فرنسا تتقدم سباق كبار اللاعبين في إعادة تأهيل لبنان

وزيرة الجيوش الفرنسية فلورانس بارلي تعلن أن 700 جندي فرنسي يستعدّون للقدوم إلى لبنان.
السبت 2020/08/15
عودة فرنسية قوية إلى لبنان

تقود باريس جهودا دولية لإنقاذ لبنان من الانهيار في أعقاب كارثة مرفأ بيروت عبر حشد المساعدات المالية ودعم التحقيقات الجارية لكشف ملابسات جريمة التفجير، في خطوة تكشف إصرارا فرنسيا على لعب دور قوي في لبنان في ظل سباق أميركي - إيراني على تأمين الانتقال إلى مرحلة جديدة في البلد.

بيروت - دعت وزيرة الجيوش الفرنسية فلورانس بارلي، الجمعة، اللبنانيين إلى تشكيل حكومة قادرة على اتخاذ قرارات شجاعة، مشيرة إلى أن 700 جندي فرنسي يستعدّون للقدوم إلى لبنان.

وأشارت بارلي، في زيارة لها إلى موقع الانفجار في مرفأ بيروت، إلى أن “هذه المشاهد الصعبة تترك أثرا كبيرا في بلدي، وكل فرنسي شعر أنه معني بما حصل”.

وأعربت عن فخرها “بانخراط الفرنسيين في مساعدة اللبنانيين، مشيرة إلى أنه بالإضافة إلى المستلزمات الطبية والأدوية وفرق الإغاثة والبحث التي أرسلتها الحكومة الفرنسية فإن هناك أطنانا من الطحين قادمة إلى لبنان”.

كما أعلنت الوزيرة الفرنسية أن بلادها “قدمت مستشفى ميدانيا مؤلفا من 250 سريرا و700 جندي يستعدّون للقدوم إلى لبنان”، مؤكدة أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون “يعتزم زيارة لبنان في الأول من سبتمبر (القادم)”، وقالت “يجب على اللبنانيين تشكيل حكومة قادرة على اتخاذ قرارات شجاعة”.

ويشير مراقبون إلى إصرار فرنسا على عودة قوية إلى لبنان بعد أن تراجع نفوذها هناك، مؤكدين أن باريس تريد أخذ زمام المبادرة في الملف اللبناني في ظل سباق أميركي – إيراني على تأمين الانتقال إلى مرحلة جديدة بالبلد في أعقاب كارثة الانفجار، تلتها استقالة حكومة حسان دياب.

ويعد لبنان بوابة فرنسا إلى الشرق الأوسط. وعلى ضوء انحسار نفوذها في المنطقة مقابل المنافسة الأميركية الروسية، وجدت باريس في حادثة المرفأ فرصة سانحة لاستعادة نفوذها التاريخي في البلاد عبر لعب دور “المنقذ”.

ويلاحظ مراقبون التحركات الفرنسية الحثيثة لإنقاذ لبنان من الانهيار ابتدءا من زيارة الرئيس الفرنسي إيمنوال ماكرون وهو أول رئيس دولة يزور بيروت بعد الانفجار ثم إقامة مؤتمر المانحين لمساعدة البلد وأخيرا زيارة وزيرة الدفاع وإعلانها عن عودة ماكرون إلى بيروت في زيارة هي الثانية في الأول من سبتمبر المقبل.

وتسلم الرئيس اللبناني ميشال عون الجمعة رسالة من نظيره الفرنسي يؤكد فيها على وقوف باريس إلى جانب الشعب اللبناني في المأساة التي حلت به في 4 من أغسطس الجاري.

وقد تسلم الرئيس عون هذه الرسالة خلال لقائه في قصر بعبدا بوزيرة الجيوش الفرنسية، يرافقها السفير الفرنسي في بيروت برونو فوشيه، ووفد عسكري ودبلوماسي، بحسب بيان صادر عن رئاسة الجمهورية اللبنانية.

فلورانس بارلي: على اللبنانيين تشكيل حكومة قادرة على اتخاذ قرارات شجاعة
فلورانس بارلي: على اللبنانيين تشكيل حكومة قادرة على اتخاذ قرارات شجاعة

وقالت بارلي إن بلادها قدمت مساعدات كثيرة وسوف تقدم المزيد ولاسيما المعدات التي تساعد في رفع الأنقاض واستكمال أعمال الإغاثة ومسح الأضرار، وسيشارك في كل هذه المهمات نحو 750 عسكريا فرنسيا وصلوا إلى لبنان الجمعة.

وأشارت إلى أن “خبراء فرنسيين سيساعدون في التحقيقات الجارية لكشف ملابسات جريمة التفجير، بالتزامن مع إرسال مواد غذائية وتجهيزات للبناء ستنقلها باخرة فرنسية تصل إلى بيروت خلال الأيام القليلة المقبلة”.

ونوهت وزيرة الجيوش الفرنسية “بالدور الذي يقوم به الجيش اللبناني في عملية الإغاثة ورفع الأنقاض واستقبال المساعدات وتوزيعها بتنظيم لافت”.

