فرنسا تحتفي افتراضيا بمارتان بارّي التجريدي المنسيّ

مارتان بارّي يعتبر من أهمّ روّاد التجريدية في القرن الماضي شغف بالتجريدية والرسم على القماش.
الاثنين 2021/01/18
خطوط مترهّلة تبدو في هشاشتها كمن يسير نائما

بعد المعارض التي كُرّم فيها بيير سولاج، وسيمون هنتاي، وخيسوس رفائيل سوتو، وفرنسوا موريلّي، وإلزورث كيلّي، نظّم مركز بومبيدو بباريس معرضا للفرنسي مارتان بارّي، أحد روّاد التجريدية في القرن الماضي، ولكنّ تواصل الحجر الصحي اضطرّه إلى اقتراح زيارة افتراضية على يوتيوب.

يعتبر الفرنسي مارتان بارّي من أهمّ روّاد التجريدية في القرن الماضي. شغف بالتجريدية وأجرى عدة بحوث تشكيلية، حيث استعمل الكولاج الهندسي، والرسم التجريدي بالألوان المائية ثم اختار أن يرسم باستخدام مقبض الفرشاة وسكين صمغ المصطكاء وحتى دون أداة مقتربا بذلك من التلطيخية. ثمّ عدل عن كل ذلك ليختط مساره.

عندما بدأ يمارس الإبداع الفني في منتصف الخمسينات من القرن الماضي، كان المبدأ الكلاسيكي للرسم على القماش محلّ تساؤل واسع لدى من سبقوه، أمثال بول كلي، وبيكاسو، وموندريان، وماليفيتش وسواهم، فماذا يمكن أن يضيف حينئذ؟

ذلك هو السؤال الذي طرحه على نفسه في قلق وحيرة، حتى أنه توقف عن الرسم طيلة أربع سنوات، بداية من عام 1967. كان يقول “أنا لا أرسم الزهرة أو التفاحة، أو آخر حلم من أحلامي.. أنا أرسم أسئلة للرسم، وحوله”.

فكان هاجس البحث لديه ليس إنتاج أشكال على هذا الفضاء المسطح الذي هو القماشة، بل في الكشف عن المساحة التي تحتويها. وبالتالي فإن الخط هو أداة اختيار. لذلك، ما لبث أن تخلى عن الفرشاة ليرسم مباشرة بالأنبوب على القماشة، دون أن يقتفي تجارب التجريدية الغنائية أو التفوّقية، إذ كانت غاية فنه استكشافَ الفضاء الداخلي للوحة، وبناءَها بخطوط متوازية وهندسات ملوّنة، حيث تتموجّ على المساند البيضاء خطوط بالمسطرة، وبقع بخاخة أو بصمات أصابع على نحو يجعل اللوحة مستقلة بذاتها عن أي مذهب.

كانت أكثر فتراته إدهاشا، بين عامي 1960 و1967، أن يرسم قبل الجميع، بمن في ذلك فنانو الشوارع، باستعمال البخاخة. كان يرسم سهاما تضفي ديناميكية على اللوحة، وكأنها تقفز من لوحة إلى أخرى.

قال عنه ميشيل غوتيي إنه صُدم براديكالية ماليفيتش بشكل إيجابيّ، ثم طمأنه موقف إيف كلاين عندما تحدّث عن الفضاء في لوحاته. وقال أيضا إنه كان كجسم طائر مجهول في مشهد التجريد الفرنسي، رغم أنه مهّد الطريق لفنانين شبان صار لهم اليوم حضور بارز كالأميركي ويد غايتن.

مارتان بارّي أول من استعمل البخاخة، راسما سهاما تضفي ديناميكية على اللوحة، وكأنها تقفز من لوحة إلى أخرى

وتبدو الخطوط التي تقسم الفضاء وتحدّد الأشكال عابرة ونهائية في الوقت نفسه، ويحار المشاهد في فهم الكيفية التي يتوسل بها بارّي ليخلق من خيط عالما، أو أثرا يجذّف في الفراغ، أو حَزّا يوحي بإيماءة بطيئة أو سريعة، أي كل ما أطلق عليه الشاعر إيف بونفوا، وكان يمارس النقد الفني أيضا، “الجمال الخالص للرسم”.

وتتميّز أعماله الأولى التي يرجع عهدها إلى منتصف الخمسينات، عن كل أعماله التصويرية اللاحقة. فالأشكال الملوّنة التي تبرز منفصلة عن خلفية بيضاء تبدو كأنها مثبتة بعصيّات رفيعة، فائقة الدقة، على حوافّ اللوحة.

ورغم مظهرها المستقيم، فإنه لا يمكن مقارنتها بأيّ شكل هندسي قد يكون ورثه عن ماليفيتش، ولا اعتبارها مستوحاة من التقليلية، لأن تلك التوليفات غير المنتظمة، سواء أكانت مجمّعة أم متراكبة، تشكل بنى ذات توازن ضئيل، وأنها غير مكتملة عمدا. وغالبا ما توضع تلك العناصر في محيط اللوحة، ليبقى المركز شاغرا.

بداية من العام 1960، تأكّد الخط، ونأى عن دوره في الإطار ليعبر السطح، وفي هذا التنوّع، وجدت جدّة بارّي استيفاءها. غير أن تلك الخطوط المصنوعة من أنابيب الطلاء تظل تحتفظ ولو جزئيّا بوظيفتها السابقة، إذ لم تتخلّ بعد عن الشكل الذي تعهّدت به؛ فتبدو أشبه بدوائر محطّمة أو حبل دائري مقطوع، ثم تتحوّل تدريجيا لتعبر اللوحة كما لو كانت غرفة بلا أرضية أو سقف. ولكن دون أن تكشف عن عدوانية مكبوتة كما هي الحال في لوحات الأرجنتيني لوتشو فونتانا المشروط، أو قوة “زيب” (شرائط عمودية أكثر وضوحا) للأميركي بارنت نيومن، وسواء أكانت تلك الخطوط أفقية أم عمودية أم مترهّلة، فإنها تبدو في هشاشتها كمن يسير نائما.

تلتها أعمال استعمل فيها بارّي بخّاخات الهواء المضغوط، بطريقة توحي بأن آثار البخّ تأتي من خارج اللوحة أو تصدر عنها. هذه التقنية، التي استوحاها من الغرافيتي على جدران المترو، تلائم تجاربه المتنوّعة التي سبق أن أجراها باستخدام الفرشاة والسكين والمكشط والأنبوب.

وعندما يأخذ الخط الأسود المتبخّر صبغة مخملية وقطنية يكتسب خفة تساهم في مظهره العشوائي. فتتبدّى عندئذ ظلال لا يكاد يدرك المتلقي مصدرها. ذلك أن نتف الطلاء على القماشة تبدو وكأنها علامات بكماء لا تحمل أيّ رسالة.

لم يكن مارتان بارّي راديكاليا، بل كان ممّن يؤثرون العزلة، ولا يروّجون لأعمالهم في الصالونات ووسائل الإعلام، ما جعل الصمت يلف آثاره خلال أعوام طويلة، غفل فيها هواة الفن ونقاده عن ذكره، وردّ له المعرض الافتراضي الذي ينظمه له مركز بومبيدو الباريسي، حاليا، اعتباره.

وفي حديثه عن ميرو، قال جاكوميتي “حتى ولو كانت مجرّد نقطة، فإنه يضعها حيث ينبغي أن توضع”. كذلك بارّي، ولكن باستعمال خطّ بسيط.

16