فرنسا تتمسك بالورقة اللبنانية بعد انحسار نفوذها في المنطقة

يعتبر الملف اللبناني بمختلف تشعباته وتعقيداته مهما جدا بالنسبة إلى فرنسا التي تعاني اليوم من انحسار دورها في الشرق الأوسط لصالح قوى دولية أخرى وفي مقدمتها روسيا، وتخشى باريس من أن تخسر الورقة اللبنانية وهو ما يعنيه ذلك نهاية نفوذها بالمنطقة، وعلى ضوء ذلك تكابد في الفترة الحالية لحلحلة أزمات هذا البلد ومنها أزمة الرئاسة لتكريس حضورها القوي به.
الثلاثاء 2015/11/03
فرنسا تسعى لتعزيز نفوذها السياسي ولم لا العسكري في لبنان

بيروت - تعتبر فرنسا لبنان ورقة مهمة للحفاظ على نفوذها الآخذ في التراجع بمنطقة الشرق الأوسط وهو ما يفسر تواتر زيارات المسؤولين الفرنسيين في الفترة الأخيرة إلى بيروت، ومحاولة تحريك المياه الراكدة من تحت الملفات العالقة وفي مقدمتها رئاسة الجمهورية، وذلك بدعم بدا واضحا من الفاتيكان وبكركي.

وتستشعر باريس في الفترة الأخيرة محاولات لسحب البساط منها في المنطقة، وتجلى ذلك أساسا في الملف السوري الذي باتت روسيا بتدخلها العسكري المحرك رقم واحد له، ويظهر ذلك في قبول جميع الأطراف الإقليمية والدولية دعوة موسكو لاجتماع فيينا2 الذي انعقد منذ أيام وضم للمرة الأولى إيران.

وبغض النظر عن نتائجه إلا أن محللين يرون أن موسكو نجحت إلى حد بعيد في جعل نفسها عنصرا مؤثرا لا يمكن تجاوزه عند التعاطي مع الأزمة السورية، وهو الأمر الذي باتت تدركه باريس جيدا.

وقد حاولت فرنسا قبل أيام قليلة من انعقاد فيينا2 إيجاد طريق للعودة والمسك بزمام المبادرة في سوريا مجددا وذلك عبر دعوة مكونات “مجموعة أصدقاء سوريا” إلى عشاء عمل حول مصير الرئيس السوري بشار الأسد.

وعلى مدار السنوات الأربع الماضية كان لفرنسا دور بارز ورئيسي في الملف السوري سواء أكان ذلك داخل أروقة الأمم المتحدة أم على مستوى تشكيل تحالف “أصدقاء سوريا” ودعم المعارضة خاصة السياسية منها إلا أن التدخل الروسي سحب منها الأضواء.

وبفقدان باريس التأثير في الملف السوري لم يعد لها من بد للمحافظة على دورها في الشرق الأوسط سوى التشبث بالورقة اللبنانية خاصة وأن دولا ومن ضمنها روسيا تسعى للعب دور أكبر أيضا في لبنان.

وكانت موسكو قد أعربت مؤخرا عن رغبتها في ذلك عبر تصريحات رسمية مفادها أن لبنان يحتاج بعد حلحلة الأزمة السورية للالتفات إليه ومد يد العون للوصول بالفرقاء اللبنانيين إلى تسوية سياسية.

هذا الخطر بتوسع النفوذ الروسي فضلا عن الحضور الأميركي المؤثر في بيروت سواء عبر دعم واشنطن المتواصل والمتزايد للمؤسسة العسكرية والأمنية وأيضا من خلال علاقاتها السياسية القوية، يجعل من باريس تكثف تحركاتها لعدم ترك المجال فارغا لتعزيز هذين الطرفين وجودهما في المشهد اللبناني.

