فرقة مصرية تقاوم اندثار "الموال" بالفيديو كليب

بعد رحيل شاعر العامية المصري عبدالرحمن الأبنودي العام الماضي، توقع الكثيرون تراجع فن “الموال” وربما يكون مهددا بالاندثار، خاصة أن عددا كبيرا من الشباب بدأ يميل إلى الأغاني الشعبية، التي أصبحت ضمن الفقرات الرئيسية في معظم الحفلات والمناسبات.
الأربعاء 2016/10/12
فرقة عائلية من الآلة إلى الصوت

وسط تصاعد ظاهرة ميل الشباب المصري إلى الأغاني الشعبية على حساب فن “الموال”، يحاول الشاب الثلاثيني محمد البنجاوي من أقصى جنوب مصر إعادة الحياة إلى فن “الموال”، من خلال ترديد “المواويل” التي ورثها عن والده بطريقة حديثة ومبتكرة.

هناك اجتهادات كثيرة حول الأصل الحقيقي لهذا الفن، حيث نسبه جلال الدين السيوطي (مؤرخ مصري من العصر المملوكي) في كتاب “شرح الموشح” إلى عصر هارون الرشيد (الخليفة العباسي الخامس)، حينما أصر على جواريه أن يرثين وزيره جعفر البرمكي بعد بطشه، فرثته جارية تدعى “المواليا” قائلة (يا دار أين ملوك الأرض أين الفرس/ أين الذين حموها بالقنا والترس/ قالت تراهم رمم تحت الأراضي الدرس/ سكوت بعد الفصاحة ألسنتهم خرس).

وشاع بعدها هذا النمط عند موالي آل برمك، في حين أن صفي الدين الحلي وعبدالكريم العلاف في كتابهما “الموال البغدادي” نسباه إلى أهالي “واسط” في العراق. وقال صفي الدين الحلي “إن الموال من البحر البسيط صوتا على قاعدة البحر العريض”، واستمر بهذه الطريقة حتى القرن الثامن الهجري، حيث ظهر الموال الذي يستخدم اللهجة العراقية الدارجة وما تلاها من روافد في القرن الحادي عشر، حيث انقسم إلى ثلاثة أنواع أخرى، هي الرباعي والأعرج والنعماني.

مدارس متعددة

لفن الموال سمات تميزه عن باقي الفنون، فهو معبر عن البيئة المحلية، وينتسب إلى أصل البلد الذي يغنى فيه

لهذا الفن، كما يرى متخصصون في الأدب الشعبي، أنواع عدة، أهمها السداسي المصري، ويتكون في الشطور الأربعة الأولى من قافية معينة وفي الشطر الخامس قافية مختلفة، ثم يأتي الشطر السادس والأخير بنفس قافية الشطور الأربعة الأولى، أما الموال السبعاوي العراقي، والذي يسمى أيضا بـ”البغدادي” وفي سوريا بـ”الشرقاوي”، فتكون فيه الشطور الثلاثة الأولى من قافية، والثلاثة الباقية من قافية أخرى، والشطر السابع له نفس قافية الشطر الأول في الأبيات الستة الأولى، بحيث يكدس المغني همومه ويلتمس التنفيس عند المد والقفلة في الشطر السابع.

ويوجد موال النغم الحجازي، ويطلق عليه أيضا “مجس حجازي”، وازدهر في مدن الحجاز وتهامة (مكة والمدينة وجدة) وهو لون تراثي عريق، ويغنى من بيتين أو أربعة أبيات أو سبعة، وثمة أنواع كثيرة من المواويل، مثل الثماني والتسعاوي والعشراوي، يراعى فيها الطباق والجناس والزخرفة اللفظية في نظمها.

ومن أهم ألوان الموال، الفرح وهو يبنى على الغزل المحتفى بالحب والحياة ويسمى الموال الأخضر، أما المواويل التي فيها عنصر المأساة وأحيانا الدم فتسمى الموال الأحمر، وهناك من يتحدثون عن موال أبيض يتمحور حول وصف الطبيعة، أما الموال القصصي فهو شكل مرسل يصل طول أبياته أحيانا إلى ثلاث مئة سطر، وأشهر المواويل الشعبية القصصية الطويلة ترتبط بقصص الحب في معظم الحالات، كما هو الحال في موال “حسن ونعيمة” و”ياسين وبهية” و”أيوب وناعسة” و”شفيقة ومتولي”، وهناك مواويل بطولية مثل موال “أدهم الشرقاوي”.

