فرض الفديات المالية على المخطوفين سوق نشطة للحركات الإسلامية

الشباب الصومالية تتلقى 3 ملايين دولار للإفراج عن عاملة إغاثة إيطالية بوساطة تركية.
الجمعة 2020/05/15
سيلفيا.. علامة على علاقة قطر وتركيا بتنظيمات الإرهاب

الإفراج عن عاملة الإغاثة الإيطالية التي كانت محتجزة في الصومال، بما تخلله من مفاوضات وتدخلات من قبل قوى إقليمية، طرح مسألة التفاوض مع التنظيمات الإرهابية، التي تحيل إلى “تخصص” قطر وتركيا في فتح قنوات اتصال مع الجماعات الإرهابية، بما يعني الاعتراف الضمني بهذه التيارات وتمكينها من مصادر تمويل تتيح لها تجديد عملياتها الإرهابية.

أعادت عملية الإفراج عن عاملة الإغاثة الإيطالية سيلفيا رومانو، مقابل دفع فدية لحركة الشباب الصومالية، الحديث عن ظاهرة تتقنها الكثير من التنظيمات المتشددة والدول الداعمة لها. ففي كل مرة يتم تحرير رهينة تتم الإشارة إلى جهات بعينها، تنجح غالبا في المهمة الموكلة لها أملا في حصد مكاسب سياسية من الدول التي ينتسب إليها المخطوفون، وتعزيز الروابط مع الخاطفين.

ورد اسم تركيا في عملية تحرير الفتاة التي عادت إلى روما، الأحد الماضي، على أنها طرف رئيسي في الوساطة، باعتبار أن خيوطها متشابكة مع الجانبين الإيطالي والصومالي، فهي تملك علاقات جيدة مع روما، وتحاول تطويرها من خلال مساندتها في أزمة إنسانية لها وقع إيجابي على الحكومة الإيطالية برئاسة جوزيبي كونتي الذي يواجه تحديات في سياسته الخارجية.

نقلت وكالة “آكي”، الاثنين، أن حزب “أخوة إيطاليا” اليميني المعارض، طالب بتحديد علاقتها مع السلطات في أنقرة، إثر مشاركة جهاز الاستخبارات التركي في عملية تحرير المتطوعة، وعليها توضيح أين وكيف تغيرت العلاقة مع أنقرة بعد إطلاق سراح عاملة الإغاثة.

وقال مسؤول الشؤون الخارجية في الحزب، كارلو فيدانزا، “هناك العديد من مناطق الظل، بدءا من مسؤولية أولئك الذين أرسلوا الفتاة للعمل في كينيا من دون توفّر أدنى مستوى من الأمن، وها هي إيطاليا تجد نفسها مضطرة إلى دفع فدية كبيرة لميليشيات حركة الشباب الإسلامية والاعتماد بشكل كامل على وساطة تركيا”.

ترمي أنقرة من وراء هذا الدور إلى جذب روما إلى موقفها في ملف غاز شرق البحر المتوسط، وحفاظ كونتي على علاقته الودية مع حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج في طرابلس، ومنع انحياز حكومته إلى فريق المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي، وإبعادها عن الدوران في فلك الدول الممانعة لتدخل أنقرة في ليبيا ومطالبتها بوقف دعم الكتائب المسلحة والإرهابيين الذين أدخلتهم إلى الأراضي الليبية وتسببوا في إفشال كل مبادرات التسوية.

أما على الصعيد الصومالي، فتملك تركيا خطوط اتصال مع حركة الشباب التي بايعت تنظيم القاعدة، ولأنقرة حضور سياسي واقتصادي وعسكري وإنساني في الصومال، وتسعى إلى ترسيخ وجودها في مقديشو عبر نسج علاقات قوية مع الرئيس محمد عبدالله فرماجو، والحركات المتشددة، وهي غير منفصلة عن الاتجاه العام الذي تتبناه مع هؤلاء في كل من سوريا وليبيا، علاوة على الطيف الواسع من التنظيمات المؤدلجة في المنطقة، التي يبدو لها الرئيس رجب طيب أردوغان خليفة الله في الأرض.