إبراهيم كنعان: صرف رواتب العسكريين يندرج في إطار المصلحة الوطنية العليا

ولتحقيق ذلك عمدتباريس إلى توسيع دائرة التفاوض مع القوى اللبنانية بمن فيها حزب الله، الذي لطالما وضعت محاذير كثيرة للتواصل معه خاصة وأنه يوصف بأنه “أداة إيران في لبنان”.

وقد التقى مؤخرا رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي جيرار لارشيه، خلال زيارة له لبيروت برئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد.

ولم يخرج هذا اللقاء، وفق مصادر دبلوماسية من دائرة تبادل وجهات النظر حول الأوضاع الداخلية والإقليمية دون أن تكون هناك مقترحات فعلية لتسوية لبنانية.

ويرى محللون أن عدم تحقيق الجانب الفرنسي لأي اختراق من هذا اللقاء مرده أن القرار الفعلي ليس بأيدي الحزب بل لدى طهران التي تبقي الملفات اللبنانية الحارقة معلقة لاستثمارها في لعبة المقايضة مع القوى الإقليمية والدولية.

ويقول المحللون إن الشيء الوحيد الذي نجحت في إيصاله فرنسا من خلال هذا اللقاء هو أنها منفتحة على جميع الفرقاء، على عكس دول مؤثرة أخرى.

ورغم النتائج السلبية التي حصدها المسؤولون الفرنسيون خلال زياراتهم الأخيرة إلى لبنان يتوقع المتابعون أن لا يثني ذلك باريس عن تكثيف تحركاتها إقليميا ودوليا لحلحة الأزمة اللبنانية التي اتخذت خلال الأشهر الماضية أبعادا جديدة زادت من تعقيدات المشهد هناك.

ويرجح متابعون أن تدعم باريس وبقوة فكرة قيام مؤتمر خارج لبنان يجمع الفرقاء اللبنانيين وربما تكون هي صاحبة المبادرة في الدعوة إليه لحل الأزمة اللبنانية المعقدة.

ويشهد لبنان أزمة سياسية خانقة جراء غياب رئيس للجمهورية منذ ما يزيد عن عام، وهو ما انعكس سلبا على عمل الحكومة والبرلمان، حيث يعجز رئيس الحكومة اللبنانية تمام سلام على عقد جلسة وزارية فيما يلاقي نبيه بري ذات المصير رغم الاستحقاقات الكبيرة المعلقة.

وقد طالت تبعات الأزمة اللبنانية حتى العسكريين الذين لم تصرف راوتبهم منذ شهرين تقريبا الأمر الذي أثار تململا داخل المؤسسة العسكرية التي تعتبر إلى حد الآن المؤسسة الوحيدة الصامدة في وجه العواصف السياسية، رغم مساعي البعض للنيل منها.

وتأخرت رواتب الجيش التي كان من المفروض أن يتم دفعها الأسبوع الماضي بسبب عدم التئام أي من مجلس الوزراء أو البرلمان لإقرار المراسيم اللازمة لتحويل الأموال.

وقال قائد الجيش جان قهوجي إن “أبناء الجيش لم يعد في جيوبهم ‘فرانك’ ولا يجوز الصمت عن ذلك”، مشيرا إلى “وجود غضب في صفوف العسكريين”.

وأضاف “لن نسكت، نريد صرف الرواتب في أسرع وقت”، ولفت إلى أن هناك “عسكريين لم يقبضوا رواتبهم منذ عيد الأضحى أي منذ 45 يوما”.

وفي تصريح لـ”العرب” أوضح رئيس لجنة المال والموازنة في البرلمان النائب ابراهيم كنعان أن “دفع رواتب العسكريين يندرج في إطار المصلحة الوطنية العليا، وكل الحلول ممكنة، ويتم حاليا درس بعض المخارج”.

وذكرت أمس مصادر لـ”العرب” أن الأزمة تم التوصل إلى تسوية بشأنها، معتبرة أن هذه القضية تعكس الوضع المتردي الذي بلغته البلاد نتيجة عملية التعطيل الممنهجة للمؤسسات الدستورية، لغايات وأهداف إقليمية أكثر منها محلية.

4