فرط الوقاحة في نهج الاستباحة

منظومة ما برحت تتحفنا يوميا بإنجازاتها الفضائحية لا يمكن أن نتوقع منها أقلّ من سرقة لقاحات اللبنانيين واتهام المتظاهرين الثائرين ضد القهر والتجويع والفساد ونهب الأموال العامة وأموال اللبنانيين بالإرهاب.
الجمعة 2021/02/26
عقبة أمام تشكيل الحكومة

صرح المدير الإقليمي للبنك الدولي ساروج كومار جيها من بيروت عبر تغريدة له قبل ساعات تعقيبا على انتهاك المعايير والشروط التي تمّ الاتفاق عليها بين البنك الدولي والحكومة اللبنانية والتي التزمت بها اللجنة الوطنية المختصة بعمليات التلقيح ضد كوفيد – 19، بخصوص دعم البنك الدولي للقاحات وبقرض يصل إلى 34 مليون دولار، قائلا “في حال التأكد من المخالفة، قد يعلق البنك الدولي تمويل اللقاحات ودعم التصدي لكوفيد – 19 في جميع أنحاء لبنان.. أناشد الجميع، أعني الجميع، وبغض النظر عن منصبكم، أن تسجلوا أسماءكم وتنتظروا دوركم”.

جاء ذلك بعد افتضاح تلقي أعضاء في مجلس النواب لهذا اللقاح من خارج برنامج المنصة المعلن وبعيدا عن الالتزام بالسُّلّم التسلسلي لأخذ اللقاح وفي غير المواقع المخصصة لأخذه.

وهذا فتح الباب على كشف تجاوزات كثيرة قد تكون مجرد رأس جبل الجليد في عملية استغلال السلطة والمناصب السياسية والحزبية للحصول على لقاح كوفيد – 19 الممول بقرض من البنك الدولي تترتب عليه أعباء إضافية يتحملها اللبنانيون.

وفي مقدمة هذه التجاوزات حصول رئيس الجمهورية وعدد كبير من المحيطين به على اللقاح في القصر الجمهوري. ولا يستبعد المراقبون أن تكون نسبة كبيرة من اللقاحات التي وصلت إلى لبنان قد تسرّبت إلى قيادات حزبية وسياسية وربما أمنية وإلى أسرهم والمحيطين بهم ربما تصل إلى نصف الكمية الشحيحة من اللقاحات التي وصلت إلى لبنان منذ الثالث عشر من الشهر الجاري، استنادا إلى مرصد الأزمة في الجامعة الأميركية في بيروت.

ليس غريبا ولا مفاجئا هذا السلوك من المنظومة السياسية الحاكمة في لبنان في سرقة اللقاحات ممن هم أكثر حاجة إليها من أعضاء الطواقم الطبية ومن المسنين الذين يعانون من أمراض مزمنة، فهذه المنظومة ما برحت تتحفنا كل يوم بإنجازاتها الفضائحية التي لم تعد تدهش أحدا، إذ أنها تفوّقت على نفسها في الانحطاط الأخلاقي ما جعل منها مثار استهزاء واحتقار المجتمع الدولي وقادته الذين يرفضون تسليمها “كرتونة إعاشة” للبنانيين لأنهم يدركون أنها لن تصل إلى مستحقيها.

هذه المنظومة التي تتمسك بالحصانات السياسية كي تبقى فوق أي محاسبة قضائية هي نفسها من حاولت دفع محكمة التمييز الجنائية إلى كفِّ يدِ القاضي فادي صوان في قضية تفجير مرفأ بيروت لأنه تجرأ على الحصانات، لكنها فشلت في ذلك، وكان قرار محكمة التمييز في 11 يناير الماضي قد قضى باستمرار القاضي صوان في عمله على الملف. وإلى أن أصدر القاضي صوان قرارا بحق رجال أعمال سوريين مقربين من بشار الأسد في قضية إدخال نترات الأمونيوم إلى مرفأ بيروت، لتصدر محكمة التمييز نفسها قرارا بكفِّ يدِ صوان عن ملف تفجير المرفأ استنادا إلى نفس الإدعاء بـ”الارتياب المشروع” الذي كان تقدّم به المتهمان المتمتّعان بالحصانة النيابية علي حسن خليل وغازي زعيتر!

غازي زعيتر، النائب في البرلمان عن حركة أمل التي يرأسها نبيه بري رئيس البرلمان منذ 28 عاما ردّ على الانتقادات التي طالته مع غيره من النواب الذين سطوا على لقاحات اللبنانيين بالقول “أنا لبناني وأكثر من غيري”!.

منظومة يتزعمها مثل هؤلاء، سيطروا على كل أجهزة ومؤسسات الدولة اللبنانية بما فيها الأمن والقضاء، يحميهم من شعبهم حزب مسلّح يُرسل عناصره إلى كل دول المنطقة للدفاع عن أنظمة وعصابات القهر بوجه شعوبها، ليس حبّا بتلك الأنظمة وإنما استغلالا لهزالها لمدّ سيطرة أسياده في طهران، لا يمكن أن نتوقع منها أقلَّ من سرقة لقاحات اللبنانيين واتهام المتظاهرين الثائرين ضد القهر والتجويع والفساد ونهب الأموال العامة وأموال اللبنانيين، بالإرهاب.

منظومة يحرسها حزب الله وتتحصّن بوجه السلطة القضائية ومسؤولة مباشرة عن تفجير عاصمة البلاد وتتعامى عن الاغتيال والتنكيل وتمارس تكميم الأفواه وتجريم الاعتراض.

منظومة يتزعمها أمثال جبران باسيل الذي يُعلن رفضه المشاركة في الحكومة ثم يضع الاشتراطات والعراقيل في وجه تشكيلها، وأمثال سعد الحريري الذي يعلن أنه يشكل حكومة من المستقلين ثم يقول إنه يرفض إعطاء جهة سياسية معينة ما يمكّنها من الثلث المعطل.

منظومة يسطو كبارُها القابعون في أعلى هرم السلطة على الكمية الشحيحة من لقاحات كوفيد – 19، ويرفض المجتمع الدولي تقديم المساعدات الإنسانية للبنانيين من خلالها، لعلمه أنها لن تصل إلى مستحقيها.

منظومة قال فيها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن “قادتها لا يستحقون بلدهم”، وأقل ما يقال فيها أنها معادية تحتقر الناس والبلاد وتضع نفسها ومصالحها فوق الجميع حتى لو كان خرابا.

منظومة استباحت البلاد بشرا وحجرا وماء وهواء وقضاء ودواء.. هي منظومة “فرط الوقاحة في نهج الاستباحة”.

8