فرضيات ثلاث تقف وراء صنع ظاهرة داعش المتطرفة

الأربعاء 2015/01/07
ظاهرة داعش أكبر من حركة داعش ذاتها فمناخ التطرف زاد من قوة هذا التنظيم

بغداد - لم تمض أكثر من سنة ونصف على إعلان تأسيس تنظيم “الدولة الإسلامية”، إلا أن هذا الاسم أصبح متداولا في شتى أصقاع العالم على أنه العنوان الأبرز لتطور الإسلام الحركي إلى أقصاه، وهذا ما من شأنه أن يضر بصورة الدين الإسلامي بشكل أو بآخر. وبقطع النظر عن الممارسات الوحشية التي يقوم بها التنظيم، فإن السؤال الأهم متعلق بتبين الجهات التي تقف وراءه عبر جملة من الفرضيات.

تواترت عديد القراءات في محاولة استجلاء حقيقة هؤلاء المرتزقة الذين يستعملون الدين الإسلامي ويحولون نصوصه بقسوة إلى مبررات للقتل والذبح، وقد ذهب كل منها في اتجاه مختلف عن الآخر ولكنها تصب جميعا في إرهابية وخطورة هذا التنظيم على الأمن العربي مثله مثل باقي حركات الإسلام السياسي. فذهب البعض إلى القول إن داعش صنيع المخابرات الإيرانية لمعاضدة نظام الأسد بطريقة معيّنة، أما البعض الآخر فقال عنه إنه وليد الموساد والمخابرات الأميركية، فيما ذهب خبراء إلى الجزم أنه رديف تنظيم القاعدة.

العديد من الآراء تذهب إلى أن إيران القوة الإقليمية الأولى في المنطقة التي استفادت من سقوط نظام صدام حسين العلماني، وهي تسعى جاهدة إلى تصوير المعركة في سوريا على أنها معركة طائفية بين سنة متشددين وطوائف أخرى كالمسيحيين والأكراد والمسلمين غير السنة وذلك لتشتيت القوة الشعبية “الموحدة” ضد النظام السوري، ولن تكون الأداة المناسبة لخلق تلك الثغرة إلا الأداة التاريخية المعروفة وهي “الإسلام السياسي” في أي شكل يكون عليه. فسارعت الدوائر الإستخبارية الإيرانية إلى صنع مجموعة تقوم بذلك الدور سميت بالدولة الإسلامية.

ومنذ البداية، تم زرع البذرة الأولى لتنظيم داعش في العراق ثم امتدت الأشواك القاتلة لهذا التنظيم إلى سوريا، وقد أكد مراقبون أنه قبيل أن يكون لتنظيم داعش نفوذ وقوة ميدانية واضحة في سوريا كان نظام بشار الأسد قد بدأ فعلا في التهاوي والانهيار، إلا أنه لحظة دخول داعش وإعلان أنه أصبح “امتدادا لما يسمى الدولة الإسلامية في العراق” تعافى النظام وأصبحت له المبررات والمشروعية للبقاء وبقوة من أجل محاربة الإرهاب وتخليص السوريين من هذا التنظيم الورمي الخبيث.

بعد أن نشر الموقع الأميركي “فيتيرناس توداي” الاستقصائي تحقيقا مفاده أن “الخليفة” أبو بكر البغدادي الذي سمى نفسه خليفة المسلمين في الموصل في الصائفة الماضية ليس سوى عميلا للموساد الإسرائيلي واسمه الحقيقي هو “سيمون إليوت”. وقد أكد هذا الموقع استنادا لتصريحات إدوارد سنودن الذي كشف عن عديد الوثائق الاستخباراتية الأميركية، أن الخلافة التي أعلن عنها هذا العميل ليست سوى غطاء دينيا للجرائم التي يقومون بها من أجل أهداف مرسومة سلفا.

