فرنسا تحتفي بتجربة كيم شونغ هاك فنان الفصول الأربعة

الفنان كيم شونغ هاك يختار طريقا آخر خلافا للفنانين من جيله حيث يحتفي بالطبيعة وعناصرها احتفاء يكاد يكون طفوليا، فيه مرح وحيوية غامرة.
الاثنين 2019/04/08
إلهام زخرفي مستمد من الطبيعة

حتى أواخر مايو القادم، يستضيف رواق “بيروتان” بالدائرة الباريسية الثالثة الفنان الكوري كيم شونغ هاك الملقب بفنان الفصول الأربعة، هذا الفنان الذي يحظى في بلاده بصيت ذائع، ولكنه يكاد يكون مجهولا في أوروبا.

ولد الفنان الكوري الجنوبي كيم شونغ هاك في سينويجو عام 1937، درس الرسم في جامعة سيول، حيث تخرج عام 1962، مثلما درس الطباعة في جامعة طوكيو للفنون ما بين 1968 و1970، ثم في معهد برات في نيويورك عام 1977، وأقام منذ مطلع السبعينات معارض فردية في أروقة خاصة بطوكيو وسيول، ثم في المتحف الوطني للفن المعاصر في مدينة غوشيون بكوريا الجنوبية.

وخلال السبعينات مرّ بمرحلة نفسية عصيبة أفقدته الرغبة في الرسم وحتى في الحياة، ولما عاد إلى كوريا، ترك سيول ليقيم في سوكشو سنة كاملة لم ينجز فيها أي شيء، بل كان يمتنع عن كل شيء، حتى القراءة. إلى أن زار جبل سوراك عام 1979، وعانق الطبيعة، فصار ينظر إلى العالم بعيون جديدة، واستعاد شغفه بالفن، بل وجد ضالته في ذلك الجبل ومناظره الطبيعية، وطيوره وحيواناته وفراشاته، فكان ذلك اللقاء بالطبيعة نقطة تحول هامة في مسيرته، إذ كان جبل سوراك بالنسبة إليه مثل تاهيتي لغوغان، وجبل سانت فيكتوار لسيزان، مكانا للالتحام بالطبيعة، ومناسبة لاستكشاف رؤية فنية جديدة.

ولع كيم شونغ هاك بجماليات التقاليد الكورية في مجال الفنون الزخرفية، كألبسة النساء، فالموتيفات التي تطرز فساتينهن هي بالنسبة إليه خزّان ثري من حيث تنوعها وحيوية ألوانها، مثلما ولع بالزخارف التي تزين قطع الأثاث والأواني الخزفية، لاعتقاده بأن الانطلاق يكون عادة من الموجود لفتح أبواب جديدة، والتطلع إلى آفاق غير مألوفة.

وإثر ذلك اكتشف الطبيعة خلال جولته تلك في جبل سوراك، فانبهر بها أيما انبهار، وأحس منذ ذلك الوقت بأنه يتواصل مع الطبيعة، فبدأ حواره مع العناصر النباتية، والفصول المتعاقبة، ومفرداتها وخصائصها، وكذلك تجددها وانبعاثها المستمر.

وبدا في كل أعماله اللاحقة متأثرا بالطبيعة، بأشجارها وأزهارها وسهولها ومرتفعاتها أكثر من تأثره بتاريخ الفنّ، شأن أغلب الفنانين في كوريا، إذ لم يكونوا ينظرون إلى الفن الأوروبي ومدارسه وحركاته وتطوراته، وإن نظروا فسرعان ما حادوا عنه ليبحثوا عن رابط يربطهم بتاريخهم وبيئتهم.

الفنان الكوري اختار ثيمة الخضرة وأزهار الربيع أو الصيف، مستغلا فضاء لوحاته استغلالا كاملا يطغى عليه فيض من الألوان

وفي هذا يقول “التقاليد بالنسبة إليّ هي المجال الذي نتعلم فيه، والطبيعة هي تلك القوة التي تخز المرء وتدفعه إلى الاكتشاف والخلق والابتكار، لم يكن لنا حلّ آخر. لاكتشاف الفن الأوروبي كان ينبغي أن نسافر.. لذلك تعلمنا كلنا الفن، شكلا ولونا، انطلاقا من الفن الكوري القديم”.

ومن ثَمّ، صار المنظر الطبيعي لديه مصدر إلهام زخرفي، ما جعل أعماله وثيقة الصلة بجماليات التقاليد الكورية العتيقة التي يرجع عهدها إلى عصر شوزون Chosŏn السلالة التي حكمت كوريا (حين كانت موحدة) من 1392 إلى 1910، حيث كانت الثيمة الأثيرة هي الفصول الأربعة وما يتميز به كل فصل.

وللفنان الكوري كيم شونغ هاك تصوّر للون والتصوير يميزه عن حركة “دنسايكوا” التي ظهرت في السبعينات، تلك التي اعتمد أتباعها على اللون المفرد، فقد اختار ثيمة الخضرة وأزهار الربيع أو الصيف، مستغلا فضاء لوحاته استغلالا كاملا يطغى عليه فيض من الألوان.

وخلافا لفناني جيله الذين اعتمدوا اللون المفرد والواقعية السياسية الملتزمة، سيرا على أيديولوجية النظام، اختار كيم شونغ هاك طريقا آخر، يحتفي بالطبيعة وعناصرها احتفاء يكاد يكون طفوليا، نلمس فيه مرحا وحيوية غامرة وحتى نوعا من الخيال النّزْوي.

ففي لوحاته زنابق وورد ونَيْلُوفَر عصرية غارقة في اللون، ما يجعل فنه أقرب إلى البدائية، حيث يزدحم زخم من الأصباغ وتعجين المواد وآثار الأصابع أو الخدوش على القماشة، فتبدو لوحاته مثقلة باللمسات السميكة، التي تحتشد فيها أزهار وفراشات وطيور وعناكب، وولع بهذا الأسلوب حتى حاز لقب “فنان الفصول الأربعة”، وغدا ذائع الصيت في بلاده، وفي اليابان بدرجة أقل، ولكن شهرته لم تتجاوز بلاده إلاّ في القليل النادر.

هذا الزخم النباتي المتخم بالألوان يتبدى في شكل غنائي وسيمفوني، يكاد يكون ساذجا، وكأن الفنان الكوري يقترح على المشاهد فتنة العالم بعيون طفل، وعلى طريقة سيزان، يؤكد ميله إلى بنية اللون، والأشكال المسيّجة، وكأنه يريد إعادة هيكلة الطبيعة على نحو يظهرها بين الحلم والتذكر، بين التصوير والتجريد. والطريف أنه يضع جنبا إلى جنب ألوانا متنافرة، كالوردي والأخضر والأزرق والأسود والأمغر، مثلما يؤكد قوة خطّه سيرا على منوال كيم جيونغ هوي (1786-1856) الخطاط الذي حاز شهرة عالمية، أي أننا إزاء فنان ملتحم بالطبيعة، تقف أعماله بين الأصالة والمعاصرة، في تخوم التصويرية التجريدية، حيث يخيّم الصمت والحرية.

ويقول كيم شونغ هاك “ليست لي وصفة جاهزة، كل شيء رهين اللوحات، وما أرغب في التعبير عنه بنوع من القوة والجهد. ولكن إذا كان لي أن أقدّم عنصرا على آخر، فإني أقول إن اللون هو الأهم، اللون بالنسبة إليّ هو نصف العمل الفني في أقل تقدير”.

16