فرنسا تحتفي بالديوراما منبع استلهام الفنانين المعاصرين

طوال فصل الصيف، يقيم قصر طوكيو بباريس معرضا لفن الديوراما، الذي يعتبر منبع استلهام للفنانين المعاصرين، في محاولة تفكيك غير مسبوقة لتاريخ النظر، وتقاطعه مع تاريخ الفن والسينما والمسرح والفنون الشعبية إلى جانب تاريخ العلوم والتقنيات.
الاثنين 2017/08/07
فن الإيهام بواقع ما

الديوراما هي منظومة تمثّلٍ تنبني على خلق وضعية أو إخراج فني لشخصية تاريخية أو متخيلة أو حيوان منقرض أو لا يزال يعيش في عصرنا، وإعادة إظهارها في محيطها الطبيعي، بتشكيل مشهدية تاريخية أو طبيعية أو جيولوجية وحتى دينية.

وهذه المنظومة، في مثالها المبسط على الأقل، تقوم على قاعدة تحتمل الموديلَ المراد تركيزه وسط ديكور ذي بعدين، فيما يتميز المثال المتطور بتكثيف تفاصيل البيئة التي يتوسطها الموديل.

والغاية هي الاقتراب أكثر ما يمكن من الواقع المراد التعبير عنه أو نقل نسيجه وألوانه بأكبر قدر من الأمانة للإيهام بواقعيته باستعمال معادن ونباتات جافة وجلود وقطع حفريات وما إلى ذلك من المواد المتوافرة بحسب الموضوع المزمع إعادة تشكيله.

ويخضع حجم العمل إلى الموضوع المعروض، فالمعارك التاريخية والملاعب والتجمعات السكنية عادة ما تتقلص إلى سلّم محدود، فيما تحتل مشاهد الحيوانات حضورا ماديا أكبر يكون قريبا من الواقع.

يذكر المؤرخون أن هذا الفن ظهر في مطلع القرن التاسع عشر، عام 1822 تحديدا، مع الفرنسي لويس داغير (1778-1851) أحد رواد الفن الفوتوغرافي، ومساعده شارل بوتون (1781-1853) حيث كانا يضعان لوحات مرسومة داخل محمل شفاف، يتكون من حجرة وعدسة رؤية ومنفاخ، كانا يطلقان عليه اسم بوليوراما مشتمَل (أي مصنوع بشكل يمكن اشتمال داخلِه بنظرة واحدة)، ويُخضعانه إلى أضواء متراقصة توهم بتحرك الموديل المعروض، وهو ما مثل مرور الوقت لأول مرة، واستبق بذلك ابتكار السينما،

إذ مكّن من إعادة بناء وضعية لا يمكن رؤيتها لأسباب فضائية وزمنية، وخلق واقعا افتراضيا، يوهم للحظةٍ بواقعية الخدعة البصرية.

وقد لقيت هذه التقنية رواجا في ذلك العصر، باعتبارها نقطة فارقة في تاريخ المشهدية ضمن إرث الفوانيس السحرية للقرن السابع عشر، حتى أن بلزاك وصف الديوراما “بأعجوبة القرن” فيما لخصها بودلير بغريزة الشاعر الذي يستشرف الحداثة بقوله “تلك الأشياء، لأنها كاذبة، قريبة إلى حد بعيد من الحقيقة”، غير أن بعض المؤرخين يذهبون إلى القول إن أصل الديوراما مستوحى من الساينت الدينية الإيطالية خلال القرن السابع عشر، وتمثلها لمشاهد الجبال المقدسة في مقاطعة لمبارديا.

الديوراما تنبني على خلق وضعية أو إخراج فني لشخصية تاريخية أو حيوان منقرض وإعادة إظهارها في محيطها الطبيعي

ويأتي المعرض الذي يقام على امتداد فصل الصيف بقصر طوكيو الباريسي في سياق استكشاف قصر طوكيو لمختلف مناطق الفن في علاقته بشتى الحقول المعرفية، فبعد معرض “حافة العوالم” الذي أقيم منذ سنتين، يركز المشرفون عليه على الديوراما وأثرها في تجارب عدة فنانين كبار في القرن العشرين ومطلع هذا القرن، فضلا عن اهتمامهم بدعوة الزائر إلى الغوص في الميكانيزمات الخفية لهذا الفن، وتبين علاقته بالوعي الأيكولوجي من جهة، وصلته بالإرث الكولونيالي من جهة ثانية، من خلال أعمال متنوعة لعدد من الفنانين من شتى أنحاء العالم أمثال كارل أكيلي وإريخ بتشر وجاك بويسيه وجوان فونكوبيرتا وإدوارد هارت وتوم ويسيلمان وبيتر سبايسر وفيونا تان وجول تيرييه وهيروشي سيجيموتو وغيرهم.

وكلهم يتنافسون في الإيهام بواقع ما، من خلال مشاهد انتقلت من ثنائية الأبعاد إلى ثلاثيتها، لتضم صورة مختزلة عن العالم، قديمه وحديثه، وقع استغلالها في المعارض العالمية التي كانت تقام في القرن التاسع عشر، ثم استولت عليها علوم الأحياء لتقدم أمثلة “حيّة” عن حيوانات انقرضت وأخرى لا تزال تعيش في محيطنا القريب والبعيد، قبل أن تصبح وسيلة لبسط الهيمنة، ليس على الطبيعة ومكوناتها فحسب، وإنما أيضا على الشعوب المستضعفة التي وقع تنميطها في كليشيهات بدعوى المحافظة على الأحياء، إذ صارت وسيلةَ متاحف الإثنولوجيا في إظهار “أنماط” من البشر.

وبعد فقدانه بريق الأيام الخوالي، لخلفية دعاته السياسية المشبوهة، وظهور وسائل تقنية حديثة أوهته إلى مخلفات التاريخ، عاد إلى الظهور في القرن الماضي مع السرياليين كفضاء تصور ذهني كما في “صندوق الأحلام” للأميركي جوزيف كورنيل (1903-1972)، ثم مع بعض الفنانين المعاصرين كوسيلة لتكثيف وجهة النظر وتفكيكها كما يتبدى في أعمال الإيطالية تاتيانا تروفي، أو كتصوير لشظايا ذاكرة جافة كما في بعض أعمال الألماني أنسيلم كيف، أو كأداة لتنويع وجهات النظر كما يتجلى في أعمال الفرنسي ريشار باكييه (1952-1996)، حيث لم يعد الموديل يُرى من زاوية واحدة، بل من كل الجهات.

وقد يتخذ منه بعضهم وسيلة لتصوير العنف كلعبة أطفال كما يبدو في أعمال الصينية كاو دان، أو يدخل تحويلا على مفهوم الديوراما بتحرير دمية الشمع من علبتها الخانقة كما يظهر في أعمال الكندي كنت مونكان.

وجملة القول إن الديوراما التي كانت في البداية صورة ملموسة “أصدق من الطبيعة” بعبارة بودلير، تحولت بعد حقبة من الزمن إلى ما كان أسماه عالم التحليل النفسي الألماني إرنست ينتش (1867-1919) بـ”الغرابة المحيّرة”، قبل أن تصبح وسيلة فنية لمقاربة الواقع في كل تجلياته، حيث يجاور الثانويُّ الجوهريَّ، في تسطيح مفارق للواقع كما يتجلى في الصور الفوتوغرافية لرتشار بارنس أو هيروشي سوجيميتو.

16