وتشير تقارير منسوبة لخبراء في الجماعات الإسلامية المتطرفة إلى أن المخابرات البريطانية والأميركية والإسرائيلية أرادت أن تجمع كل المقاتلين المتطرفين من شتى أصقاع العالم في تنظيم واحد وموحد وواضح من أجل خلق الفوضى في الشرق الأوسط ثم القضاء عليه بعد انتهاء مهمته. وتهدف هذه الفوضى المتخفية وراء غطاء الجهاد ومحاربة “الكفر” إلى تفكيك الدول العربية ومن ثمة النفاذ والسيطرة على الثروات الموجودة فيها.

ظاهرة إنتاج التطرف تنبع أيضا من الثقافة الإسلامية التي لم تتعرض للنقد والتنقية من شوائب التاريخ الطويل

ويرى متابعون أن هذا التحليل يتقاطع بشكل واضح وجلي مع ما ذكرته وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون في مذكراتها والتي اعترفت فيها بأن “السي آي إيه” هو من صنع ظاهرة داعش إلا أن ثورة مصر في 30 يونيو ضد حكم الإخوان المسلمين بعثرت كل الأوراق الأميركية وأسقطتها في الماء.

تحاليل وآراء أخرى تقول بأن تنظيم الدولة الإسلامية هو تطور طبيعي لتنظيم القاعدة في العالم. فبعد أن كانت القاعدة مجرد مجاميع جهادية متفرقة في أماكن عديدة (كما تدل على ذلك التسميات مثل تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، شبه الجزيرة، الرافدين ..)، فقد أصبحت الفرصة متاحة أمام هذه الأصناف الإرهابية لتجتمع في نقطة واحدة تحت مبرر الجهاد ومحاربة “الكفر” من أجل تحقيق شهوة السلطة المغروسة فيهم وطمعا في تلك الثروات التي يبحثون عنها في منطقة الشرق الأوسط.

وكما ذهبت تلك الآراء إلى القول إن داعش هو تطور لتنظيم القاعدة، فإن فكرة أن يكون هذا التنظيم الجديد متسترا في البداية بتنظيم القاعدة للاستقطاب ثم أعلن عن نفسه، فذلك أمر مطروح أيضا. إلى أن جاء الأمر واضحا من زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري الذي بثت قناة الجزيرة تسجيلا له يؤكد فيه أن لا علاقة لتنظيم القاعدة بتنظيم الدولة الإسلامية، بل إن الظواهري قال عن هذا التنظيم إنه “خارج عن الطاعة لا مشروعية له”، وأن التنظيم الوحيد الذي يمثل القاعدة في سوريا هو ما يسمى جبهة النصرة، وقد وصلت المعارك بينهما إلى قتل ممثل أيمن الظواهري في المنطقة أبو خالد السوري بتفجير مقره في مدينة حلب السورية.

وقد أكد باحثون أن وراء التوصيف الأمني المرفوق بتأكيد سياسي وإعلامي، أن تنظيم داعش الآن أصبح حقيقة ميدانية ذات كيان شبه مستقل، توجد أزمة إنسانية فعلا في فهم ظاهرة الغلو والتطرف، فالعالم اليوم أصبح “متوترا” أو هو “الإسلام ذو التوتر العالي” الذي يهدد المصالح الدولية، حسب تعبير المفكر صادق جلال العظم، حيث أن الوعي الإنساني بات منشغلا بهذه الأيديولوجية “الجديدة” التي حلت بالجسد العالمي.

الفرضيات التي تم طرحها لا يمكن أن تخلص الإنسان العربي من مسؤولية إنتاج ثقافة التطرف، “فظاهرة داعش أكبر من حركة داعش ذاتها”، حسب تعبير الباحث المغربي التيجاني بوعلوالي، إذ تنمو الحركات المتطرفة وجماعات الإسلام الحركي سواء كانت سنية أو شيعية داخل تفاصيل الثقافة العربية التي لم تصف من الشوائب التي علقت بها من إضافات سلبية على مدى قرون.

13