فرط الحركة أكثر ضررا من قلتها

ركّزت جل الدراسات البحث على تأثير قلة الحركة على صحة الإنسان وكشفت مخلفاتها السلبية على التوازن النفسي وجاهزية الأجهزة الحيوية للجسم. وتمحور الحديث عن فرط الحركة لدى فئة الأطفال بينما ثبت أن الكبار بدورهم يواجهون مخاطر كبيرة، نتيجة تكرار الجهد البدني والضغط النفسي.
الاثنين 2016/11/21
فرط الحركة يؤثر على حيوية العمود الفقري

القاهرة – الوظائف التي تتطلب تفكيرا وإبداعا أو حركة ونشاطا، طوال الوقت، تزرع في العقل توترا وضغطا كبيرين يفرضان على الأشخاص مواصلة العمل والتعايش مع تقلباته ومخلفاته دون الانتباه إلى خطر هذه المراوحة والهزات التي ترهق الدماغ والجسد وتتسبب له في الكثير من الأمراض المميتة.

وأثبتت دراسة أعدتها جامعة أنديانا في الولايات المتحدة، أن هناك ضغوطا يتعرض لها العاملون في الوظائف المرهقة تقودهم إلى الوفاة بصورة تدريجية، بعضها نفسي والبعض الآخر صحي. وتبدأ تلك الضغوط بقلة الأداء الحركي أو بفرطه والشعور الدائم بالتوتر والقلق، فضلا عن عدم كفاءة الأداء البدني نتيجة الأمراض التي يصاب بها العاملون بها خلال قضاء أوقات طويلة في العمل، وبذل مجهود يسهم في تقليل جودة الصحة العامة.

وتعلق رحاب العوضي، استشاري الصحة العامة، على نتائج تلك الدراسة، قائلة “هناك العديد من الضغوط التي يتعرض لها العاملون في الوظائف المرهقة، ترفع من نسب الوفاة بين صغار السن بصورة قد تصل إلى 15 بالمئة تزيد بمعدل 20 بالمئة كل سبع سنوات”. وهذا الأمر لا يتوقف فقط على كبار السن، بل يعتمد على حجم الضغوط التي يتعرض لها العامل سواء كان مسؤولا أو موظفا خلال فترات العمل. ومن أبرز الضغوط الصحية التي تقود إلى الوفاة الضغوط الحركية، حيث يتطلب من أصحاب الأعمال المرهقة التحرك كثيرا وسريعا، الأمر الذي يعود بالسلب على حالة القلب، بالرغم من الفائدة الصحية للنشاط. ولكن الإفراط في الحركة خلال وقت قصير مثل عدد الساعات التي يعمل أثناءها صاحب العمل، يقلل من الكفاءة الصحية لعضلة القلب، ومن ثم يصبح العامل معرضا للموت في أي وقت.

وأضافت رحاب أن فرط الحركة يؤثر أيضا على حيوية العمود الفقري، وبالتالي يصيب الظهر بآلام لن يستطيع صاحب العمل تحملها مع مرور الوقت.

وتنتج تلك الآلام عن قلة وجود السائل الزلالي بين فقرات العمود الفقري. وبالتالي يصاب العامل بالانزلاق الغضروفي، كما أن قلة السائل تسهم في تآكل نهايات العظام، مما يعرض حياة صاحب العمل للموت، حيث يؤدي ذلك أحيانا مع شدة الآلام إلى تعرض القلب للتعب والإنهاك. فيصير القلب غير قادر على القيام بمهمته بصورة طبيعية. ومن ثم تكون حياة الإنسان عرضة للخطر.

