فرنسا تتوجس خيفة من اعتداءات إرهابية جديدة

حزمة من القرارات غير المسبوقة، سارعت الحكومة الفرنسية إلى اتخاذها عقب هجمات الجمعة الدامية، حيث شنّت حملة مداهمات كبرى في أنحاء البلاد تزامنا مع قصف طائراتها لمعاقل داعش في سوريا. ويرى المراقبون أن فرنسا أمام اختبار حقيقي لمكافحة الإرهاب بعد أن ارتفع منسوب التحذيرات من هجمات محتملة جديدة قد تشهدها البلاد في الفترة المقبلة.
الثلاثاء 2015/11/17
عمليات تفتيش ومداهمة واسعة النطاق في الأوساط الإسلامية بكل أرجاء فرنسا

باريس - أعلن المدعي العام الفرنسي فرنسوا مولانس، الاثنين، أن المحققين حددوا هوية انتحاريين اثنين آخرين في الاعتداءات الدامية التي هزّت العاصمة الجمعة، وأن أحدهما يحمل جواز سفر سوري مموّه بختم من الأمن العام في اليونان الشهر الماضي.

وأشار النائب العام المكلف بالتحقيق في بيان إلى أن الانتحاري الثاني يدعي سامي إميمور وهو فرنسي (28 عاما) ولد في باريس وكان معروفا لدى أجهزة مكافحة الإرهاب منذ العام 2012، وصدرت بحقه مذكرة توقيف دولية منذ العام 2013.

وبالكشف عن هوية هذين الانتحاريين يرتفع عدد المشتبه بهم إلى 5 انتحاريين متهمين في اعتداءات باريس الدامية.

وحدد مكتب المدعي العام، الأحد، هويات اثنين من المشتبه بهم في هجمات باريس بعد مقارنة البصمات، وقال المسؤولون إن المواطنين الفرنسيين الاثنين يعيشان في بلجيكا.

وكان أحد المشتبه بهم الذين تم التعرف عليهم من الانتحاريين في أستاد دو فرنس يبلغ من العمر 20 عاما، بينما كان الآخر أحد مهاجمي مقهى فولتير كومبتوار في الدائرة العاشرة ويبلغ من العمر 31 عاما، ولم يذكر مكتب المدعي العام مزيدا من التفاصيل.

وصرح مسؤول حكومي تركي بأن بلاده حذرت فرنسا مرتين على مدار العام الماضي بشأن عمر إسماعيل مصطفى الذي دخل تركيا في 2013، وهو أحد الانتحاريين الذين شاركوا في اعتداءات باريس الأخيرة، إلا أنها لم تتلق أي رد.

وظهر اسمه للمرة الأولى في ديسمبر الماضي في إطار عملية قامت بها تركيا للبحث عن أربعة مشتبهين بالإرهاب بناء على طلب من فرنسا.

فرنسا تكشف عن العقل المدبر لهجمات باريس وهو بلجيكي يدعى عبدالحميد أباعود ومتواجد في سوريا

وفي إطار التحقيقات، تشير المعلومات إلى ضلوع مجموعة بلجيكية من منطقة مولنبيك القريبة من العاصمة بروكسل. فقد توجهت أنظار المحققين الفرنسيين إلى ثلاثة أشقاء فرنسيين قطنوا في بلجيكا هم إبراهيم وصلاح ومحمد عبدالسلام.

وتضاربت الأنباء حول اعتقال المتهم الثامن صلاح عبدالسلام بعد أن ذكرت إذاعة “أر تى آل” الفرنسية، أمس، أن فرقة تابعة للقوات الخاصة البلجيكية أجرت عملية أمنية في مدينة مولينبيك التي يقطنها، وأنه تم القبض عليه بالفعل في منزله.

وبحسب صحيفة لو موند الفرنسية فإن إبراهيم عبدالسلام هو الانتحاري الذي فجّر نفسه عند بولفار فولتير الباريسي. أما شقيقه صلاح (26 عاما) الذي كان متواجدا في باريس يوم الاعتداءات وهو من استأجر سيارة البولو السوداء التي وجدت بالقرب من مسرح باتاكلان.

لكن المفاجأة كانت أن صلاح تم تفتيشه السبت من قبل الشرطة دون توقيفه لأن الشرطة لم يكن لديها أي معلومات بعد عن شقيقه، كما أن سجله كان نظيفا.

وأصدرت بلجيكا بحقه مذكرة توقيف دولية، كما عمّمت الشرطة الفرنسية صورته، وحذرت من التعامل مع هذا الرجل ووصفته بأنه “شخص خطير”. وقد أخطر الفرنسيون نظرائهم الأسبان بأن صلاح قد تكون لديه “النية” في دخول أسبانيا هربا.

