فرنسا الفواجع: نهاية دامية للإرهابيين وبداية ساخنة لمعرفة الأسباب

السبت 2015/01/10
تحرير الرهائن في متجر يهودي بضاحية بورت دو فنسان بعد مقتل محتجزهم

باريس- أنهت الشرطة الفرنسية فترة حالكة مرت بها البلاد خلال الأيام الثلاثة الماضية على إثر مقتل المشتبه بهما في عملية شارلي إيبدو، بعد أن عاشت على وقع عمليتين إرهابيتين يبدو أنهما تصبان في خانة واحدة وهما من تخطيط خلية تابعة لتنظيم القاعدة، في حين ندد مسلمو فرنسا في خطب الجمعة بالعمليات التي لم تشهدها البلاد في تاريخها المعاصر.

قتل، أمس الجمعة، الشقيقان كواشي المشتبه في تنفيذهما الهجوم الدامي على أسبوعية شارلي إيبدو، خلال هجوم لقوات الأمن على مطبعة في شمال شرق باريس حيث كانا يحتجزان رهينة تم تحريره دون أن يصاب بأذى، بحسب مصدر قريب من التحقيق.

ونفذ الهجوم قبيل الساعة الرابعة بتوقيت غرينتش بالتزامن مع مهاجمة قوات الأمن متجرا يهوديا بباريس لإنهاء عملية احتجاز رهائن ثانية، حيث أسفرت على مقتل المشتبه به ويدعى أميدي كوليبالي، فيما تم تحرير الرهائن، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

وكان مصدر مقرب من التحقيق في فرنسا أفاد قبل ذلك بأن شخصين على الأقل قتلا في إطلاق نار اندلع ظهرا في متجر أغذية يهودي شرق العاصمة باريس، بينما أصيب آخر بجروح بالغة، فيما احتجز ستة أشخاص على الأقل كرهائن.

وتعرفت أجهزة الأمن على محتجزي رهائن المتجر وهما كوليبالي من أصول أفريقية وهو معروف بعلاقته بالمتطرفين الإسلاميين وهو المشتبه به الرئيسي في حادثة مونروج في باريس صباح، أمس الأول، حيث راح ضحيتها شرطية فيما أصيب الآخر بجروح، أما المشتبه بها الثانية فهي إمرأة تدعى حياة بومدين ويبدو أنها على علاقة شخصية بكوليبالي.

محتجزا الرهائن في متجر يهودي
أميدي كوليبالي:

يعتقد أنه المشتبه الثالث في مجزرة شارلي إيبدو وهو إرهابي معروف لدى السلطات وأطلق سراحه مؤخرا

حياة بومدين:

يعتقد أنها صديقة كوليبالي ولم يكن اسمها مطروحا بقوة حول تورطها في العمليات الأخيرة

ولأول مرة تتعرض فرنسا لهجومات إرهابية متفرقة ومتزامنة بهذا الحجم، شبهها العديد من المراقبين بأنها 11 سبتمبر جديدة لكن هذه المرة تستهدف فرنسا، وبانتهاء هاتين العمليتين تدفن فرنسا سر الهجوم الإرهابي على صحيفة شارلي إيبدو.

وتبنى تنظيم الدولة الإسلامية المعروف إعلاميا باسم داعش، في خطوة مفاجئة، المسؤولية عن العملية التي استهدفت مقر شارلي إيبدو. وقال أبوسعد الأنصاري مسؤول أئمة وخطباء داعش في الموصل “بدأنا انطلاقنا بعمليتنا التي نتبناها من فرنسا اليوم وغدا لبريطانيا وأميركا وغيرها وسيكون ردنا الحاسم ليعتبر هؤلاء في التحالف أن الدولة الإسلامية هي التي ستحرر كل بلاد الفساد والكفر”.

وقد دفعت السلطات بتعزيزات أمنية غير مسبوقة لمكان احتجاز الرهائن في ضاحية بورت دو فنسان التابعة للدائرة 12 بشرق العاصمة باريس، حيث تم تطويق المكان من كل الجهات بهدف إنهاء العملية باعتقال منفذي الهجوم.