ولفن الموال سمات تميزه عن باقي الفنون، فهو معبر عن البيئة المحلية، وينتسب إلى أصل البلد الذي يغنى فيه، ويؤدى من خلال مطرب يرتدي الزي البلدي (الجلباب والعمة أو الطربوش)، ويستخدم المطربون مقاما واحدا في الغناء، وموضوعات الغناء غالبا محدودة ومن بينها النصائح الاجتماعية والأمثال.

وأرجع متخصصون في الأدب الشعبي ضعف انتشار فن الموال في مصر خلال العقود الأخيرة إلى رحيل من يطلق عليهم “جيل الرواد” من شعراء الخمسينات، أمثال فؤاد حداد وصلاح جاهين وعبدالرحمن الأبنودي، الذين استطاعوا كتابة هذا النوع من الشعر بغزارة، وتغنى بكلماتهم أشهر مطربي “الموال” مثل بدرية السيد، وأبودراع، ومحمد طه، ومحمد العزبي، ومحمد الكحلاوي، وفاطمة عيد وغيرهم.

فن "الموال" الشعبي قد يمرض، لكن لن يموت، لأنه تعبير عن حال الناس في كل مكان، وتجسيد لما يمر به المجتمع من أزمات وخلافات

ابتكار موسيقي

فرقة “بنجا” التي أسسها عبدالعال البنجاوي، وورثها عنه نجله محمد، تحاول مقاومة اندثار فن “الموال” باعتباره موروثا غنائيا شعبيا، عبر إضافة مبتكرات موسيقية لجذب الشباب والتفاعل معه. وكان عبدالعال البنجاوي الذي رحل عام 2010، مطربا شعبيا يغني مواويل وفلكلورا شعبيّا، أسس فرقة “بنجا” (نسبة إلى القرية التي ولد فيها بمحافظة سوهاج جنوب مصر) عام 1950، وجعل جميع أعضاء الفرقة من محيط العائلة، إخوة وأبناء عمومة.

وفي عام 2011، تسلم الشاب محمد الراية بعد رحيل والده، وحافظ على ترابط الفرقة ولم يسمح بدخول عضو جديد من خارج العائلة، سواء من “الكورال” أو “الآلاتية” الذين يستخدمون أدوات بسيطة منها الناي، والمزمار البلدي، والطبلة أو الرق، وحاول جاهدا إعادة توزيع الأغاني القديمة لوالده دون التأثير على قيمتها التاريخية.

وقال مؤسس فرقة “بنجا” الحديثة لـ”العرب” إن فن “الموال” الشعبي قد يمرض، لكن لن يموت، لأنه تعبير عن حال الناس في كل مكان، وتجسيد لما يمر به المجتمع من أزمات وخلافات، والكثير من الناس عندما يمرون بظروف صعبة يتذكرون أحد “المواويل” التي تناسب حالتهم ويقومون بترديدها، لذلك سوف يظل فعلا مستمرا.

ويضيف محمد “كنت أرافق والدي في حفلاته منذ الصغر، وأول مرة “غنيت” فيها (ألقى الموال) كان عمري 12 عاما، وتمنيت أن أصبح مثل والدي في المستقبل، وعرفانا بفضله عليّ أقوم حاليا بإعادة توزيع أغانيه القديمة بطريقة حديثة تواكب العصر”.

محمد عبدالعال البنجاوي الذي تخرج من كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، استفاد من دراسته في ضبط مخارج حروفه في أثناء إلقاء الموال، وقام مؤخرا بتصوير ثلاثة “مواويل” على طريقة الفيديو كليب، هي “مبروك يا عرسنا”، و”يا نعناع”، و”الجيش والشعب”، في محاولة منه للوصول إلى الشباب لنشر فنه بينهم، كما يسعى إلى تغيير الرأي الشائع الذي يعتقد أن فن الموال مقتصر على كبار السن فقط.

16