غير أن وزير الداخلية الأسباني خورخي فيرنانديز ذكر مساء الأحد أنه في الوقت الراهن ليس هناك أي إجراء للبحث عن هذا المشتبه به أو أي مشارك آخر في تفجيرات باريس.

وبالنسبة إلى الأخ الثالث محمد، فلا يزال قيد التوقيف في بلجيكا والتحقيقات جارية معه إلى الآن بغية الكشف عن المزيد من الخيوط.

وكشفت النيابة البلجيكية أن السيارتين اللتين عثر عليهما المحققون الفرنسيون في باريس والمسجلتين في بلجيكا تم استئجارهما بداية الأسبوع في بروكسل، مشيرة إلى أنه تم القبض في بلجيكا خلال مداهمات تمت مباشرتها، السبت الماضي، على سبعة أشخاص.

وأكد وزير العدل البلجيكي كون غينس أن الاعتقالات التي جرت في مولنبيك لها ارتباط بسيارة البولو الرمادية، مضيفا أن الشخص الذي استأجر السيارة كان بلجيكيا ومعروفا للشرطة من خلال شقيقه المدرج على سجلات الشرطة.

داعش يتوعّد في فيديو جديد بشن هجوم في واشنطن

التحذير من إعادة الكرة

ستكون فرنسا أمام أقوى اختبار بعد أسوأ هجمات إرهابية تتعرض لها في تاريخها حينما تستضيف مؤتمرا دوليا للمناخ مزمع عقده في الـ29 من هذا الشهر، ولم تتلق السلطات طلبا من زعماء الدول لإلغائه، ما يعني أنه سيجرى في موعده كما هو مقرر.

وحذر رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس من إعادة كرّة الاعتداءات الأخيرة في البلاد ودول أوروبية أخرى، معلنا عن أن 163 عملية دهم نفّذت في أنحاء البلاد واستهدفت الأوساط الإسلامية منذ الجمعة.

وقال فالس في مقابلة تلفزيونية مع محطة “آر تي إل” الفرنسية إن “التخطيط والتنظيم للهجمات التي شهدتها العاصمة باريس الجمعة الماضي جرى في سوريا”، مبرّرا بذلك الغارات المكثفة التي شنتها مقاتلات فرنسية على الرقة معقل تنظيم داعش في شمال سوريا.

وذكرت وسائل إعلام فرنسية أن الشرطة نفذت 110 على الأقل من عمليات التفتيش في الأوساط الإسلامية وداهمت منازل في مدن فرنسية كثيرة ليل الأحد/الاثنين، بينها تولوز وغرونوبل وبوبيني.

وفي ليون وسط شرق البلاد تم ضبط أسلحة بينها قاذفة صواريخ وسترات واقية من الرصاص وعدد من المسدسات وبندقية كلاشنيكوف، كما اعتقل خمسة أشخاص، بحسب مصدر مطلع على التحقيق.

وكان المحققون الفرنسيون توصلوا إلى معرفة العقل المدبّر لهذه الاعتداءات، وكشفوا أن قائد هجمات باريس الدامية بلجيكي يدعى عبدالحميد أباعود (28 عاما) وهو موجود في سوريا، دون الإعلان عن المزيد من التفاصيل.

واشتبهت الاستخبارات البلجيكية في هذا المتطرف ذي الأصول المغربية، حيث كان يدير خلية فككتها الأجهزة الأمنية في مدينة فيرفيه في أوائل عام العام الجاري.

مانويل فالس: المجتمع الدولي مطالب بالتحرك سريعا ضد تنظيم داعش ودون هوادة

وسبق للاستخبارات أن لاحقت تحركاته حتى اختفائه في اليونان في وقت سابق من العام الحالي، ليتكشّف في ما بعد أنه عاد إلى سوريا، وتقول إنه حارب في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية المتشدد حيث كان من “أوحش جلادي التنظيم”.

وترجح الاستخبارات أن أباعود أشرف على الاعتداءات بنفسه، إذ تؤكد المعلومات أنه كان على اتصال مباشر بالانتحاريين الذين نفذوا الهجمات.

عين فرنسا على المساجد

اتخذت الحكومة الفرنسية عدة خطوات طارئة لتطويق ظاهرة الإرهاب على أراضيها وتعقب المتطرفين. فبعد أن شددت من الإجراءات الأمنية في أنحاء واسعة من البلاد عبر نشر المزيد من أفراد الشرطة والجيش، طالت إجراءات الصرامة هذه المرة المساجد.

وللمرة الثانية هذا العام يشهد مسلمو فرنسا مذبحة في شوارع باريس نفذها بضعة إسلاميين متشددين ويخشون الآن من أنهم سيعانون من عواقبها، في وقت قررت فيه باريس طرد 34 شخصا خارج البلاد وإسقاط الجنسية عن 6 فرنسيين.

