"فرعنة" ميدان التحرير في القاهرة تشوّه كسوته الثورية

خبراء الآثار يرفضون تصميم الميدان الجديد المتضمن لنقل تماثيل أربعة كباش ومسلة فرعونية من الأقصر إلى ساحته.
الأربعاء 2020/01/15
هوية متميزة للميدان

مخطّطات تطوير ميدان التحرير في القاهرة بمنحه هوية فرعونية تثير الجدل في الذكرى التاسعة لثورة 25 يناير، ما بين تخوفات من تعريض الآثار للخطر بنقلها من بيئتها الأصلية إلى العاصمة المشبعة بالتلوث والرطوبة والزحام، وحتى الجور على هوية رمز التحرر الوطني وموطن الثورات المصرية. وقد أثار قرار الحكومة أخيرا نقل أربعة كباش من مدينة الأقصر الأثرية في جنوب مصر إلى قلب القاهرة الكثير من ردود الفعل السياسية والمجتمعية.

القاهرة - يصاحب المخططات الحكومية الحالية لتطوير ميدان التحرير رمز الثورات المصرية، الكثير من الجدل الذي يتعدى مدى شرعية نقل تماثيل أربعة كباش ومسلة فرعونية إلى ساحته، ليمتد إلى تكهنات بوجود نوايا تتعلق بالهوية المتجذرة في مكان ارتبط بمخاض الثورات المصرية.

يحمل الميدان أهمية خاصة تجعله أكثر من مجرد ميدان، بعدما احتضن على مدار قرن كامل الثورات المصرية، بدءًا من 1919 مرورا بدعوات جلاء القوات الإنكليزية من مصر إلى ثورتي 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013، ما جعله أكثر الميادين خضوعا للتطوير منذ إنشائه على يد الخديوي إسماعيل بطراز أوروبي صرف تحت مسمى ميدان “الإسماعيلية”.

يعتبر أَساتذة التخطيط العمراني، أن التصميم الجديد الذي نشرت الحكومة تفاصيله مؤخرا، لا يراعي التصميم العمراني الحيوي التاريخي لأهم ميادين مصر، والذي يشكل الشخصية المتميزة للمكان، ويكمل الصورة الجمالية بما يضمّه من تخطيط المساحات الخضراء وممرات المشاة والسيارات والأمور المرتبطة بالحياة اليومية للمواطنين ومنها حق التظاهر.

يقول أحمد راشد، أستاذ التخطيط العمراني بالجامعة البريطانية في القاهرة، إن تطوير ميدان التحرير لا يحتاج إلى نقل آثار فرعونية إليه، فيكفي فقط العودة بتصميمه للسبعينات حيث تضمن قاعدة تمثال رخامية بتصميم إيطالي، وكانت تحفة فنية في حد ذاتها متماشية مع طبيعة المنطقة الكوزموبوليتانية.

مصريون مرتاحون للمخطّط بوصفه فرصة لتعريف الأجيال الجديدة عن قرب بآثار فرعونية مثل كباش الأقصر وغيرها

احتفظ ميدان التحرير بقاعدة رخامية ضخمة طوال 35 عاما وكان يفترض أن تحمل تمثالاً للخديوي إسماعيل، لكن اندلاع ثورة 1952 منع استكمال المشروع، ومع إنشاء مترو الأنفاق تم تدمير القاعدة في أعمال الحفر وغرس أشجار في مكانها.

ويقول راشد، لـ”العرب”، أن إشكالية مقترحات التطوير الجديدة تعيد استنساخ التجربة الغربية ليشبه تماما ميادين روما في الاعتماد على الاتجاهات الأربعة بمسلة في الوسط وحولها أربعة تماثيل أو نافورات، ما يفقد الميدان المصري الشهير عناصر التصميم العمراني المميزة التي تتعلق بالزمن والألفة والاقتصاد.

