارتفاع الطلب على العمالة المهاجرة، حيث تشير التقديرات إلى حاجة دول الاتحاد الأوروبي إلى استقطاب نحو 70 مليون مهاجر حتى عام 2050 للوفاء بمتطلبات سوق العمل.

وهذا ما ينعش التوقعات بارتفاع مستويات الطلب على العمالة العربية المؤهلة، إلا أن ذلك سيكون في ظل إطار تنافسي قوي بين الكفاءات الرجالية والنسائية.

ولفتت ندوة انتظمت في عام 2018 بتونس تحت عنوان “ظاهرة تأنيث الفقر وضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للنساء” إلى أن النساء في تونس والعالم أكثر فقرا، وهو ما يسمى بتأنيث الفقر.

ووفقا لما نقلته إذاعة تونسية خاصة على هامش هذه الندوة، فإن 67 في المئة من خريجي الجامعات نساء، وهذه النسبة تنخفض إلى 28 في المئة في سوق الشغل، وتصل نسبة النساء في الوظيفة العمومية إلى 37 في المئة، وتبلغ نسب البطالة في صفوفهن 22 في المئة مقابل 12 في المئة لدى الرجال.

وأشار الإعلان السياسي الذي اعتمدته الدورة الـ64 للجنة وضع المرأة التابعة للأمم المتحدة، الأحد الماضي، بشكل خاص إلى استمرار الحواجز الهيكلية والممارسات التمييزية وتأنيث الفقر في العديد من المناطق.

ودعا الإعلان المجتمع الدولي إلى العمل جماعيا من أجل القضاء على الصور النمطية التي لا تلائم هذا العصر وتديم التحيزات والممارسات التمييزية والعنف القائم على النوع الاجتماعي، كما دعا إلى ضمان التمكين الاقتصادي للمرأة؛ على سبيل المثال، الوصول إلى العمل اللائق والمساواة في الأجر.

ويرى مختصون أن تردي الأوضاع الاقتصادية المستشري في أغلب الدول العربية وما تعيشه المرأة من تهميش أنعشا رغبة النساء في الحصول على عروض عمل بالخارج، لافتين إلى أن عدد اللواتي تُعرض عليهن مهام خارج بلدانهن لا يزال قليلا نسبيا مقارنة بنظرائهن من الرجال، وذلك بسبب ارتباط المرأة بالمسؤوليات الأسرية التي ينظر إليها على أنها تعيق الحياة المهنية للنساء، لكنها لا تعيق الحياة المهنية للرجال.

فجوة في التحديات

إلهام الدوسري: ما زال هناك من ينظر إلى المرأة على أنها كائن ضعيف لا يقوى على السفر والعمل الشاق
إلهام الدوسري: ما زال هناك من ينظر إلى المرأة على أنها كائن ضعيف لا يقوى على السفر والعمل الشاق

هناك أسباب وراء قلة مهام العمل التي تقدم للمرأة وتتطلب سفرها إلى الخارج، لكنها لا تبدو من وجهة نظر الكثير من النساء أسبابا مقنعة.

وأشارت نسوة تحدثن لـ”العرب” إلى أن من بين هذه الأسباب التي يمكن أن تتم معالجتها بعيدا عن تعقيدات الأسرة والجهات الحكومية المسهلة للسفر، وجود طفل مريض في العائلة، حيث أكدت تونسية تعمل في سلك الجيش الوطني -رفضت ذكر اسمها- أنها تحمست كثيرا للمشاركة في مناظرة بإحدى الدول الآسيوية لكنها دخلت في صراع مع زوجها الذي رفض ذلك بسبب ابنتها المريضة بالتوحد. وأبدت تذمرا لأن السفر كان من الممكن أن يمنحها فرصا كثيرة للتقدم في مشوارها المهني، وأن يكسبها مقارنة ببقية زملائها خبرة كبيرة في مدة قصيرة.

