فرنسا الجريحة تحتفي بتجارب السابقين واللاحقين

احتفت باريس على مدار العام الذي ولىّ قبل أيام بألوان من التجارب التشكيلية، الفرنسية والعالمية، فأقامت معارض لفنانين كلاسيكيين وآخرين محدثين، بعضهم لا يزال حاضرا في الذاكرة، وبعضهم الآخر طوى النسيان خبره. كما ساهمت في التعريف بالفنون البدائية أو الفنون الأولى لشعوب سادت ثم بادت. محطات فيها استجلاء لما خفي من سير الكبار، وفيها من العجيب والغريب ما نوّهنا به في حينه. وكعادة “العرب” نستذكر مع قرائنا الكرام أهم تلك المحطات.
الأحد 2016/01/03
طوما كوتير معلم قبل أن يكون رساما

تعددت المعارض كالعادة في الأروقة الفرنسية وبخاصة الباريسية في 2015، وتوافد عشاق الفن على معارض السابقين واللاحقين يستكشفون في أعمالهم سمات مخصوصة، أو يعيدون التمتع بما سبق أن شاهدوه، كمن يستحلي الاستماع مرات إلى سيمفونية لموزار أو بتهوفن أو تشايكوفسي، وكانت أعداد الزوار غفيرة، خصوصا في متحف رصيف برانلي للفنون الأولى الذي تقدم العام الماضي على متحف اللوفر، رغم حداثة عهده.

وتنوعت بشكل يوافق كل الأذواق، بين أعلام كلاسيكيين طبعوا مرحلتهم، ومحدثين قدموا رؤى جديدة، ومعاصرين ثائرين على السائد والمألوف، يستنبطون بلا انقطاع مقاربات غير مسبوقة مستفيدين من تيارات مهدت لهم الطريق، دون أن تغفل عن التعريف بفنانين مجهولين وإنصاف المنسيين، وفسح المجال لفنون الشعوب الأخرى، وإبداعات الحضارات القديمة كالإنكا والمايا.

فنانون منسيون

من المنسيين الذين أعيد إليهم اعتبارهم الإيطالي بييترو فانّوتشي (1448/1523) الشهير بالبيروجي، فقد كان له دور مميز في الربط بين فن الـ“كواتروتشنتو” وفن النهضة، بفضل تجديده التصويري المتنوع الذي نهل منه عدة رسامين، وكان المبتدئون في بداية عصر النهضة يتوافدون عليه من أوروبا كلها ليستفيدوا من مقاربته، ويأخذوا عنه تقنيته التي تتميز بشفافية غير معهودة وألوان متناسقة يسلّط عليها ما يشبه الأضواء المسرحية.

وقد اشتهر بطريقة جديدة في الرسم تقوم على الدقة الفائقة والسيطرة التقنية البالغة والتعبيرية القوية وقواعد توليف جديدة، مثلما تقوم على إضفاء عناصر لم تكن موجودة في أعمال سابقيه.

من المنسيين أيضا دييغو فيلاثكيث (1599/1660)، إذ لم يسبق أن أقيم له معرض في فرنسا، رغم مكانته وقوة إبداعه. وقد تميز عن مجايليه برسم الناس، أيّا ما تكن مكانتهم، كما هم، دون تجميل أو تقبيح، يستوي في ذلك الملوك ورجال الدين والأقزام والمهرجون والبسطاء.

وبذلك أضفى على العيوب والعاهات الخلَقية نوعا من الخلود، واكتست “الدمامة الجسدية” لشخوص لوحاته روعة فنية. هذا الإشبيلي العبقري الذي قال عنه كلود مونيه “إنه فنان الفنانين” بمعنى رأسهم وسيدهم، واستوحى بيكاسو من لوحته الشهيرة “وصيفات الشرف” ما يقارب خمسين لوحة، تبدو لوحاته كلاسيكية في الظاهر، ولكنها تقيم في الواقع ملمحا فنيا جديدا، استفاد منه أوغست رونوار وإدغار دوغا وسلفادور دالي. ومن المنسيين كذلك سيدة البورتريه في القرن الثامن عشر فيجيه لوبران (1755/1842) التي عرفت برسّامة الملكة ماري أنطوانيت، وكانت خصّتها بعشرين لوحة، وحازت شهرة واسعة في فرنسا وخارجها كرسامة بورتريه، ولكنها لم تمارس فقط ذلك النوع من الفن، بل احتفت أيضا بالمناظر الطبيعية وبمظاهر الحياة اليومية، وكذلك بما يسمّيه أهل الفن بالطبيعة الميتة.

