فرقة صوفية تقدم التراث التونسي برؤية معاصرة

الأربعاء 2015/11/18
"نوارس العيساوية" تمزج الإيقاع بالرقص

قدمت مجموعة “نوارس العيساوية بالمهدية” التي أسسها الشيخ عادل الزوالي في عام 1994 خلال ليلة الرابع عشر من نوفمبر الجاري عرضا موسيقيا صوفيا بفضاء “أكروبوليوم قرطاج” التونسي، حظي بمواكبة جماهيرية واسعة، أتت خصيصا لاكتشاف فرقة تعتبر من أفضل مجموعات العيساوية في جهة المهدية (200 كلم جنوب العاصمة تونس).

والعيساوية هي طريقة من الطرق الصوفية التي أسسها محمد بن عيسى في مكناس بالمغرب الأقصى أواخر القرن الـ15، اشتهرت بأداء المدائح النبوية وباستعراضات ورقصات تفضي إلى حالات روحانية يعيشها المريدون، وقد امتدت إلى الجزائر، تونس، ليبيا، مصر، سوريا والعراق.

قالت صاحبة مشروع الفرقة، الطبيبة التونسية المختصة في الأشعة سامية بن زينب لـ“العرب” إن من أهم أسباب إنشاء الفرقة يعود إلى إيمانها بقيمة التراث الثقافي غير المادي، وخاصة ثراء هذا التراث في جهة المهدية، لذلك تسعى إلى التعريف بهذا التراث من خلال موسيقى العيساوية.

وقال قائد الفرقة الشيخ محمد علي حمزة (51 عاما) معرفا النمط الموسيقي الصوفي “العيساوية” ومدى انتشاره بعاصمة الفاطميين المهدية “في المهدية، لم تعد العيساوية حكرا على الزوايا كما كانت قديما، بل انتقلت إلى الحياة العامة لتقدم عروضها في مناسبات الأفراح كحفلات الزفاف أو الختان، حتى سنوات السبعين من القرن العشرين، وقد كانت حكرا على الرجال، وعلى المرأة أن تشاهد العرض من النوافذ المطلة على الفناء أو من على سطح المنزل، ولا تسمع من النساء إلاّ الزغاريد”.

ولم تقتصر حفلات العيساوية على “خرجة” العريس فقط، بل أحيت كذلك حفلات الختان، حيث ينطلق الموكب مرافقا الطفل قبل الختان في جولة بشوارع الحيّ الذي يقطنه، مرتديا لباسه التقليدي، لينتهي الحفل في منزل والديه مع دقات دفوف العيساوية.

التناغم الحاصل بين الإنشاد الرجالي والرقص النسائي قوض مقولة (العيساوية ينشدها الذكور وتشاهدها الإناث)

الجديد في فرقة “نوارس العيساوية بالمهدية” أنّها لم تقتصر كعادة بعض الفرق المماثلة على العنصر الرجالي فحسب، بل كان للمرأة حضور بارز في سهرة “أكروبوليوم قرطاج”، إذ تميزت الراقصات بلباسهنّ التقليدي “المهداوي” المزهر ألوانا وشعرهنّ الغزير المنسدل على أكتافهنّ والذي يتمايلن به ذات اليمين وذات الشمال في حركات راقصة مزهوّة بمديح الرسول، وهي رقصات يأتي بها في العادة الرجال فقط في مثل هذا الصنف من الإنشاد.

“يا سعد من زار النبي ومشاله” و“الله، الله، والصلاة على النبي”، وغيرها من الأغاني الصوفيّة الموغلة في الموروث التراثي لمدينة المهدية، قدّمتها فرقة “النوارس” بآلاتها التقليدية المتعارفة كالزكرة والبندير والدربوكة والطبل، وسط تفاعل من الحضور الذي واكب سهرة “الأكروبوليوم” ليلتها.

قالت سوسن (33 عاما) وهي أستاذة تربية تشكيلية: “ربّما بحكم تخصصي التشكيلي، فإنّ أكثر ما استرعى انتباهي في الحفل، ذاك التناسق الجمالي لونا وإيقاعا بين الملابس التقليدية الجميلة، وبين النغمات التي كانت منسجمة كثيرا مع الرقصات المقدّمة بإتقان”.

عادة ما تتألف فرقة العيساوية من ثلاثة “بنادرية” (قارعي البندير) وشيخ الحضرة، الذي يجلس في وسط المجموعة التي يتوزع أفرادها في شكل نصف دائرة، لكن فرقة “نوارس عيساوية المهدية” كسرت القاعدة بالتحرّك الدائم على خشبة المسرح لعناصرها الراقصين أو العازفين، ممّا جعل الحضور يتفاعل معهم ومع كلّ حركة يؤديها أحد أفراد الفرقة.

سهرة مجموعة “نوارس العيساوية بالمهدية” بـ”أكروبوليوم قرطاج” قدمت طبقا غنائيا صوفيا بجمالية معاصرة، وإن كانت الملابس تقليدية والنغمات عتيقة، أمّا الجدة في العرض فتكمن في ذاك التناغم البديع الحاصل بين الإنشاد الرجالي والرقص النسائي الذي قوّض مقولة “العيساوية ينشدها الذكور وتشاهدها الإناث”.

16