فرق الشباب تواجه الرقابة بالرومانسية السياسية

في كنف احتفالها بمرور عشرين عاما على ظهور أول الفرق الشبابية المستقلة “أندرغروند”، تواجه تلك الفرق الغنائية أزمة حقيقة للبقاء في ظل التضييق الذي تفرضه جهات رقابية عليها، بسبب انتقادها للأوضاع السياسية والمجتمعية في مصر، وتطرّقها لقضايا أصبحت تندرج ضمن باب الممنوعات مؤخرا.
الأربعاء 2018/01/31
"كايروكي" أقدم الفرق الشبابية المستقلة في مصر

القاهرة – تواجه فرقة “كايروكي” الغنائية المصرية مصيرا مجهولا خلال المرحلة المقبلة، فللمرة الثالثة خلال فترة قصيرة يتم إلغاء حفلات الفرقة دون أسباب واضحة، ما أثار الكثير من التكهنات والتخمينات التي دفعت البعض للتأكيد على أن هناك تضييقا أمنيا تتعرّض له لمنع انتشارها بعدما لقيت نجاحا كبيرا وسط الشباب.

ودخل الفريق الغنائي المكوّن لـ”كايروكي” صاحب الشعبية الكبيرة في مواجهات عدة مع جهاز الرقابة على المصنّفات الفنية لمنح ترخيص ألبومه الأخير “نقطة بيضا” لطرحه بالأسواق في نهاية صيف 2017، انتهت بالرفض.

وهي الواقعة الأولى في مشوار الفريق الذي يعدّ من أقدم الفرق الشبابية المستقلة التي تأسست بمصر، حرم فيها من فرصة طرح ألبومه بالأسواق ومنافسته لألبومات مطربين كبار تفوّق عليهم في الفترة الأخيرة.

كانت فرقة “كايروكي” حصدت نجاحا جماهيريا ضخما وسط قطاع كبير من الشباب الذين وجدوا في أغنياتها السياسية منفذا للحرية. ولم تستسلم الفرقة لمنع حفلاتها وطرح ألبوماتها وقرّرت اللجوء إلى المواقع الإلكترونية، فحقّقت نسبة استماع تخطّت الخمسة مليون للأغنية الواحدة.

ويبدو أن الواقعة كانت بداية لحرب غير مباشرة مع الفرقة في محاولة لتحجيم شعبيته الكبيرة، وربما يكون قرار إلغاء الحفلات أبلغ رد على تحدي جهاز الرقابة طرح ألبومها.

أمير عيد: أرفض محاولات الإعلام الخارجي اعتبار أزمة الفريق كونها سياسية وحقوقية

وعرفت الفرقة بتقديم حفلات كان عدد الحاضرين فيها يتخطى بضعة آلاف، وتقام على مدار ثلاث ليال متتالية لتستوعب الأعداد الجماهيرية التي تحرص على الحضور، من داخل مصر وخارجها.

وامتازت الفرقة، التي يقودها المطرب أمير عيد، بتقديم لون غنائي سياسي رمزي جذاب، وتحوي الأغاني انتقادات مبطنة للحكومة المصرية والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الصعبة. ومع أن الرقابة والجهات الأمنية لم تعلن صراحة أسباب التضييق على “كايروكي”، لكن متابعين رأوا أن الأغنية الأخيرة “ديناصور” التي تم تعديل كلماتها سببا رئيسيا لغضب الحكومة من الفرقة الغنائية، وتناقش الأغنية الجديدة وضع الشباب المصري في المجتمع وحالة التضييق عليهم في مختلف المجالات بشكل ساخر.

وأصبحت المواقع الإلكترونية المنفذ الوحيد لفرقة “كايروكي” وغيرها من فرق “الأندرغروند” التي ربما تتعرّض لتضييق أكبر لاحقا، مع اقتراب مرحلة الانتخابات الرئاسية في مارس المقبل، والتي تتطلّب المزيد من الهدوء والاستقرار ومحاولة تنحية الشباب المشاغبين بالطرب أو التظاهر.

ويقول أمير عيد مؤسس فرقة “كاريوكي”، لـ”العرب”، إن الحريات بصفة عامة أزمة في الشرق الأوسط، وهناك مشكلة كبيرة في هذه المسألة، ومع تحذيرات البعض له وفرقته كانت تقدم كل شيء بحرية.

