فرنسا العلمانية في مواجهة مفتوحة مع الأصولية الدينية

مجلس الشيوخ الفرنسي يوافق على مقترح حظر الممارسات الدينية في أروقة الجامعات.
الثلاثاء 2021/04/13
تفكيك الحواضن الأيديولوجية للتطرف أم المعارك

منذ الهجمات الإرهابية الدامية التي هزت فرنسا مؤخرا وضع الرئيس إيمانويل ماكرون تطهير البلاد من المتطرفين ومناطق تكاثرهم أولوية قصوى من أجل القضاء على “أعداء الجمهورية”. وبعد سنوات من التراخي في مواجهة الفكر المتطرف وحواضنه الأيديولوجية ترسم باريس طريقا حازما في مواجهة التنظيمات المتطرفة عبر تحرير المساجد والمدارس من التأثيرات الخارجية وتجفيف منابع التمويل الأجنبي، ما قد يدفع في نهاية المطاف بدول أوروبية أخرى للاقتداء بالنهج الفرنسي.

باريس - تسابق فرنسا الوقت لتعديل ترسانة قوانينها في محاربة الأصولية الدينية بعد أن اكتوت مؤخرا بهجمات إرهابية عجلت بإعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الحرب ضد الانفصالية الإسلامية التي باتت تهدد علمانية الدولة ومبادئ الجمهورية.

وصوت مجلس الشيوخ الفرنسي مؤخرا على حظر ممارسة العبادة داخل المؤسسات الجامعية، ولا يتعلق الأمر بالفصول الدراسية أو المدرجات فحسب، بل يمكن أيضا أن يطال الممرات أو أي أماكن تابعة للجامعات، وذلك بهدف تعزيز الحياد في الجامعة، وفقا للموقع الرسمي للمجلس.

وفي المقابل رفض النواب مقترحا بحظر إبراز الرموز الدينية في مؤسسات التعليم العالي، بعد رفضه من لجنة الثقافة والتعليم داخل البرلمان، والتي أشارت إلى عدم وجود طلب من رؤساء الجامعات بهذا الخصوص.

وكان النائب عن حزب الجمهورية إلى الأمام (حزب الرئيس الفرنسي) جيروم باشر قد تقدم في 30 مارس الماضي بطلب تعديل على الفصول المتعلقة بالتعليم العالي داخل نص القانون يهدف إلى حظر إبراز الرموز الدينية في مؤسسات التعليم الجامعي، وقع عليه أكثر من 30 نائبا في مجلس النواب.

وينص القانون الفرنسي على العلمانية والرموز الدينية البارزة للعام 2004 على حظر ارتداء الرموز الدينية الواضحة في داخل المدارس الابتدائية والثانوية لكن لا يمنعها داخل الجامعات.

ووافق مجلس الشيوخ الفرنسي على مقترح حظر الممارسات الدينية في أروقة الجامعات، وعلى إضافته إلى مشروع قانون محاربة الانفصالية الإسلامية المثير للجدل.

وكان مجلس الشيوخ الفرنسي قد كشف في تقرير له صدر في يوليو 2020 أن “مؤيدي الإسلام السياسي يسعون إلى السيطرة على الإسلام في فرنسا” من أجل “إنشاء الخلافة”، ويغذون في بعض المدن “نزعة انفصالية” خطيرة، من دون تقديم تفاصيل عن هذه الأعمال.

واقترح التقرير، الذي حررته عضو مجلس الشيوخ الفرنسي جاكلين أوستاش – برينيو، نحو 40 إجراء للحد من “التطرف”، من بينها منع التحريض والخطابات الانفصالية ومراقبة بعض المدارس والجمعيات وتوعية المسؤولين المنتخبين ووسائل الإعلام، مبدية قلقها إزاء الحركات الإسلامية المتشددة التي تدعي أنها غير عنيفة، لاسيما جماعة الإخوان المسلمين.

مواجهة شاملة

ناشئة تتصيدها الإنعزالية
ناشئة تتصيدها الإنعزالية

خلال ستة أيام حسم النواب قضايا شائكة تتعلق بمشروع القانون (الانفصالية الإسلامية) المتكون من 55 مادة ويهدف إلى زيادة الرقابة على الجمعيات الدينية وشفافية تمويلها، حيث سيكون عليها الخضوع للمراقبة الضريبية للتبرعات المالية الأجنبية، إضافة إلى تعدد الزوجات، وشهادات العذرية والزواج القسري والكراهية عبر الإنترنت، وتقييد التعليم المنزلي بشد وتعزيز مبدأ الحياد في الخدمة العامة وداخل المؤسسات الحكومية.

وبموازاة مع هذا القانون، شنت السلطات الفرنسية حملة واسعة قامت على إثرها بإغلاق مدارس ومساجد وجمعيات خيرية إسلامية. وتقول باريس إن هذه الإجراءات تهدف لمحاربة ما تسميه بـ”الإسلام الأصولي”.

وحسب أرقام الداخلية الفرنسية، يصل عدد الأشخاص المدرجين في قوائم التطرف الإرهابي إلى حوالي 8132.