تنفق الحكومة ببذخ على مشروع التطوير الجديد، فالإضاءة وحدها تكلّف مليون دولار بالتعاقد على شراء وحدات إنارة من شركات أوروبية مخصصة للميدان والمؤسسات الرسمية التي يحتضنها كجامعة الدول العربية والمتحف المصري ومجمع المصالح الحكومية، وتمتد إلى المباني السكنية المواجهة، بهدف إضفاء شكل جمالي للميدان على الطراز الفرعوني.

ويضيف راشد أن مصر نقلت تمثالا شهيرا لرمسيس الثاني من وسط القاهرة إلى صحراء الأهرامات عام 2006، وتم وضعه في بهو المتحف المصري الكبير حاليًا بحجة الحفاظ عليه حينها من التلوث الشديد، والعودة بنقل آثار أخرى مهمة إلى منطقة تعاني الظروف ذاتها، تثير الكثير من التحفظات غير المفهومة.

كسوة تاريخية

لا فائدة من استنساخ نماذج أوروبية
لا فائدة من استنساخ نماذج أوروبية

تدافع الحكومة عن خططها لنقل القطع الأثرية إلى ميدان التحرير بحجة أنها تمنحه كسوة تاريخية جديدة تليق بسمعة ومكانة الحضارة القديمة، وجعله يضاهي ما تذخر به أشهر الميادين في كبرى عواصم العالم من آثار فرعونية.

تواكب خطط تطوير الميدان التي تشترك فيها أربع وزارات، خطة نقل المراكز الإدارية للعاصمة الجديدة، واستغلالها كمقار لريادة الأعمال ووحدات فندقية وإكساب المتحف المصري المزيد من الجاذبية تحاشيًا لفقدانه التأثير مع افتتاح المتحف المصري الكبير العام الحالي.

الكثير من خبراء الآثار يحملون رأيا مغايرا وأقاموا عبر المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، دعوى قضائية للمطالبة بوقف نقل الآثار إلى الميدان استنادا إلى نصوص الدستور والقانون، وميثاق فينيسيا، واتفاقية اليونسكو لعام 1970، وطالبوا بتنظيم مسابقة دولية شبيهة بما تم مع ميادين العاصمة الإدارية الجديدة مدتها شهر لعرض أفكار مبتكرة حول الميدان.

وقّع نحو 1300 من المعنيين بالآثار والثقافة على مذكرة مقدمة لرئاسة الجمهورية طالبوا فيها بعدم نقل آثار من مكانها الطبيعي، باعتبار أن الأثر ملازم للتاريخ وشاهد عليه وعلى النسيج العمراني، وغير مسموح إطلاقا تحريك أي جزء منه، إلا إذا اقتضت وقايته من المخاطر وبعد التأكد من وجود مصلحة عالمية أو محلية على قدر عال من الأهمية.

تتصدّر المعارضين لنقل التماثيل الفرعونية مونيكا حنا، رئيسة وحدة التراث والآثار بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا بأسوان (جنوب مصر)، التي فازت بجوائز عالمية في مجال مكافحة تهريب وسرقة الآثار المصرية، وتخوض حاليًا حملة للاكتفاء بنحت مستنسخات دقيقة للتماثيل والمسلة المراد نقلها بدلاً من وضع القطع الحقيقية حماية لها من التضرّر.

تمتلك وحدة النماذج الأثرية ومركز إحياء الفن التابعين لوزارة الآثار العديد من المستنسخات الأثرية فائقة الجودة التي تطرحها في معارض خاصة، كما يفترض أن يرى إنتاج أول مصنع مصري مخصص للآثار المقلدة النور خلال أيام، وتم إنشاؤه بتكلفة 6.2 مليون دولار بهدف حماية حقوق الملكية الفكرية للآثار المصرية وتحقيق مردود اقتصادي من بيعها.

يوضح عماد مهدي، عضو اتحاد الأثريين المصريين، لـ”العرب، أن اعتراض خبراء الآثار نابع من أن نقل قطع مصنوعة من الحجر الرملي، مثل الكباش، من بيئة جافة كالأقصر إلى منطقة عالية الرطوبة بالقاهرة يجعل من الصعب ترميمها ويعرضها للتدمير.

