فرنسا تجني أشواك تقديم الإخوان كمعارضين ديمقراطيين

باريس أساءت تحليل طبيعة أيديولوجيا الإخوان المسلمين وأهدافهم المبيتة المعادية للحرية وحقوق الإنسان الكونية.
الثلاثاء 2019/08/13
حرب ضد الفكر الجهادي في فرنسا

باريس – لماذا لم تفلح السياسات العامة المنتهجة في فرنسا للحدّ من ظاهرة التطرف الإسلاموي المتعاظمة عموما والوقاية من العنف الجهادي الذي يضرب البلد منذ 2010 على وجه الخصوص؟

في كتابه “من أجل اتقاء العنف الجهادي، مفارقات نموذج أمني” الصادر أخيرا بباريس، حاول رومان ساف، الباحث في المعهد الوطني للدراسات العليا للأمن والعدالة، مقاربة هذه الإشكالية اعتمادا على ما توفر له من معلومات انطلاقا من الحوارات الستين التي أجراها مع السياسيين والخبراء الذين تدخلوا في رسم تلك السياسات التي حاولت احتواء التطرف وأحيانا مع الذين طبقوها على أرض الواقع.

يشير الكاتب إلى أن الصحوة المتأخرة لفرنسا في تصور استراتيجية وقائية أمام ظهور الإرهاب الداخلي ويذكر بأن رد الفعل الأولي كان سريا على الخصوص ولكنه كان حاسما من طرف الكثير من الفاعلين من بينهم المحافظ يوهان جونو، الذي حرر سنة 2013 تقريرا تحت عنوان “من أجل تنفيذ استراتيجية وطنية للوقاية من انتشار التطرف”. كما يشير الباحث إلى الدور الرئيسي لعائلات الشبان الذين التحقوا بداعش في سوريا وكيف يصطدم هؤلاء الآباء والأمهات بعجز الدولة التي لا تزال تعتبر اعتناق الأصولية حرية من الحريات الأساسية.

يعرض الكاتب بشكل مفصل “خطة الوقاية من التطرف ومرافقة العائلات التي تطرّف أبناؤها”. الخطة المعتمدة عام 2014 والتي تظهر جدتها في محاولة التصدي للتطرف في مهده بل قبل حدوثه من جهة ومن جهة أخرى بعيدا عن الأسلوب القمعي والقضائي.

وبدأت الحرب ضد الفكر الجهادي بإنشاء منصة هاتفية تحت وصاية وحدة التنسيق ضد الإرهاب للإبلاغ عن أي علامة تطرف لدى الشبان والشابات وحتى المتقدمين في السن. وخلق خلايا على مستوى الولايات من أجل التكفل بالأشخاص المبّلغ عنهم وأفراد أسرهم واعتبارهم شركاء في عملية الوقاية من التطرف وكضحايا. لكن بدل أن يؤدي هذا التصور إلى السيطرة والتحكم في ظاهرة التطرف حدث العكس بسبب العدد الكبير للأشخاص الذين يتم الإبلاغ عنهم في حين أن أجهزة المخابرات لا تملك وسائل المراقبة الكافية. وهو الأمر الذي كشف عن أوجه القصور في السياسة الجديدة المنتهجة والتي كان الهدف منها طمأنة الفرنسيين قبل كل شيء.

وتم إطلاق مبادرات مختلفة لصياغة وقاية أخرى تهدف إلى إبعاد الذين تم التبليغ عنهم من طرف الخلايا الولائية عن التطرف سابقة الذكر. ومن أهم تلك المبادرات “مركز الوقاية والإدماج والمواطنة” في مدينة بومون أون فيرون والذي كان تجربة فاشلة كشفت عن فشل سياسة إعادة المتطرفين إلى الطريق المستقيم.