ويرى مراقبون أن أثر هذه الإجراءات سيأخذ وقتا كبيرا بسبب التأخر الحاصل في مواجهة ظاهرة التطرف، خاصة انتشار الجمعيات والمنظمات المدنية التي تدعم التطرف، لكن الإجراءات حسب رأيهم تبقى ضرورية للغاية.

وبحسب ما قاله وزير العدل إيريك دوبون – موريتي لإذاعة فرانس إنتر، تسعى الحكومة الفرنسية عبر القانون إلى مكافحة خطابات الكراهية وكبح التمويل الخارجي للمجموعات الدينية، أي بقول آخر، إعطاء المزيد من الحرية القضائية للسلطات لمكافحة التطرف الإسلامي، ولكن أيضا تطرّف الأحزاب اليمينية.

وتريد السلطات من وراء النص وضع آليات جديدة لتمويل أنشطة الطوائف الدينية وحثها على وقف تلقي تمويلات أجنبية. ويضع مشروع القانون رقابة صارمة على أنشطة الجمعيات الدينية والثقافية، كما يكرس مبدأ الحياد الديني لموظفي القطاع العام. ويهدف ذلك خاصة إلى منع تسرب أشخاص يُعتبرون متطرفين إلى أجهزة الدولة، ومكافحة الإسلام المتطرف.

8132 شخصا مدرجون على قوائم التطرف والإرهاب وفق وزارة الداخلية الفرنسية

وتسعى الحكومة لأن تمنح نفسها سلطة أكبر للتدخل ضد الجمعيات. سيُطلب من أي مجموعات تتقدم بطلب للحصول على إعانات حكومية توقيع عقد يحترم “قيم الجمهورية”. وإذا تبين لاحقا أن الجمعيات انتهكت العقد، ستكون مجبرة على إعادة المبالغ المقدمة من الدولة إلى خزائن الدولة.

وتحاول باريس التأسيس لإسلام فرنسي من خلال منع سيطرة جماعات متطرفة على الخطاب الديني، حيث شملت الإجراءات التي أقرتها السلطات الفرنسية في هذا السياق الإشراف على المؤسسات التعليمية الدينية، وإغلاق المؤسسات والجمعيات المتطرفة، وطرد الأئمة الأجانب الذين يحرّضون على العنف والمواطنين مزدوجي الجنسية المتورطين في أنشطة إرهابية وتشديد المراقبة على الشبكات الاجتماعية.

وطلب من رؤساء بلديات المدن التي تعتبر الأكثر تأثرا بالتهديد المتطرف التوقيع على ميثاق يوافق على التعاون في البحث عن المتطرفين. كما ستنال خلية محاربة الإسلام الراديكالي دعم القانون المخطط له، والذي سيوفر أدوات قانونية جديدة لإغلاق المنشآت.

وقالت مارلين شيابا وزيرة الخارجية لشؤون المساواة بين الجنسين، إن الإجراء يهدف إلى ضمان “عدم تخصيص يورو واحد من المال العام لأعداء الجمهورية”.

ويلزم القانون جميع الأطراف، بما في ذلك الشركات الخاصة التي تمثل الدولة أو تقدم خدمات حكومية، على “ضمان احترام مبادئ العلمانية وحيادية الخدمة العامة”. عمليا، هذا يعني على سبيل المثال أنه سيمنع تخصيص أوقات للسباحة للنساء وأخرى للرجال في المسابح الحكومية.

وكذلك ينص القانون على أن “أي محاولة وضغط يهدفان إلى عدم تطبيق القانون أو الاجتزاء منه، قد تؤدي إلى تغريم مرتكبها بغرامة تصل إلى 75 ألف يورو”.

الخناق يضيق

Thumbnail

منذ سنوات، تبحث الحكومات الفرنسية المُتعاقبة عن آليات لتأهيل مُتخصصين في الإسلام المُعتدل بفرنسا، مع ضمان تلبيتهم لمُتطلبات الاندماج في المُجتمع الفرنسي، مثل إتقان اللغة الفرنسية والحرص على التنوع الثقافي واحترام تراث وتاريخ وقانون البلاد والحفاظ على مبادئ وقيم الجمهورية والعلمانية.

وكانت فرنسا قد أوقفت برنامجا لاستجلاب الأئمة من تركيا، أكدت أجهزة الاستخبارات الفرنسية أنهم يشكلون عصب دعم الانعزالية وانفصال الجاليات المسلمة عن مجتمعاتهم المحلية ومبادئ الجمهورية.

وفي 2010 وقعت كل من تركيا وفرنسا “إعلان نوايا” بخصوص وضع الموظفين الدينيين الأتراك، والذي تم بموجبه رفع عدد الموظفين من 121 إلى 151 موظفا، لكن باريس تراجعت في 2019 عن هذا الإعلان بتخفيض عدد الأئمة الأتراك بدل الترفيع في حصص انتدابهم.

ويقول خبراء فرنسيون إن قرار فرض قيود على إيفاد أئمة من تركيا يهدف إلى القضاء على خطر الانعزالية وهي خطوة مهمة ضمن خطة شاملة لمحاصرة أنشطة جماعات الإسلام السياسي.