وهذا ما يجعل الكثير من المؤسسات تستبعد موظفاتها من القوائم التي قد تمنحهن فرص تطوير مهاراتهن واكتساب كفاءات مهنية خارج بلدانهن. ويعود سبب هذا التغاضي عن إدراج أسمائهن في العروض الأجنبية للتدريب أو العمل لاسيما إذا كن متزوجات، إلى أحكام مسبقة تدين الزوج أو العائلة بتهمة منع المرأة من السفر، أو بالتحجج بأن انتقال المرأة مع أسرة إلى خارج الوطن عملية مكلفة ومعقدة وإن كانت معالجة المسألة مع زميلها الرجل لا تتم بنفس الأفكار والتعقيدات حتى وإن تطلب الأمر سفره مع عائلته.

وأضافت تونسية أخرى، وهي خريجة جامعية، أنها تتطلع إلى الحصول على فرصة عمل بدولة أوروبية تمنحها عملا يتوافق مع مؤهلاتها العلمية من جهة ويراعي وضع ابنها المريض من جهة أخرى، مؤكدة أن الدول العربية لا تقضي على الطموح في الحصول على عمل يتوافق مع الشهادة الجامعية فحسب، بل وتعيق المرأة أيضا عن العمل في حال كانت أمًا فما بالك إذا كانت حاضنة لطفل يحتاج إلى رعاية خاصة ومؤسسات تعليمية خاصة أيضا.

وتتفق السيدة التونسية ن .ح، وهي أستاذة إعلامية، مع مواطنتيها في أن وجود أطفال في العموم يعد عائقا، لكنه حسب رأيها ليس الوحيد فمثلا في بعض الدول العربية لا يسمح للمرأة بالسفر دون رجل لأنها تعتبر عورة.

وتابعت أن “خيار السفر إلى بلد أجنبي أيضا معبد بالحواجز العائلية، بحجج واهية من قبيل أنه عيب ولا يجوز، رغم ما يسوّق له من انفتاح داخل المجتمعات العربية”، مشيرة إلى “أن مثل هذه العوائق تعرف انحصارا في حالات معينة مثل حالة الضرورة وقد تكون عند البعض بداعي البحث عن الرفاهية التي يمكن أن يحققها الابن أو الابنة للعائلة بالعمل خارج حدود الوطن”.

حصص ضئيلة

فسرت إلهام الدوسري، أستاذة مشاركة ورئيسة وحدة الاعتماد الأكاديمي في قسم دراسات المعلومات بكلية العلوم الاجتماعية في جامعة الكويت، هذه النقطة بالقول إن “المرأة تواجه في حال حصولها على عمل بالخارج الكثير من التحديات من بينها معضلة إقناع الأسرة والمجتمع بسفرها، بالإضافة إلى قدرتها على التكيف مع الثقافة وإتيكيت المجتمع الجديد، فالمرأة العربية نشأت في بيئة تتميز بالدفء والتواصل، وأن تعيش وحيدة ومنعزلة يعتبر ذلك تحديا قاسيا نوعا ما. وهناك تحد آخر يتعلق بسلامتها، فهي تكون معرضة لمخاطر تهدد سلامتها مثل الاختطاف والتحرش. والتحدي الأخير هو تحقيق التوازن بين العمل والأسرة إذا تم القبول”.

وفي هذا السياق يرى عدد من المختصين الاجتماعيين أن مواقف بعض المجتمعات العربية من هجرة المرأة إلى الخارج بدأت تتغيّر، سواء عند الحديث عن الهجرة الشرعية أو غير الشرعية، وأصبحت في نظرهم ظاهرة تحتاج إلى تسليط الأضواء عليها لرصد أسبابها وتبعاتها، إذ أنهم يعتبرونها انعكاسا لما طرأ على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بالكثير من الدول العربية من تأزم وترد، وإن كانت حصص النساء من فرص إرسالهن إلى الخارج ضئيلة.

