فرض رسوم التسجيل يجدد النقاش حول مجانية التعليم في المغرب

جدل قديم جديد يعيد السجال حول خصخصة التعليم للواجهة في المغرب وسط تخوف من توسع تجربة الرسوم لتطال الطبقات الضعيفة.
الثلاثاء 2018/06/19
لا مساس بالتعليم العمومي

يكاد الجدل لا يتوقف في المغرب حول قضية “مجانية التعليم” في كل مرة يتم فيها فرض رسوم تسجيل جديدة على الطلاب. وفيما تتمسك الحكومة بإلزامية هذه الرسوم وتؤكد أنها لا تمس سوى الفئات الميسورة، يرى خبراء أن فرض رسوم جديدة غايته ضرب الطبقة المتوسطة وفتح الطريق أمام خصخصة التعليم.

الرباط - عاد النقاش في المغرب مجددا حول مجانية التعليم في ظل استعداد الحكومة لمناقشة مشروع قرار يضيف رسوما جديدة للتسجيل في بعض شعب الماجستير المتخصصة باقتراح من وزير التربية الوطنية المغربي سعيد أمزازي.

وتتجاوز الرسوم الجديدة التي تعتزم وزارة التربية الوطنية فرضها 4 آلاف دولار بالنسبة إلى العاملين في سلك الوظيفة العمومية و5 آلاف دولار للعاملين في القطاع الخاص بينما لا يزال التداول حاصلا حول الرسوم التي ستفرض على بعض الطلاب ممن تتوفر عائلاتهم على دخل مرتفع.

وأمزازي، الذي سبق وشغل منصب رئيس جامعة محمد الخامس (حكومية) بالعاصمة الرباط قبل تعيينه وزيرا للتربية الوطنية في 22 يناير الماضي، كان أول رئيس جامعة مغربية يفرض رسوما للتسجيل ببعض شعب الماجستير المتخصصة، وعقد شراكات مع القطاع الخاص في شعب ماجستير أخرى ذات علاقة بالتسويق والاقتصاد.

أحمد أخشيشن: إلغاء قانون مجانية التعليم صار أمرا ضروريا ولا حياد عنه
أحمد أخشيشن: إلغاء قانون مجانية التعليم صار أمرا ضروريا ولا حياد عنه

وبحسب بعض المصادر، فإن تجربة الرسوم يمكن أن تتوسع لتشمل جامعات مغربية أخرى، وهو الأمر الذي يتزامن مع إثارة أعضاء من المجلس الأعلى للتربية والتكوين (جهاز استشاري حكومي) لقضية مجانية التعليم بعدما خمد النقاش بشأنه لفترة.

وسبق للمجلس الذي يترأسه المستشار الملكي عمر عزيمان أن فجر الجدل بعدما طالب بـ”خصخصة” التعليم تدريجيا. وكان ذلك في نوفمبر 2016، حينها اقترح المجلس الأعلى في اجتماع حضره ممثلو المجلس (من الحكومة والأحزاب والنقابات والمجالس) فرض رسوم تسجيل على العائلات الميسورة من الثانوية إلى الجامعة.

وأثار هذا المقترح موجة احتجاج ورفض في البلاد، عبّرت عنها الأسر إلى جانب النقابات والجمعيات المهنية.

وفي يناير الماضي عاد المجلس الحكومي ليصادق على مشروع قانون لإصلاح التعليم ينص على فرض رسوم تسجيل في مؤسسات التعليم العامة على طلاب المرحلة الثانوية والجامعية، تقول الحكومة إن تطبيقه سيقتصر على الأسر الميسورة.

وتتهم النقابات التعليمية في المغرب الحكومة بـ”الإجهاز على مجانية التعليم من خلال مشروع قانون يفرض رسوما على التعليم بمؤسسات الدولة”، فيما يأتي رد الحكومة بأن “الأسر الميسورة وحدها دون الفقيرة والمتوسطة ستكون معنية بهذه الإجراءات”.

وكان مصطفى الخلفي، الناطق باسم الحكومة قال خلال مؤتمر صحافي عقده بالعاصمة الرباط في يناير الماضي، إن مشروع القانون سيتم عرضه على اجتماع مقبل للمجلس الوزاري يرأسه العاهل المغربي الملك محمد السادس للمصادقة عليه قبل طرحه أمام البرلمان لمناقشته والتصويت عليه دون تحديد موعد لذلك.

ويقول الخلفي إنه بموجب هذا القانون “تضمن الدولة مجانية التعليم الإلزامي الذي يشمل التعليم الأولي للأطفال المتراوحة أعمارهم بين 4 و6 سنوات والتعليم الابتدائي والتعليم الإعدادي (أي من 4 إلى 15 عاما)”.

واعتبر المتحدث الحكومي أن “إصلاح التعليم أولوية وطنية ملحة ومسؤولية مشتركة بين الدولة والأسرة وهيئات المجتمع المدني والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين وغيرهم من الفاعلين في مجالات الثقافة والإعلام والاتصال”.

مصطفى الخلفي: بموجب هذا القانون تضمن الدولة مجانية التعليم الإلزامي
مصطفى الخلفي: بموجب هذا القانون تضمن الدولة مجانية التعليم الإلزامي

والنقاش حول “مجانية التعليم” بدأ الحديث عنه بالتحديد منذ المخطط الاستعجالي (برنامج لإصلاح التعليم أطلق عام 2009) الذي لا يزال موضع اتهام وملفاته لا تزال رائجة أمام القضاء بسبب تبديد الميزانية (أحال المجلس الأعلى للحسابات الذي يُعنى بمراقبة المال العام بعض ملفات هذا المخطط إلى القضاء).

وحينها قال أحمد أخشيشن وزير التعليم السابق (2007 و2012) إن إلغاء مجانية التعليم صار أمرا ضروريا.

ويقول نجيب أقصبي، الأستاذ الجامعي والمحلل الاقتصادي، إن “إلغاء مجانية التعليم هو مطلب قديم للبنك الدولي والمغرب لم ينفذه خوفا من الاحتجاجات الاجتماعية لكنه يسعى إلى تحقيق ذلك على مراحل دون أن يكون قرارا يتخذ دفعة واحدة”.

ويضيف “هذا واحد من مظاهر السياسة النيوليبرالية للحكومة التي تروم القضاء على القدرة الشرائية للمواطنين وأرى أن الحكومة تسير بخطوات ثابتة نحو خوصصة التعليم العمومي والإجهاز بشكل كامل على المدرسة العمومية”.

ويرى إسماعيل العمري، الباحث في قضايا التعليم “أن مشروع القانون أحيا السِّجال القديم الحديث حول إلغاء مجانيّة التعليم، والذي سيؤدي إلى إقبار المدرسة العمومية، وسيمهد للإجهاز على فئات عريضة من أبناء الطبقة الفقيرة والمتوسطة الذين سيكون مصيرهم الحرمان والانقطاع عن الدراسة”.

وبينما يؤكد نجيب أقصبي الذي سبق له أن اشتغل مع البنك الدولي أن المشروع غايته الأولى والأخيرة ضرب الطبقة المتوسطة، يرى العمري أن “تجربة تسليع وخوصصة التعليم أثبتت فشلها في النهوض بالقطاع التربوي وتحولت المدارس الخصوصية إلى أوكار للمتاجرة والسمسرة بأحلام المتعلمين على حساب الجانب المعرفي وأضحى القطاع الخاص يخيف الأسر بشكل كبير لارتفاع تكاليفه”.

17