سارت على نهج الكبار كرافاييل وروبانس وفان ديك في رسم بورتريهات الأسر الملكية، ولكن لوحاتها تميزت بالتقشف وتجميل الصورة، فأحدثت بذلك ثورة في العالم النّسوي في تلك الفترة وحررت أجساد النساء لتكشف عن جمالهن الطبيعي. والمنسيّ الأكبر موريس فلامنك (1876/ 1958)، أحد رواد التوحشية، إذ لم يُقَم له سوى معرضين، الأول في رواق شاربنتييه بباريس عام 1956 أي سنتين قبل وفاته، والثاني في متحف الفنون الجميلة بمدينة شارتر عام 1987.

يحيّـي فيه مؤرخو الفن عصاميته واستقلاليته، ويرون أنه، وإن كان رأسا من رؤوس الحركة التوحشية، فقد أنتج أعمالا استوحاها من طبعه الغريزي وحاجته إلى التعبير عن انفعالاته وأحاسيسه وانجذابه إلى الطبيعة والبيئة الريفية. بدأ انطباعيا، ثم سيزانيا، ثم توحشيا، قبل أن يبتعد تدريجيا عن التيارات التصويرية وعن الصالونات الفنية الباريسية.

نيكولا بوسان يعترف المؤرخون بكونه سيد الفنون الفرنسية الأكبر، وكان الرسام المبجل في بلاط لويس الثالث عشر

وآخر المنسيين طوما كوتير (1815/1879) الذي احتفل في عام 2015 بمئوية مولده الثانية، فهو لم يحظ في حياته بما يستحق من اعتراف رغم تنوع أعماله وقدرته على مطاولة الكبار كـفيرونيزي وجان أوغست دومينيك آنغر.

نصّب نفسه رائدا لمسلك جديد في الفن يقف في وجه ما أسماه “الفن المتفسّخ”. وكان يقدم نفسه عادة بصفته معلما قبل أن يكون رساما، ليس من باب الادعاء، بل لأنه كان حريصا على تعليم أتباعه ومريديه، فالتدريس بالنسبة إليه كان أشبه بالديانة، ولعلها وسيلته للحصول على اعتراف كان النقاد ينكرونه عليه.

الفن الفرنسي

احتفت الأروقة الفرنسية أيضا في 2015 بالعديد من الوجوه البارزة في تاريخ الفن الفرنسي، أولهم نيكولا بوسّان (1594/1665) فالمؤرخون يعترفون بكونه سيد الفنون الفرنسية الأكبر، وكان الرسام المبجّل في بلاط لويس الثالث عشر، وصاحب “الفصول الأربعة” إحدى الروائع التي يفخر بها متحف اللوفر، ولكنهم يختلفون في ما عدا ذلك، فهو في نظرهم مراوغ، يتبدل من عصر إلى عصر. فهو في القرن الثامن عشر فيلسوف متفصٍّ من الدين، وخليع يعشق ربّات إلهامه. وفي القرن التاسع عشر رسام مسيحي بامتياز. وفي القرن العشرين واقعي يعطي أهمية توثيقية لكل ما يرسم، فيما يرى النقاد المعاصرون أن ذلك من مميزات العبقري، إذ يتعدد النظر إليه باختلاف العصور. والثابت أنه فنان موهوب لا يقيّد نفسه بقوانين صارمة، بل يمارس فنه بحرية وشاعرية.

وثانيهم إدغار دوغا (1834/1917) وعادة ما يرد ذكره ضمن الحركة الانطباعية مع كلود مونيه وإدوار مانيه وأوغست رونوار وبول سيزان، فقد شارك في سبعة من المعارض التي أقاموها، وخالطهم في مرحلة أولى، ولكنه اختلف عنهم من حيث الرؤية الفنية، ثم اختلف معهم، إذ عبّر عن موقفه من أعمال الانطباعيين بعامة، ولوحات مونيه بخاصة.

فهو وإن ساهم بطريقته في ثورة الرؤية التي اقترحتها الحركة الانطباعية، فقد تميز عن أعضائها بتوجيه اهتمامه إلى الأضواء الاصطناعية، أو بتركيزه على موتيفات أقرب إلى الذاتية.