وذكرت مصادر في الشرطة وشهود عيان بالمنطقة أن كوليبالي الذي أطلق سراحه قبل شهرين، طالب السلطات الفرنسية بعدم قتل الأخوين سعيد وشريف كواشي اللذين يحتجزان رهينة على الأقل بعدما تمكنا من اقتحام مؤسسة طباعة في بلدة دامارتان غويل التي تبعد حوالي 45 كلم شمال شرق العاصمة.

وقالت صحيفة “لوبزرفاتور” الفرنسية في تقرير على موقعها الإلكتروني، أمس، إن كوليبالي كان حاضرا في الهجوم على صحيفة “شارلي إيبدو” وهو ما يوحي بأنه المشتبه به الثالث في الهجوم، بحسب مصادرها الخاصة.

وقد أكدت الشرطة الفرنسية أن المسلحين هما المشتبه بهما نفسيهما في تنفيذ الهجوم على صحيفة شارلي إيبدو بعد أن تم التعرف عليهما من قبل إمرأة في المنطقة حيث قاما بسرقة سيارتها صباح، أمس، وشوهدا وهما مدججان بالأسلحة حيث لوحظ حملهما أسلحة رشاشة وراجمة صواريخ.

وفي خضم ذلك، أكد وزير الداخلية الفرنسي، بارنارد كوزناف، أن حوالى 88 ألف شرطي وموظف مستنفرون لتأمين المدن الفرنسية. وقال “لدينا دلائل على وجود الإرهابيين (الأخوين كواشي) اللذين نريد القبض عليهما تجرى عملية الآن فى دامارتان غويل”.

عملية مداهمة الشرطة قبل مقتل الأخوين كواشي

من ناحيته، قال رئيس الوزراء إيمانويل فالس خلال اجتماع في وزارة الداخلية إن “فرنسا في حرب ضد الإرهاب وليس ضد دين ما”، مضيفا أنه سيتعين اتخاذ إجراءات جديدة لمواجهة هذا التهديد.

وأشار محللون إلى أن هذا المعطى يؤكد بوضوح أن هؤلاء المتطرفين الأربعة يعرفون بعضهم جيدا وعلى الأرجح أنهم يعملون في خلية واحدة مرتبطة بتنظيم القاعدة وخططوا لاستهداف فرنسا بشكل مدبر، فضلا عن أنهم قاموا بالتخطيط بشكل متقن لتنفيذ هذه العمليات.

وكان مصدر بالشرطة قد صرح لـ”رويترز” بأن المسلح كان عضوا فى نفس الجماعة الجهادية التي ينتمى إليها المشتبه بهما الرئيسيان في الهجوم على صحيفة “شارلى إيبدو” الأسبوعية، الأربعاء الماضي.

ودفعت خلية الأزمة الفرنسية التي ركزت بشكل استثنائي منذ يومين بوحدات من قوات النخبة والقوات الخاصة إضافة إلى عناصر الشرطة لمحاصرة الأخوين كواشي بهدف اعتقالهما، فضلا عن قوة أخرى في بورت دو فنسان.

وبالتوازي مع ذلك، كشف مصدر كبير في المخابرات اليمنية في تصريحات حصرية لـ”رويترز” عن أن سعيد كواشي أحد الشقيقين المشتبه بهما التقى خلال فترة قضاها في اليمن عام 2011 القيادي البارز في تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، أنور العولقي الذي قتل في سبتمبر من العام نفسه في غارة دون طيار يعتقد أن الطياران الأميركي من نفذها.

وقد أشارت تقارير أن الأخوين كواشي على علاقة وطيدة بالتونسي أبي بكر الحكيم المتورط في قتل المعارضين التونسيين شكري بلعيد ومحمد البراهمي المتواجد حاليا في سوريا ضمن صفوف تنظيم الدولة الإسلامية المتشدد، حيث تؤكد مصادر الأمنية الفرنسية أنهما كانا جارين في باريس.