المسؤولون الفرنسيون ينظرون إلى التطرف كعلامة على تفكك قاعدة القيم التي بنيت عليها الجمهورية
المسؤولون الفرنسيون ينظرون إلى التطرف كعلامة على تفكك قاعدة القيم التي بنيت عليها الجمهورية

ونظرا لضخامة العمليات الإرهابية، بدأ المسؤولون ينظرون إلى التطرف كعلامة على تفكك قاعدة القيم التي بنيت عليها الجمهورية. وانطلاقا من هذا، فمحاربة التطرف يجب أن تمر من الآن فصاعدا بعملية إعادة ترميم الوحدة الوطنية، حيث أصبحت تبدو لهم ظاهرة التشدد الديني، كوباء تصعب السيطرة عليه وبالتالي يستدعي استجابة قوية وفعالة. وهذا التطرف المرئي على الهندام وغيره بات يغذي شعورا بالخطر لدى قطاعات واسعة من الشعب الفرنسي ويرى فيه البعض “طابورا خامسا” مهددا للكيان الفرنسي.

وحاولت الحكومات المتعاقبة إشراك رجال الدين ورؤساء الجمعيات الإسلامية في سياسة الوقاية من التشدد وهو ما رآه البعض مفارقة إذ بدا الإسلام سببا وحلا لمشكلة التطرف في آن معا. وهو استمرار لفكرة قديمة هي البحث عن خلق إسلام محلي فرنسي متوافق مع قيم الجمهورية وغير متأثر بالإسلام الوافد.

ولئن خرج الكاتب من متابعته لفلسفة مواجهة التطرف الديني الإسلامي في فرنسا بنتيجة مفادها أن ما يسمى بـ”محاربة التطرف” هو عمل مرتجل، فإنه لم يتطرق إلى الأسباب الحقيقية التي أدت إلى ذلك وأهمها تلك النظرة الفرنسية الخاطئة للتطرف باعتباره مشكلة اجتماعية وطبقية في حين أنّ للتطرف أساسا أيديولوجيا مكتوبا ينشره الإخوان المسلمون في المساجد والمراكز الإسلامية المنتشرة على التراب الفرنسي.

وهو ما تجنيه السلطات الفرنسية التي استغلت الإخوان قبل ذلك في ابتزاز أنظمة الحكم في بلدانهم بتقديمهم كمعارضين ديمقراطيين. ولم تكن تدري أنها كانت تلعب مع الأفعى. وقد أساءت تحليل طبيعة أيديولوجيا الإخوان المسلمين وأهدافهم المبيتة المعادية للحرية وحقوق الإنسان الكونية، حيث انخدع الفرنسيون بخطابهم التطميني التقوي المختلف تماما عن الخطاب الذي يوجهونه للناطقين بالعربية بفرنسا.

في 1997 يقول مرشدهم السابق محمود مهدي عاكف “هدف الإخوان المسلمين هو إقامة دولة الإسلام العالمية. نحن المسلمون، نهاجر إلى كل مكان، ويبقى الطريق طويلا قبل أن نتمكّن من السيطرة على أوروبا”.

أما يوسف القرضاوي فهو يطلب من مسلمي الغرب التشبه باليهود وينصحهم بالانعزال؛ “قلت لإخواننا الذين يعيشون في البلدان الأجنبية: حاولوا أن تخلقوا لكم مجتمعا صغيرا في المجتمع الكبير، وإلا فسوف تذوبون في الغرب كالملح في الماء. ما أنقذ الطابع اليهودي خلال القرون الأخيرة هو مجتمعهم الصغير الذي كان معروفا بـ’كغيتو يهودي”، ولم يكتفوا بهذا بل تغلغلوا في قلب المؤسسات الفرنسية عن طريق موظفين متشددين يعملون في مختلف المرافق العمومية في فرنسا كما تسلّلوا إلى السجون والشرطة والجيش والتربية الوطنية والجامعة والنوادي الرياضية ومترو الأنفاق والسكك الحديدية والنقل الحضري ومطارات باريس وشركات الحراسة والمستشفيات والحماية المدنية وغيرها من المصالح والقطاعات الهامة حسب تقرير برلماني جاء تحت عنوان “الخدمات العمومية في مواجهة التطرف”.

12