وثالثهم بيير بونار (1867/1947) وهو فنان يحار مؤرخو الفن ونقاده في تصنيفه، لتعدد سماته وتنوع تجاربه. بعضهم يضعه في خانة التصويريين مع جاكوميتي ولوسيان فرويد، والبعض الآخر يعتبره ملوّنا مهّد الطريق لروتكو ونيومان وسام فرنسيس.

عاصر الانطباعية والرمزية والسريالية والتوحشية، وعرف جورج براك وبيكاسو، ولكنه كان يسخر من النظريات التي تساهم في تفقير الفن وتعقيمه. فقد اختار أن يرسل فرشته على سجيّتها، مستكشفا منذ حداثة سنّه أسرار الفن ودروبه. في أعماله شيء من واطّو وبوسّان وحركة “ركوكو” التي برزت في القرن الثامن عشر، وكذلك الانطباعيين واللوحات اليابانية النافرة.

فنانون عالميون

احتفت أيضا الأروقة الفرنسية في 2015 بفنانين طبقت شهرتهم الآفاق، وإن اختط كل واحد منهم سبيلا يخالف الآخر جذريا. أوّلهم الياباني كاتسوشيكا هوكوساي (1760/1849) أشهر فنان ياباني في العالم، استطاع من خلال لوحاته وأعماله المحفورة أو النافرة، التي جمع فيها بين المبادئ التقليدية للفن الياباني والمؤثرات الغربية، أن يجسد روح بلاده وعمقها الحضاري.

فيجيه لوبران سيدة البورتريه

فله قدرة عجيبة على مداومة الخلق والابتكار بغير انقطاع، قدّر إنتاجه بالآلاف بعد مسيرة دامت سبعين عاما، وكلها أعمال رائعة، سواء من حيث قيمتها الجمالية أو تنوع أساليبها، وتضم لوحات زيتية ورسوما ونقوشا وكتبا مصورة ومؤلفات مدرسية.

مارس في بداياته كل الأجناس التقليدية، ثم انتقل منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر إلى سلاسله الكبرى عن المناظر الطبيعية التي يتناولها لذاتها، خصوصا سلسلته الشهيرة “ستة وثلاثون مشهدا عن جبل فوجي”.

وثانيهم الأميركي هنري دارغر (1892/1973) الفنان العصامي الذي استطاع أن يخلق عالما فريدا وغريبا، يمزج الخيال المضطرب بالسرد التاريخي والثقافة الشعبية الأميركية ليصوغ أعمالا على غير مثال.

عاش حياة رتيبة، حياة عامل بسيط، يمارس هوايته في أوقات فراغه بمعزل عن الناس، وعن الوسط الفني، ولم يكتشف المولعون بالفن تجربته إلاّ قُبيل وفاته. تجربة تتمثل في رصيد هائل من أعمال جنونية لا تناسب ما يوصم به ذلك العجوز من بساطة تبلغ مبلغ البؤس. هذه الأعمال تعكس تأثره العميق بالديانة المسيحية وانبهاره بالعواصف والحرائق، يتجلى فيها مزيج من العنف والرقة، وعوالم تتراوح بين جحيم جيروم بوش وبراءة الطبع الزائفة لـ“ساحر أوز”. وثالثهم الألماني ماركوس لوبيرتز الذي أقيم له أول معرض في فرنسا منذ أشهر أي حينما بلغ الرابعة والسبعين. له مكانة هامة في الساحة الفنية الألمانية، وتأثير كبير على الأجيال الشابة.

ينتمي إلى جيل موهوب من الفنانين الألمان مثل رالف فينكلر الشهير ببينك وجرهارد ريختر وزيغمار بولكه وجورج بازليتز، ولكنه تميز عنهم بتجنبه البوب آرت وتطويره التعبيرية لتخليصها من أكثر ملامحها كاريكاتيرية، فقد غامر في اتجاهات عديدة، ثم عاد إلى ذاتية الفنان، خلافا للطلائعيين المعاصرين، والنزعة الأكاديمية الصارمة، كما تتبدى في الانطباعية الألمانية الجديدة.

هو يؤمن بالفن وقيمه، لكونه “يناضل ضد العمى الذي يصيب العالم بأسره”، كما يقول، ويقف ضد الهمجية المعاصرة، ويسمو بالإنسان ليجعله متحضرا.