علاقة مزدوجة

أكدت تركيا، من حيث لا تدري، أن تشدقها مؤخرا بتقديم أنواع مختلفة من الدعم الإنساني إلى الصومال ودول أفريقية متباينة تقف خلفها مآرب سياسية، وتمكنها من فتح قنوات مع دوائر كثيرة في الحكومة والمعارضة، بحجة المساعدات التي تمثل غطاء تلتحف به أنقرة، ويصل بها إلى أماكن وأهداف وجماعات قد يراها البعض بعيدة.

في الوقت الذي تحدثت فيه وسائل إعلام تابعة لأنقرة، بفخر، عن الدور الذي لعبته الاستخبارات التركية في عملية الإفراج، رصدت تقارير إيطالية دلالات الوساطة في تحرير الرهينة وقدمتها كدليل يعكس رعاية تركيا للجماعات الإرهابية المنتشرة في أفريقيا.

كشفت جريدة “Giornale di Puglia” الإيطالية عن فدية مالية قدرها 3 ملايين دولار تم دفعها إلى حركة الشباب مقابل الإفراج عن سيلفيا التي كانت محتجزة لدى الحركة نحو 18 شهرا، ونقلت الصحيفة عن مصادر استخباراتية أن هناك اتصالات جرت بين مسؤولين إيطاليين وممثلين للحركة دون تحديد مكان تلك الاتصالات وزمانها. لم تؤكد الحكومة الإيطالية أو تنفِ ما إذا كانت هناك فدية تم دفعها بالفعل للإفراج عن رومانو، لكنها أشارت إلى أن إطلاق سراحها تم بالتعاون مع المخابرات الصومالية والتركية، مع ملاحظة عدم الإعلان عن وقوع خسائر في فريقي المحررين والخاطفين، بما يشي بأن العملية خضعت لحسابات دقيقة وتفاهمات عميقة.

تحتجز حركة الشباب الصومالية رهائن من كوبا وألمانيا وإيران، وحصلت مرارا على مبالغ مالية كبيرة مقابل الإفراج عن أشخاص كانوا محتجزين لديها. تشير هذه المعطيات إلى أن تركيا تسير على الدرب الذي برعت فيه قطر، وتتكامل معها في هذه المهمة، حيث درجت الدوحة على الوساطة في عمليات اختطاف قامت بها جماعات إرهابية، في العراق وأفغانستان وسوريا ومالي وغيرها، طُلبت فيها فديات مالية، ودفعت قطر ملايين الدولارات للمتطرفين وأنهت إفراجات عدة، ما جعل جهات أمنية تتأكد أنها على علاقة وثيقة بإرهابيين، فقد كانت تصل إليهم بسهولة وتتفاوض معهم وتطوي المهمة بسلام.

سيلفيا رومانو ودور الوسيط القطري
سيلفيا رومانو ودور الوسيط القطري

أنهت قطر أزمات عديدة من هذا النوع في مناطق مختلفة، وأدى تتبع خيوط الكثير من العمليات إلى تثبيت تهمة رعاية قطر واحتضانها لتكفيريين وإرهابيين، والحرص على دعمهم وتوظيفهم في تعزيز علاقاتها ببعض القوى الإقليمية والدولية، وتعرف مفاتيح عدد كبير من القيادات الإسلامية، وقد استقبلت بعضها خلال السنوات الماضية، ولا تزال تستضيف قيادات أخرى على أراضيها.

ألقت صحيفة “كورييا” الإيطالية حجرا كبيرا في تقرير لها بعنوان “سيلفيا رومانو ودور الوسيط القطري”، وكشفت دورا ما للدوحة في إطلاق سراح الفتاة رومانو، وقالت “إن قطر تساعد الحركات المتطرفة، وتدفع أموالا بشكل غير مباشر لمساعدة هذه الفصائل الخطيرة”.

تعود قصة احتجاز رومانو إلى 21 نوفمبر 2018، عندما أعلنت الشرطة الكينية، أن عصابة مسلحة قامت بخطف عاملة إغاثة إيطالية من قرية في جنوب شرق كينيا.