الضغوط التي يتعرض لها العاملون بالوظائف المرهقة، ترفع من نسب الوفاة بنسبة تصل إلى 15 بالمئة

ولفتت الخبيرة في الصحة إلى أن حدوث اضطرابات في ضغط الدم يعد من النتائج السلبية للتعرض لضغوط العمل اليومية، حيث أن الارتفاع أو الانخفاض المفاجئ لضغط الدم من الأشياء التي تهدد حياة الإنسان بالموت وتؤدي إلى الضعف التدريجي لكفاءة الصحة العامة للإنسان وتعرضه للشعور شبه الدائم بالصداع. كما يجعل هذا الاضطراب الإنسان غير قادر على استيعاب ما يدور حوله لجهة الصورة المطلوبة للقيام بالعمل، بالإضافة إلى الشعور الدائم بالإعياء وعدم التركيز، كما ينتج عنه مع الوقت عجز المخ عن القيام بمهامه.

أما أحمد سعد، أستاذ الطب النفسي بكلية الطب بجامعة عين شمس، فيشير إلى أن الوظائف المرهقة تحتاج إلى متطلبات خاصة، من أبرزها توفير مناخ وبيئة مناسبين، حيث يعمل ذلك على انخفاض نسب التعرض للوفاة نتيجة المجهود البدني والذهني الفائق الذي يقوم به أصحاب الأعمال المرهقة. فقد أشارت دراسة أنديانا الأميركية إلى أن نسبة الوفاة انخفضت إلى 34 بالمئة، بعد اعتماد عملية الاستقلالية الذاتية. ووجد الباحثون أن اختلاط الموظفين بأصحاب العمل يزيد من المشاحنات بينهم، الأمر الذي يعرض الطرفان إلى مخاطر الوفاة المبكرة، بسبب ما يصابان به من توتر وقلق، مقارنة بالأشخاص الذين لم ينالوا الاستقلالية أو الذين يشغلون وظائف التنفيذ، التي لا تتطلب مجهودا بدنيا أو ذهنيا.

وعن الأمراض النفسية التي تنتج عن ضغوط العمل ينوّه سعد إلى شعور العاملين بالتوتر والقلق اللذين يصيبانهم نتيجة فقدانهم للحرية في اتخاذ القرارات، حيث تقلل تلك الحرية من نسب التعرض للوفاة الناتجة عن ضغوط العمل، حتى وإن كان العمل من فئة الأعمال المرهقة.

ويرى علماء النفس، الذين قاموا بإجراء الدراسة، أن حرية اتخاذ القرار هامة لما لها من دور فعال في خلق شعور بالراحة لدى العاملين. كما أن التعرض للغضب يصنف كنتيجة طبيعية لمن يشغلون أعمالا مرهقة، لذلك يكونون أكثر عرضة للموت بنحو 50 بالمئة، مقارنة بغيرهم ممن هم أقل عرضة للغضب، حيث يؤدي ذلك، على المدى الطويل، إلى ضعف عضلة القلب ومن ثم زيادة فرص التعرض لنوبات قلبية يمكنها إنهاء حياة الإنسان.

وأكدت دراسة بريطانية فنلندية مشتركة، أن خطر الإصابة بالأمراض القلبية الوعائية يرتفع إلى الضعف عند الأشخاص الذين يصنفون أنفسهم بأن ظروفهم تسبب لهم الضغط والتوتر النفسي، مما يؤثر سلبا على حياتهم اليومية.

ونشرت الدراسة في دورية القلب الأوروبية، وفيها تمت متابعة 7268 شخصا ممن اعتبروا أنفسهم يعانون من الضغط النفسي والتوتر بسبب ظروفهم وبدرجات مختلفة تراوحت من الخفيفة إلى الشديدة جدا. وذلك لمعرفة احتمال تعرضهم لأمراض قلبية في ما بعد. وتم أخذ عوامل الخطر القلبية الأخرى بعين الاعتبار، مثل التدخين وتناول الكحول والسمنة والسكري وارتفاع التوتر الشرياني والحمية والنشاط الجسدي والعوامل الاجتماعية، مثل الجنس والعمر والعرق والحالة العائلية.

وبيّنت النتائج أن خطر الإصابة بالأمراض القلبية الوعائية أو الوفاة، كانت أعلى بمقدار الضعف لدى الأشخاص الذين كانت الضغوط النفسية شديدة لديهم، مقارنة مع الأشخاص الذين لم يكن في حياتهم ما يسبب الضغط والتوتر النفسي.

17