وكشف انعقاد عدد من المنتديات أن النساء اليوم يمثلن نصف المهاجرين على المستوى العالمي حيث يشكل التأنيث المتزايد للهجرة معطى عالميا يتضح بشكل قوي في أحد تقارير صندوق الأمم المتحدة للسكان السنوية الذي أكد أن الحديث عن المرأة المهاجرة يعني حوالي 50 في المئة من مجموع المهاجرين في العالم، فهي إما خادمة في المنازل، وإما مربية وإما ممرضة، وهي نادلة أو عاملة في المصانع أو المزارع أو فنانة.

ولفت التقرير إلى أن نشاط القسم الأكبر من النساء اللاتي تمكن من الالتحاق بعمل في دول أخرى يتم دون اعتراف لهن بما يقدمنه للمجتمع من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية.

الرغبة في الاعتماد على النفس أو تحقيق الاستقرار الذاتي من بين الدوافع التي تغذي رغبة الكثير من الفتيات في العمل خارج الوطن
الرغبة في الاعتماد على النفس أو تحقيق الاستقرار الذاتي من بين الدوافع التي تغذي رغبة الكثير من الفتيات في العمل خارج الوطن

وتعتبر ن.ح أنه “في حال توفرت للمرأة نفس الشروط المطلوبة في عروض العمل المطروحة للسفر إلى الخارج مثلها مثل الرجل، فإن حظوظ الرجال في الحصول على الوظيفة أعلى كنوع من العنصرية”، قائلة “غالبا تسفر النساء والفتيات للعمل كحلاقات أو عاملات في المنازل أو بائعات في المحلات التجارية، لكن إذا تعلق الأمر بالإطارات فالأولوية يحوزها الرجال، وحتى هذه المهن لا تكفل للمرأة كرامتها، إذ تتعرض بعض النساء إلى سوء المعاملة واحتقار من قبل الكفيل أو المشغل”.

واستشهدت الأستاذة التونسية بتجربتها الخاصة حيث تسعى منذ فترة للحصول على فرصة عمل في إحدى دول الخليج، وذكرت أنها خلال بحثها تبين لها أن العروض موجهة للرجال أكثر من النساء، لاسيما في مجالات معينة كالتعليم والصحة ومراكز التجميل، أما في الشركات الاستثمارية والتجارية فنادرا ما توجد عروض للعنصر النسائي، إلا إذا كانت المرأة ذات كفاءة علمية أو عملية عالية، فإن الأمر يختلف تماما”.

وتذهب بعض الدراسات والاستطلاعات الميدانية إلى أنه حان الوقت للبحث بدقة في دوافع سفر المرأة، وبعد ذلك تجدر مراجعة كل التحديات التي تواجهها سواء عند محاولاتها الحصول على عروض للعمل في الخارج أو عند عملها فعليا بإحدى الدول العربية أو الأجنبية.

إذ لا يعد تردي الأوضاع الاقتصادية الدافع الوحيد وراء طموح الكثير من الفتيات للعمل بعيدا عن أراضي الوطن، فالرغبة في الاعتماد على النفس أو تحقيق الاستقرار الذاتي من بين الدوافع التي تغذي الرغبة في السفر، بالإضافة إلى أن بعض المحللين النفسيين يعتبرون اهتمام المرأة بالعمل في الخارج ردة فعل على مكانتها الدونية في مجتمعاتها.

وتقول درة الشيحي -شابة تونسية متزوجة ومقيمة بكندا- إنه “لا يقع تقييم المرأة في بعض الدول العربية ولا تقييم كفاءاتها بالشكل الذي تستحقه، بسبب العادات والتقاليد”، مشيرة إلى أن “السبب الأهم والمباشر هو استناد المناهضين للمرأة إلى الدين بوصفه، وفق تفسيرهم له، يقر أن الفضاء الأنسب للمرأة هو البيت والإنجاب لا العمل والمنافسة وشغل المناصب”.