وفي ذات السياق، أعلنت قيادة الجيش اللبناني، الجمعة، وصول حاملة المروحيات الفرنسية “توننير” إلى مرفأ بيروت.

وقال الجيش، في بيان، إن “حاملة المروحيات على متنها وحدة من فوج الهندسة بالجيش الفرنسي وآليات هندسية وعتاد للمشاركة في عملية رفع الأنقاض وإزالة الركام جرّاء انفجار مرفأ بيروت”.

ووفق البيان، فإنّ حاملة المروحيات “محمّلة أيضا بمواد طبية وغذائية ومواد بناء وبآليتين للدفاع المدني”.

وعلى غرار المساعدات المالية، ترعى فرنسا جهود تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة، وتسعى جاهدة إلى تقليص التباينات بين القوى السياسية في لبنان، وأيضا التحرك لدى إيران لأخذ مسافة من هذا البلد، ذلك أن تدخلاتها عبر ذراعها حزب الله كانت السبب الأساسي في عزوف المجتمع الدولي عن دعم لبنان في أزمته الاقتصادية والتي عمقها انفجار بيروت.

وتجري القوى السياسية اتصالات لتسمية رئيس جديد، بينما لم يحدد رئيس الجمهورية ميشال عون بعد موعدا للاستشارات النيابية الملزمة.

ويحث الرئيس الفرنسي القادة السياسيين في لبنان على تشكيل حكومة انتقالية من التكنوقراط قادرة على تنفيذ إصلاحات لاستعادة ثقة المواطنين وإقناع المانحين بصرف مساعدات بمليارات الدولارات.

واستقالت الحكومة اللبنانية إثر احتجاجات غاضبة في الشوارع لكنها مستمرة في تسيير الأعمال إلى حين تشكيل أخرى. وأكدت مصادر سياسية لبنانية أن ماكرون، الذي أحاطت به حشود لدى تفقده لبيروت بعد الانفجار، يقود جهودا دولية لحل الأزمة.

وذكر المصدر الدبلوماسي الفرنسي المطلع على فكر ماكرون “ستكون هناك في البداية حكومة مهمتها تنفيذ إصلاحات عاجلة.. حكومة تكنوقراط يمكنها تنفيذ الإصلاحات وإدارة المساعدات العاجلة والاستجابة لتطلعات أبناء بيروت”.

وقال مصدر حكومي لبناني إن ماكرون يريد أن يتولى رئيس الوزراء السابق سعد الحريري رئاسة حكومة تكنوقراط لكن الرئيس ميشال عون والأحزاب المسيحية في البلاد يعارضون ذلك. ويريد ماكرون دعما دوليا واسع النطاق لقيامه بجهود الوساطة في لبنان. وتحدث الرئيس الفرنسي بالفعل مع زعيمي روسيا وإيران وفقا لما أعلنه مكتبه. وحذر إيران التي لها صلات قوية بجماعة حزب الله اللبنانية والمتحالفة أيضا مع قوات روسية في سوريا من التدخلات الخارجية في لبنان. وكان لحزب الله نفوذ في الحكومة اللبنانية السابقة التي لم تتضمن أحزابا معارضة للجماعة ولا لإيران.

ويريد ماكرون استغلال احتياج لبنان الملح لمساعدات إعادة الإعمار الدولية كحافز لإقناع طوائفه باختيار إدارة جديدة تقودها شخصيات غير مشوبة بفساد أو خاضعة لإملاءات خارجية لكسب دعم المانحين الأجانب.

وكانت الحكومة المستقيلة تضم في معظمها تكنوقراطا، لكنهم كانوا مرشحين من قبل زعماء طائفيين بسطوا نفوذهم عليهم وعرقلوا الإصلاحات.

وتقدر تكلفة إعادة أعمار بيروت بما يصل إلى 30 مليار دولار وهو ما لا يمكن للبنان أن يتكبده. وبين مصدر بوزارة المالية الفرنسية “الوقت من ذهب في لبنان أكثر من أي مكان آخر”، مشيرا إلى الضغط الواقع على الأطياف المختلفة للحصول على مساعدات.

ومن شأن ذلك أن يعطي الدول المانحة نفوذا وتأثيرا لكن محاولات استغلال ذلك لتشكيل القيادة السياسية في البلاد قد يشكل تحديات ضخمة.

ويقول المتابعون إن الحراك الفرنسي لا يمكن قراءته بمعزل عن الموقف الأميركي الذي يبدو مباركا له، حيث لن يبتعد عما تريده الولايات المتحدة بشأن تحجيم دور حزب الله.

وتتهم الولايات المتحدة ودول إقليمية حكومة دياب بالخضوع لسيطرة “حزب الله”، حليف النظام السوري وإيران أحد ألدّ أعداء واشنطن. وتحمل الحزب مسؤلية أزمات البلاد بسبب جرها إلى سياسة المحاور.

وسيكون دعم الولايات المتحدة ضروريا سواء على المستوى الجيوسياسي أو في صندوق النقد الدولي.

2