ويعتقد خبراء في الحركات الإسلامية وأمنيون بأن تكون العمليتان اللتان تم تنفيذهما في تونس في 2013 لهما علاقة بالمشتبه به الأول للسلطات التونسية الحكيم والذي أطلق سراحه بشكل غامض العام 2012 حينما كانت حركة النهضة الإسلامية تحكم بالبلاد وهو ما يجعلها محل شك في إمكانية تورطها في العمليتين.

وتقول مصادر المخابرات الغربية إنه بعد أن عاد سعيد كواشي إلى فرنسا من اليمن بدا أن الشقيقين تجنبا أي أنشطة ربما تجتذب اهتمام أجهزة الأمن والمخابرات الفرنسية، لكن في الأشهر السابقة على هجوم شارلي إيبدو لم تكن وكالات مكافحة الإرهاب الفرنسية تعتبر الرجلين هدفين لهما أولوية.

وفي السياق نفسه، ذكرت صحيفة “ديلي تليغراف” البريطانية على موقعها الإلكتروني، أمس، أن شريف كواشي يرتبط بأحد إرهابيي القاعدة وله صلات بمسجد ‏فينسبري بارك في شمال لندن.‏

وأشارت إلى كونه أحد تلامذة ‏جمال بقال الجزائري الأصل الذي جند ريتشارد ريد الملقب بـ”مفجر الحذاء” والذي كان قد حاول تفجير طائرة ‏أميركية أثناء قيامها برحلة بين باريس وميامي.‏

وبالتزامن مع عمليات التفاوض مع المشتبه بهم، وجه مسلمو فرنسا تحية لذكرى ضحايا الاعتداء على “شارلي إيبدو” الساخرة خلال صلاة الجمعة سعيا منهم للنأي بأنفسهم عن الجهاديين المتهمين بشن الهجوم الدموي على المجلة باسم الإسلام.

وأدان خطباء الجمعة في 2300 مسجد في البلاد العمليات الإرهابية بفرنسا. وقال رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية دليل بوبكر إن “مسلمي فرنسا يشعرون بصدمة شديدة وحزن”.

ودعا المجلس وهو الهيئة التي تمثل مسلمي فرنسا، وكذلك اتحاد منظمات مسلمي فرنسا (المقرب من الإخوان المسلمين) المواطنين المسلمين إلى المشاركة بكثافة في التجمع الوطني المقرر غدا الأحد في باريس للتنديد بالعمليات الإرهابية.

كما أدانت منظمات إسلامية في ألمانيا الهجوم الإرهابي الذي استهدف مجلة “شارلي إيبدو” الفرنسية الساخرة، محذرة من انقسام المجتمع، حيث أكد الأمين العام لمنظمة الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية “ديتيب”، بكير ألبوجا، على أنه لا يمكن تبرير العمل الإرهابي بالإسلام أو التدين.

من جانبه، قال رئيس المجلس الإسلامي في ألمانيا علي كيزيلكايا “لا ينبغي تكليل هذه الجريمة بالنجاح بحدوث انقسام في المجتمع، فيما أعرب رئيس مسجد الشهادة (شهيدليك) في حي نويكولن ببرلين إندر جيتين عن مخاوفه إزاء تعرض مساجد في ألمانيا لهجمات.

ويرى مراقبون أن بهذه العمليات غير المسبوقة في البلاد، باتت بسببها فرنسا هدفا في مرمى الإرهاب بشكل جدي بعد أن تلقت تهديدات عديدة في الآونة الأخيرة من قبل الحركات الإسلامية المتطرفة مهددة سلمها الأمني، وأصبحت في دائرة الخطر أكثر من غيرها من الدول الأوروبية بسبب سياستها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وللإشارة فإن فرنسا ستستضيف غدا اجتماعا استثنائيا لوزراء الداخلية في الاتحاد الأوروبي إلى جانب الولايات المتحدة لمناقشة هذا الوضع.

5