ووفقا لإدارة معابد الكرنك فإن التماثيل المنقولة لا ترتبط بطريق الكباش الشهير الذي يربط معبدي الأقصر والكرنك والمصنوعة على شكل “أبوالهول” برأس كبش في رمزية للإله آمون، لكنها أربعة تماثيل شبيهة كانت موجودة خلف التل الأثري الذي تم استخدامه لبناء الصرح الأول لمعبد الكرنك، وكانت مطمورة تحت الأتربة ومخفية وغير مرئية للزائرين.

لم يعترض الأثريون على نقل وزارة الآثار في أغسطس الماضي مسلة رمسيس الثاني من إحدى حدائق منطقة الزمالك بوسط القاهرة إلى متحف مدينة العلمين الجديدة للمرة الثانية بعد 60 عاما من نقلها من منطقة صان الحجر في محافظة الشرقية (شمال القاهرة) باعتبار أنها ستحظى بمكان أفضل يحميها من التغيرات المناخية.

ويلفت مهدي، إلى أن الآثار المنقولة دائما ترتبط بالقطع صغيرة الحجم أو المصنوعة من الأحجار القوية كالغرانيت، لكن المنحوتة من الحجر الجيري أو الرملي معرضة للمخاطر مع سقوط الأمطار وعوامل التعرية والتلوث الناتج عن عوادم السيارات والسلوك البشري بتسلقها أو الكتابة عليها.

مسلة وأربعة كباش

خبراء آثار أقاموا دعوى قضائية للمطالبة بوقف نقل الآثار إلى ميدان التحرير استنادا إلى نصوص الدستور وميثاق فينيسيا واتفاقية اليونسكو
خبراء آثار أقاموا دعوى قضائية للمطالبة بوقف نقل الآثار إلى ميدان التحرير استنادا إلى نصوص الدستور وميثاق فينيسيا واتفاقية اليونسكو

يثير نقل المسلة والكباش الأربعة تحفظات حول كيفية تأمينها في ظل ثقافة المصريين في التعامل مع الآثار بتدوين مناسباتهم وعلاقاتهم العاطفية عليها، كأسود قصر النيل القريبة من ميدان التحرير التي تم نحتها قبل قرن ونصف على يد الفنان الفرنسي  هنري غاكمار، وتتعرض دائمًا للتشويه بمجرد انتهاء خبراء الآثار من ترميها.

أرسل المركز العربي للتراث العالمي التابع لمنظمة اليونسكو، رسالة رسمية لوزارة الآثار المصرية، بشأن نقل تماثيل الكباش من الأقصر إلى ميدان التحرير اقترح فيها إجراء مشاورات أو اجتماع بين خبرائه ومسؤولي الوزارة لإيجاد حل بديل إذا لزم الأمر.

تؤكد وزارة الآثار أنها تسعى إلى خلق رابطة مكانية بين أهم متاحف القاهرة قبل نقل 22 مومياء ملكية من المتحف المصري بالتحرير إلى المتحف القومي للحضارة بمنطقة الفسطاط بالقاهرة القديمة، وبدأت حملة لتنظيف الشوارع التي سيمضي فيها الموكب بطلاء واجهات العقارات تمهيدًا لتحويله إلى حدث سياحي عالمي تحضره الوفود الرسمية الأجنبية.

ورغم تحفظات الكثير من أساتذة التخطيط العمراني والأثريين على مخططات التطوير، يبدو الشارع المصري مرتاحًا لها بوصفها فرصة لتعريف الأجيال الجديدة عن قرب بآثار فرعونية مثل كباش الأقصر التي لم يرها البعض في ظل التكلفة المالية والمشقة الكبيرة اللازمة لزيارة المناطق الأثرية في مناطق تبعد عن العاصمة مسافة 720 كيلومترا.

يقول محمد شعبان (35 عاما)، لـ”العرب”، إنه يؤيّد بقوة نقل الآثار الفرعونية إلى الميادين واستغلالها كعنصر سياحي بدلاً من تكديسها في المخازن وتعرضها للسرقة والإهمال في أماكنها بالقرى، فوضعها أمام الجماهير أكبر ضمانة للاهتمام بها باستمرار.