ولا يجد عيد، مؤسس الفرقة المكوّنة من خمسة أفراد، سببا واضحا لمنع تقديم حفلاتها أمام الجمهور، وما زال يبحث عن تفسير الأسباب والوصول إلى تفاصيل دقيقة، مرجعا الأمر مؤقتا إلى الأسباب الأمنية.

وأكد أن الأعداد الجماهيرية الضخمة التي تحضر حفلات الفرقة، ربما تكون سببا في المنع، حيث صعوبة التأمين والتخوّف من الحشد الجماهيري، كما يحدث في مباريات كرة القدم.

وكان عيد، نشر على حسابه على موقع تويتر أنه يرفض محاولات بعض الجهات الإعلامية الخارجية تشويه صورة مصر من خلال إلقاء الضوء على أزمة الفرقة بأنها سياسية وحقوقية.

وتعرّض عيد لموجة من الانتقادات بعد أن اتهمه البعض بأن مواقفه لانت، أو “انبطح” أمام الحكومة من أجل نيل الرضا للعودة إلى الساحة الغنائية من جديد.

ونال فريق “كايروكي” شهرته من قلب ميدان التحرير بوسط القاهرة وقت اندلاع ثورة 25 يناير2011، عندما ذاع صيت أغنية “صوت الحرية” التي بثّت على موقع يوتيوب الذي منح أعمال الفرقة الحرية الحقيقة منذ انطلاقها، وكان أسلوبها أقصر الطرق للوصول للجمهور دون قيود.

ولأن الأعمال الغنائية في مصر تنحصر دائما بين ثلاث فئات “الرومانسية، والدينية والوطنية”، لذلك قرّر الفريق أن يكون اتجاهه الغنائي مُختلفا، حسب ما أكده أمير عيد لـ”العرب” وأن أعضاء الفرقة يحبّون التطرّق لأفكار تحمل المزيد من الجرأة وتعبّر عن فحوى الحرية.

وأشار عيد إلى أنه “ينتابهم تخوّف من طرح هذه الموضوعات وعدم قبولها في بعض الأحيان، لكنهم رغم ذلك يحاولون التعبير عن أفكارهم كي يجعلوا الجمهور في حالة تساؤل وتفكير أكثر عمقا وبشكل مستمر”.

فرقة (كايروكي) تظل من أقوى فرق “الأندرغروند” التي ظلت صامدة، لكن أمام هذا الصمود قد يظهر الكثير من التضييق ما يجعل فريقها يتجه إلى تخفيف نبرة الجرأة التي تغلب على أعماله

وقدّمت “كايروكي” العديد من الأعمال التي انتقدت النظام السياسي وقت الثورة وقبلها وبعدها، وأشهر هذه الأعمال: “صوت الحرية” و”مطلوب زعيم” و”السكة شمال” وأخيرا “الديناصور”.

والفرقة تأسست على فكرة الـ”انتي سستم”، أي المناهضة للنظام السياسي، وهي أحد الأشكال الغنائية المُتعارف عليها في العالم، ولم يغيّر أفراد الفرقة شكل الغناء منذ نشأتهم، وتعبّر معظم الأغاني عن تمرّد الشباب على النظام السياسي.

وقالت ياسمين فراج أستاذ النقد الموسيقي بأكاديمية الفنون المصرية، لـ”العرب”، إنه رغم انتشار هذا اللون الغنائي في العالم، إلاّ أن مصر لها خصوصية مختلفة، لاختلاف فرص الديمقراطية والحرية.

ويؤثر الإفراط في قبضة الدولة المصرية على الحركة الثقافية والغناء وفرق “الأندرغروند”، لكن ربما تستطيع مثل هذه الفرق تقديم أعمالها بشكل أكثر حرية، إذا غيّرت من نوع الغناء الذي تقدّمه وتحوّلت إلى أنواع أخرى رومانسية.

ويحمل قرار منع حفلات فرقة “كايروكي” رؤية لمستقبل غامض ليس فقط للفريق، لكن لفرق “الأندرغروند” التي ازداد عددها بشكل كبير، وغيّرت المرحلة السياسية في السنوات الأربع الأخيرة كثيرا من شكل الغناء السياسي.

ولا شك أن فرقة “كايروكي” تظل من أقوى فرق “الأندرغروند” التي ظلت صامدة، لكن أمام هذا الصمود قد يظهر الكثير من التضييق ما يجعل فريقها يتجه إلى تخفيف نبرة الجرأة التي تغلب على أعماله، ويتجه إلى تقديم أفكار شبابية تتحدّث عن العاطفة والرومانسية المُغلّفة بطابع سياسي غير مباشر.

16