قالت الشرطة في بيان لها وقتها، إن المهاجمين فتحوا النار عشوائيا على المقيمين في القرية قبل خطف سيلفيا رومانو، التي تعمل متطوعة في منظمة “أفريقا ميليلي أونلوس” غير الحكومية، في قرية شاكاما بمنطقة كيليفي الساحلية الصغيرة. وأوضحت معلومات كينية لاحقا أن الفتاة الإيطالية وقعت في أسر حركة الشباب التي تقوم بعمليات عنف في المنطقة الحدودية الواقعة بين كينيا والصومال، وجرى احتجاز الفتاة، وخضعت لدروس دينية، ثم أعلنت إسلامها على يد الحركة المتطرفة، وظهرت أثناء استقبال كونتي لها في روما وهي ترتدي الحجاب الإسلامي التقليدي. تجاهلت وسائل إعلام تركية عملية الخطف، وركزت على إسلام الفتاة وزيّها اللافت، والدور الذي لعبته استخبارات بلدها في تحريرها، ولم تأت على طبيعته وهل تم التعامل مع حركة الشباب بالقوة أم ودّا، فالمهم أن بصمات أنقرة هي التي مكنت روما من استرداد الفتاة.

تقييم الخطأ والصواب

خضع تقديم فدية للإفراج عن رومانو لتقييم سياسي، من زاوية الخطأ والصواب في اللجوء إلى دفع مبالغ مالية مقابل الإفراج، وتعرض كونتي لانتقادات بسبب خضوعه إلى ما وُصف بـ”ابتزاز حركة متطرفة”، والقبول بالتفاوض معها، ما يشجع بعض المتشددين على تكرار نموذج الفتاة الإيطالية، ويعرض حياة الكثيرين للخطر.

عقد المعلق السياسي الإيطالي فيتوريو زغاربي، مقارنة مثيرة بين عاملة الإغاثة وبين آلدو مورو، رئيس الوزراء الأسبق الذي اختطفه وقتله تنظيم الألوية الحمراء الإرهابي عام 1978، وقال إن الفتاة بدت أكثر قيمة بالنسبة للدولة من مورو، فالرجل مات لأن حكومته آنذاك قررت عدم التفاوض مع الإرهابيين، بينما منح كونتي الملايين للسجّانين الإسلاميين، “لقد مولنا من يحاربون الغرب.. لذا أصبحنا شركاء للجهاديين”.

بدأت القضية تتفاعل في إيطاليا وتحظى بتغطية إعلامية واسعة، لأن الدولة، أي دولة، التي تقبل بدفع أموال للإرهابيين تضفي شرعية على أي مفاوضات، حتى مع المافيا، ومع أن تحرير الفتاة انتصار إنساني، لكنه يعد هزيمة، فلا يمكن الصمت على تمويل الإرهابيين.

نكأت الخلفيات التي وقفت وراء تحرير عاملة الإغاثة الإيطالية، جروحا كادت تندمل مع انسياق البعض وراء فكرة التفاوض المادي الذي تتبناه دوائر سياسية وأمنية لفك أسر مخطوفين من جانب إرهابيين، وأثمرت الفديات التي دفعتها قطر ووساطات تركيا عن نتائج أسهمت في زيادة الصمت على هذه الأدوار، لأن هناك حكومات تلجأ إلى هذا الطريق حفاظا على ماء الوجه، أو تحقيقا لمكاسب سياسية، الأمر الذي يجعل الحركات الإسلامية تتمادى في عمليات الاختطاف.

تشبه هذه المسألة دائرة يصعب سد فراغاتها طالما هناك حكومات تقبل مبدأ الدفع باستمرار لتنظيمات إرهابية، وطالما بقيت قطر ومعها تركيا تقبلان بممارسة دور الوساطة ودفع الفديات. وقد تكون العملية التي اعتبرها جوزيبي كونتي انتصارا بارزا هي ذاتها الفخ الذي يكبده جملة من الخسائر السياسية.

13