مساواة فعلية خارج الوطن

درة الشيحي: المرأة العربية العاملة في الغرب تحظى بمساواة فعلية وليست حبرا على ورق أو شفوية
درة الشيحي: المرأة العربية العاملة في الغرب تحظى بمساواة فعلية وليست حبرا على ورق أو شفوية

تابعت الشيحي في حديثها لـ”العرب” “لذلك يقع تكبيل المرأة ومحاصرتها على الصعيد المهني وردعها عن الوصول إلى أهدافها وتحقيق الذات، ودورها في العمل يحدده لها المجتمع، وغالبا ما يحصرها في وظائف تتعلق بالتعليم والصحة أو الحصول على دورات تكوينية في الطبخ والخياطة والحلاقة، وحتى في مجال الصحة يفرض عليها العمل كممرضة وتترك المهام الطبية الأخرى، خصوصا الجراحة، للرجل لأنه الأكثر دقة وقدرة على التحكم في مشاعره”.

ولهذا فإن التوجه إلى العمل بإحدى الدول الأوروبية يعد طوق نجاة بالنسبة إلى الكثيرات، وفقا للشيحي التي تقول “المرأة في الغرب تحظى بمساواة فعلية وليست حبرا على ورق أو شفوية، فالقانون يحمي المرأة في كل الحالات سواء كانت حاملا أو أما، بالإضافة إلى أن للمرأة الحق في اختيار عملها لا أحد يملي عليها ما يجب أن تفعله أو لا تفعله، ولها الحق في أن تعمل جنبا إلى جنب مع الرجل؛ فالتنافس والمهارات هما اللذان يحددان استحقاق العمل بالنسبة إلى المرأة كما الرجل”.

ومع ذلك لا تزال العديد من المؤسسات تميل إلى افتراض أن النساء لن يقمن بمهامهن كما يجب عندما يصبح لديهن أطفال، لذا فإنها تركز أكثر على الذكور الذين تشعر أنها ستحصل من خلالهم على عوائد أكبر عندما يحققون تقدما في حياتهم المهنية.

وتوضح الدوسري لـ“العرب” ذلك قائلة “ما زال هناك من ينظر إلى المرأة على أنها كائن ضعيف لا يقوى على السفر والعمل الشاق، وأن المكان الأساسي لها هو المنزل وتربية الأبناء. لذلك نشأت معظم النساء في العالم العربي في بيئة من عدم المساواة تعطي الأولوية للذكور على حساب الإناث في العديد من جوانب الحياة”.

وأضافت “في المنطقة العربية ما زالت حرية المرأة ومكانتها معرضتين لأكوام من الانتقادات. وتختلف نسب وأشكال عدم المساواة بين الجنسين من بلد إلى آخر حسب العادات الاجتماعية والثقافية وكذلك الأحكام القانونية”.

وأكدت “على الرغم من أن الكثير من المحللين والباحثين، يفسرون الإسلام على أنه السبب الرئيسي وراء محدودية المرأة العربية أو حتى حرمانها من حقوق الإنسان الأساسية الخاصة بها مثل السفر أو العمل في الخارج أو التعليم، فإن الحقيقة تكمن في أن العادات والأعراف المجتمعية تلعب دورا قويا في الحد من حرية المرأة، وهذا ما نشهده في المجتمعات الريفية والمتحفظة خصوصا”.

وترى الدوسري أنه “على الرغم من أنه في بداية القرن العشرين دعت العديد من الحركات في جميع أنحاء المنطقة العربية إلى تحرير المرأة، مما خلق بعض الفرص للمساواة بين الجنسين، وكذلك المشاركة الاجتماعية والاقتصادية للمرأة، لكن لسوء الحظ، لم تتمكن هذه الحركات من تحقيق اختراق كلي ناجح وما زالت هناك مقاومة من الاتجاهات المحافظة والدينية”.

20