فقد هدّد وزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف الذي أعلن عن اعتقال 23 شخصا لصلتهم بالحادث، في لقاء أجرته معه محطة “فرانس 2” التلفزيونية، بإغلاق وحل المساجد التي “يحرض الدعاة فيها على الكراهية والعداء”.

وأكد كازنوف أن “الحكومة ستبحث في جلستها المقبلة قرارا بحل تلك المساجد”، وأن القصد من حالة الطوارئ هو “أن نتمكن بطريقة حازمة وصارمة من طرد أولئك الذين يحرّضون على الكراهية من فرنسا سواء كانوا منخرطين فعلا أو يشتبه في انخراطهم في أعمال ذات طابع إرهابي”.

وقال الوزير، الذي يبدو أنه لم يستوعب الصدمة بعد، إن “هذا يعني أيضا أنني بدأت في أخذ إجراءات بهذا الصدد، وسيجري نقاش في مجلس الوزراء بشأن حل المساجد التي يبث فيها الدعاة الكراهيةَ أو يحضّون عليها، كل هذا يجب أن يطبق بأكبر حزم”.

جاء حديث الوزير هذا منسجما مع تصريحات الزعيمة اليمينية المتطرفة مارين لوبان رئيس حزب الجبهة الوطنية المعارض، التي قالت السبت إنه يتعين على الحكومة تشديد إجراءاتها الأمنية.

وطالبت منظمة “مرصد كراهية المسيحيين” الفرنسية، هولاند بغلق 100 مسجد في البلاد واصفة إياها بـ”منازل التطرف”.

وكانت الحكومة أقرت قبل أسابيع إجراءات لتوسيع صلاحيات أجهزة الاستخبارات، مع استحداث 1500 وظيفة وتخصيص حوالي 233 مليون يورو، فضلا عن منحها مزيدا من الصلاحيات من خلال سن تشريعات جديدة.

وحالة الطوارئ التي أعلنت عنها فرنسا تتيح للأجهزة الأمنية فرض الإقامة الجبرية وشن مداهمات دون إذن قضائي. وتقول الحكومة إن الوسائل التي سيتم اللجوء إليها في هذه الحالة تندرج ضمن القانون وليس فيها مسّ من حقوق الإنسان.

ووقفت فرنسا وأوروبا، أمس، دقيقة صمت حدادا على ضحايا الاعتداءات الإرهابية في باريس. وأثارت هذه الهجمات مشاعر من الصدمة والغضب والحزن وكذلك الارتباك في فرنسا وفي العالم.

داعش يتوعد بالمزيد

هدد تنظيم الدولة في فيديو جديد نشره، أمس، على مواقعه الجهادية الدول التي تشارك في شن ضربات جوية في سوريا، من أنها ستلقى نفس مصير فرنسا وتوعد بشن هجوم في واشنطن على وجه التحديد.

تكتيك التنظيم الإرهابي بات واضحا حيث أنه يستغل التدفق المنفلت للاجئين لشن هجمات على أوروبا التي تشارك بعض دولها في التحالف الدولي ضد داعش في سوريا والعراق، الأمر الذي قد يدفع بعض القادة الأوروبيين إلى انتهاج خطة جديدة للقضاء عليه.

ويعيد تبني التنظيم للهجوم الدامي الأخير على فرنسا إلى الأذهان الحادث الإرهابي الذي وقع في العاصمة نفسها في يناير الماضي، حين وقع استهداف مقر صحيفة شارلي إيبدو الساخرة.

ولعل السبب الأساسي الذي يكمن خلف استهداف هذه الجماعات لفرنسا تحديدا، وفق مراقبين، هو أنها تضم أكبر جالية مسلمة في أوروبا، فمن وجهة نظرهم المحدودة يعيش المسلمون في فرنسا حالة من الاضطهاد التي وجب الثأر لها، ممّا يجعلها هدفا مباشرا للعمليات التي قد تطال مستقبلا دولا أوروبية أخرى.

كما أن سياسة فرنسا “المعتدلة” في الشرق الأوسط ومحاربتها لداعش ودورها القوي في مساندة ودعم التحالف الدولي، كانت ضمن الأسباب التي جعلتها القبلة المفضلة لدى هؤلاء الإرهابيين لتنفيذ عملياتهم.

ويرى البعض من المتابعين أن دعم فرنسا الواضح للحرب على الإرهاب في سوريا والعراق يعد السبب الرئيس الذي دفع داعش إلى استهدافها دون غيرها من الدول الأوروبية، خاصة بعد أن أرسلت حاملة الطائرات إلى سوريا للمشاركة في الحرب ضد التنظيم الذي تسلّل الرعب إلى نفوس عناصره.

5