وفي وقت سابق حذّرت الاستخبارات الفرنسية في تقرير قدمته للرئيس ماكرون من تحوّل السفارة التركية في باريس إلى وكر مخابراتي لحكومة حزب العدالة والتنمية الإسلامي، الذي نجح في تأسيس شبكة نفوذ ضخمة في الدول الأوروبية عبر 650 منظمة دينية ومجتمعية، غالبيتها تعمل على الأراضي الفرنسية.

ونبّهت صحيفة “لوجورنال دو ديمانش” إلى تصاعد النفوذ التركي في المجتمع الفرنسي على نحو خطير، حيث تبسط أنقرة نفوذها بقوة على الجالية التركية بأساليب تجمع ما بين الترغيب والترهيب.

وتعتبر مؤسسة “ديتيب” المرتبطة باتحاد الشؤون الدينية التركية الإسلامية وحزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم في تركيا من أهم المؤسسات الفاعلة في فرنسا، حيث تضم لجنة التنسيق للمسلمين الأتراك في فرنسا.

باريس تسعى لمنع سيطرة جماعات الإسلام السياسي على الخطاب الديني من خلال زيادة الرقابة على الجمعيات الدينية وشفافية تمويلها

وتُموّل الحكومة التركية المدارس التابعة لمؤسسة ديتيب، حيث يعمل في تلك المدارس أساتذة أتراك أوفدهم حزب العدالة والتنمية حتى لا تتم الاستعانة بمن هم مقيمون في فرنسا تخوّفا من نجاح اندماجهم في المجتمع الفرنسي والتزامهم بمبادئ الجمهورية بما يمنع تكييفهم وفق سياسات الحكومة التركية، وبالتالي إمكانية تجنيدهم كجواسيس بالتنسيق مع سفارة بلادهم في باريس.

ووفق الاستخبارات الفرنسية، فإنّ بعض الأئمة الذين صدّرتهم أنقرة يعملون على تشويه صورة فرنسا لدى أبناء الجالية التركية، كما أنّ بعض رجال الدين من أصل تركي يحرصون على تلقين الأطفال الصغار في المساجد الفرنسية أنّ رئيسهم هو رجب طيب أردوغان وليس ماكرون.

ومنذ خطابه في مطلع أكتوبر ضدّ الانفصالية والإسلام المتطرّف وبعد الهجومين الجهاديين اللذين راح ضحيتهما المدرّس صامويل باتي ذبحا قرب باريس وثلاثة أشخاص قتلوا داخل كاتدرائية في نيس (جنوب شرق)، زاد الرئيس الفرنسي ضغوطه على قادة الديانة الإسلامية في فرنسا لتنقيتها من النفوذ الأجنبي والتطرّف والنزعات السياسية.

ويأمل ماكرون من وراء تشكيل المجلس الوطني للأئمة أن ينهي في غضون أربع سنوات وجود 300 إمام أجنبي في فرنسا “مبتعثين” من تركيا وغيرها من الدول الإسلامية.

ولن يكون مجلس الأئمة مخوّلا لإصدار التصاريح للأئمة ومنحهم بطاقة رسمية فحسب، بل سيكون قادرا أيضا على سحب هذه البطاقات منهم إذا ما خرقوا “ميثاق قيم الجمهورية” وشرعية أخلاقية سيتم الاتفاق عليها.

واعتمادا على دور كلّ منهم: إمام صلاة وخطيب مسجد وداعية، سيتعيّن على كلّ إمام الإلمام بمستوى مختلف من اللغة الفرنسية وحيازة شهادات دراسية يمكن أن تصل إلى المستوى الجامعي.

وتواجه الخطة الفرنسية لمكافحة الانفصالية الإسلامية عقبات كبيرة لتفعيلها، لاسيما من قبل نشطاء الإسلام السياسي المتغلغلين داخل الهيئات المشرفة على شؤون المسلمين. ويرى سياسيون فرنسيون ومحللون في المنظمات والجمعيات التي تمولها تركيا بالأساس إحدى أهم هذه العقبات.

ويضع تغلغل تنظيمات الإسلام السياسي داخل الهيئات الممثلة للمسلمين في فرنسا، خطة باريس الشاملة لمواجهة الانفصالية الإسلامية أمام انتكاسة محتملة تستوجب، حسب مراقبين، إعادة النظر بصفة جذرية في “ولاءات” التمثيليات الإسلامية قبل تشريكها في رسم السياسات العامة.

ويؤكد خبراء أنه رغم أهمية الإجراءات الفرنسية في مواجهة التطرف الإسلامي، إلا أنها تظل منقوصة وغير ذات جدوى على المدى المتوسط والبعيد ما لم تتبع بإجراءات أوروبية مماثلة.

ويقترح هؤلاء أن تنشأ دول الاتحاد الأوروبي آلية مشتركة يتم بموجبها تبني جميع الدول الأعضاء لقرار حل دولة عضو للجمعيات الإسلامية ومنع أنشطة فروعها في بقية الدول.

12