بعض الأثريين يرون أن النقل المستمر يهدد بتفريغ منطقة مثل “صان الحجر” من محتواها الأثري والثقافي ما يجعلها فقيرة سياحيًا ويجعل الزائرين يتوقفون عن التوجه إليها ويخلق تركيزا للآثار بالمدن فقط، وضربوا المثل بالمقبرة الأصلية للملك توت عنخ أمون في منطقة وادي الملوك التي تم نقل غالبية محتوياتها ولم تعد تحقق جذباً رغم إعادة افتتاحها أمام الجمهور قبل عام.

توجد ثماني مسلات فرعونية فقط في مصر من أصل 28 مسلة قائمة في أنحاء العالم، بينها أربع في باريس وثماني في روما، وشقت طريقها للخارج إما عبر النهب خلال فترات الاحتلال، أو الإهداء من خلال الأسرة العلوية التي اتخذت من الآثار وسيلة لكسب الود والتأييد السياسي.

تؤكد سارة حسن (25 عامًا)، لـ العرب”، أن المسلة المراد تنصيبها في الميدان كانت مهملة في قرية نائية بالشرقية، وممزقة إلى ثماني قطع، ولم يهتم أحد بها أو يدافع عنها إلا بعد الاتجاه لنقلها إلى ميدان التحرير، ولذلك فالأمر لا يرتبط بالآثار، لكن بمناكفات من قبل البعض، ومحاولة تكدير صفو أي مشروع حكومي.

تسييس الميدان

قرن من الثورات
قرن من الثورات

نقل بعضهم القضية إلى أبعاد سياسية صرفة، مثل نزار الصياد، الرئيس السابق لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة كاليفورنيا بيركلي بأميركا، الذي قال في تصريحات صحافية، إن ميدان التحرير له دلالة عالمية ورمزية تتعلق بفكرة إرادة الشعوب وتحويله إلى مكان أثري يمحو تاريخه السياسي مطالبًا بطرح الأمر للحوار المجتمعي.

وطالب نشطاء سياسيون على وسائل التواصل الاجتماعي أن يكون لشهداء ثورة 25 يناير وجودا فعليا بأسمائهم في خطط تطويره، والحفاظ على رمزيته كونه المنطقة التي احتضنت التحولات التي شهدتها البلاد منذ بداية صعود هوية العاصمة المصرية على مدار تنقلاتها بين الملكية والجمهورية.

ترتبط تخوفاتهم بتجاهل القائمين على تطوير الميدان حاليًا لمسابقة تقدم لها 95 مشروعًا من كبار الفنانين التشكيليين والمكاتب الاستشارية، وفازت فيها بالجائزة الأولى كلية الفنون التطبيقية بجامعة حلوان بتصميم يظهر الميدان على شكل رقم “25” ويتيح مساحات للتظاهر وأماكن للعروض الفنية.

وقبل أربع سنوات، أنشأت محافظة القاهرة “صاري” ضخما للعلم المصري بارتفاع 20 مترًا لكنه ظل مهملاً، وفي كثير من الأحيان ضمّ علما ممزقًا، قبل أن يتم هدمه في التطوير الحالي بعد مسابقة لإنشاء نصب تذكاري لشهداء الثورة.

وناشد الكثير من النشطاء المسؤولين على مدار الأعوام التسعة الماضية، أن يكون التطوير شبيها لضحايا هجمات 11 سبتمبر 2001 الذين تم نحت أسمائهم على الغرانيت في النصب التذكاري الخاص بتخليدهم في ضاحية مانهاتن بمدينة نيويورك، والذي يعطي دلالات تتراوح بين تخليدهم وحالة الفراغ التي تركوها في أسرهم بعد الرحيل.

يعتبر الخبراء الميادين تعبيرا بصريا عن هوية المجتمع ووجوده باعتباره يمثل الصورة التي يسعى لتحقيقها في المستقبل انطلاقا من ماضيه، وبالتالي يصبح التصميم مرتبطا بروح البشر ووعيهم بالهوية الثقافية والوطنية.

20