ورابعهم الكوبي ويفري دولام (1902/1982) وهو فنان رحالة، تلوّنت أعماله في البداية بألوان الأماكن التي عاش فيها وعانق في أعطافها مختلف التيارات الفنية السائدة. ازدادت تجربته نضجا باحتكاكه بكبار الفنانين وخاصة بيكاسو. ومع ذلك فالتحول الجذري في مسيرته كان عند التقائه بإيمي سيزير المدافع عن الزنوجة، فصارت اللوحة عنده ملآنة بعناصر غريبة ومدهشة، تدعو السود إلى التخلص من نير العبودية والذل والمهانة. وكان يقول لمنتقديه “أردت بكل طاقتي أن أرسم مأساة بلدي، ولكن بالتعبير بعمق عن روح الزنوج، عن الجمال التشكيلي للسود. كنت مثل حصان طروادة، تنبثق منه وجوه مذهلة، قادرة أن تفاجئ وتربك أحلام المستغلين”.

فنون أفريقية

منذ زمن طويل، قرن الغرب منحوتات الخشب المنتجة في أفريقيا الغربية، وخاصة في ساحل العاج، بمجرد قطع من الصناعات التقليدية. وبالرغم من استفادة كبار الفنانين الأوروبيين من الفنون الأفريقية، مثل ماتيس وبيكاسو، ظل الغرب ينظر إلى المنحوتات الأفريقية، ليس كقطع فنية، بل كأدوات طقوسية نشأت عن فكر جماعي وصاغها حرفيون مهرة.

أعمال هوكوساي تمثل روح اليابان

وانعكست تلك النظرة الاستعلائية لتكريس فكرة مفادها أن أمة لا تملك مبتكرين ومبدعين هي أمّة متخلّفة بالضرورة، وقد أقيم معرض لمنحوتات ساحل العاج لإبراز خصائص فن غير أوروبي، ولكنه بديع.

معرض ثان أقيم لفنون كونغو منذ بدايات الحركة الفنية في كونغو كينشاسا عام 1926 حتى عام 2015، وضمت مختلف التجارب الفنية في الرسم والنحت للقدامى والمحدثين، مع التركيز على الجانب الإبداعي الأصيل، الخارج عن المنظومة الأكاديمية.

الفن المعاصر

عرفت الأروقة الفرنسية أيضا في 2015 معارض احتفت بتجارب من الفن المعاصر، أوّلها تجربة ملك البوب آرت أندي وارول (1928/1987) الذي جلب الأنظار بلوحاته الخارجة عن مألوف الأعمال الفنية من حيث صياغتها وحجمها وطريقة عرضها، وبأفلامه الطليعية ومساهماته في عالم الموسيقى.

وبرغم اختلاف الآراء حول فنه، يبقى وارول علامة مميزة في البوب آرت، لقدرته على إرباك انتظارات الزائر، وإبهاره بألوان مستحدثة، يطور من خلالها علاقة الجمهور بالعمل الفني، فهو لم يفتأ يوسّع حقول تجاربه بشكل يفيض عن المكان، حتى قيل إنه لا يرسم لوحات، بل يخلق بيئة، تتعانق في أعطافها مكونات كثيرة جاهزة في الأسواق أو من ابتكاره.

وثانيتها الضغطية أي فن الغرافيتي، وأساسها البحث عن الصيغة الأجمل لتشكيل رسوم من حروف متشابكة يخضعها كل فنان لأسلوبه الخاص، مستعملا رشاشة السوائل الملونة، وتقنية تقوم على تخيّر المسافة وسرعة الأداء وطريقة مسك الرشاشة والضغط على كبسولتها لتحديد أبعاد الخطوط، من حيث سمكها وكثافتها.

والحركة لا تستمد تسميتها من ضغط الرشاشة وحده، بل من الضغط المسلط على الفنانين، وضغط المدينة وفضاءاتها الواسعة التي تفرض على أعمال الغرافيتي أحجاما أكبر فأكبر، وضغط الجمهور المتلقي الذي لم يكن يحفل كثيرا بهذا النوع الجديد من الفن.

وثالثتها تجربة الأميركي جيف كونس أكثر أعلام الفن المعاصر الأحياء شهرة وأغلاهم، فأعماله تقدر بملايين الدولارات، رغم استخفاف النقاد بقيمتها الفنية، ورغم أنه لا يصوغ أعماله بنفسه، بل يكتفي بتقديم أفكار وتصورات ثم يعهد بها إلى مجموعة من المتعاونين الحرفيين. فنّه هو نقطة التقاء عدة مقاربات سابقة، فقد أخذ الـ“ريدي ميد” من مارسيل دوشامب، وأشياء المعيش اليومي الضخمة من كلاس أولدنبورغ والبوب آرت من أندي وارول.

16