فرنسا تحتفي بتوماس هاوسيغو نحات الملامح الآدمية المشوّهة

النحات الإنكليزي لم يتخل عن رؤيته للصورة الآدمية في الفضاء، واستطاع أن يفرض نفسه كواحد من أبرز نحاتي جيله رغم وصفه من قبل بعض النقاد بـ"البدائي الجديد".
الاثنين 2019/05/06
أشكال تستعصي على التصنيف

حتى منتصف شهر يوليو المقبل، يحتضن متحف الفن المعاصر بالعاصمة الفرنسية باريس معرضا فنيا للرسام والنحات الإنكليزي توماس هاوسيغو، وهو الأول في مؤسسة باريسية كبرى يسمح فضاؤها الشاسع بعرض منحوتاته الضخمة.

لأول مرة يستضيف متحف الفن المعاصر بالعاصمة الفرنسية باريس الرسام والنحات توماس هاوسيغو الذي عرف عبر العالم بمنحوتاته العملاقة ذات الملمح الآدمي المشوّه وغير المكتمل، الذي يمثل طابعه المميز.

وهذا الفنان الإنكليزي الشهير، ما فتئ يتنقل منذ بدء مسيرته عبر المدن الكبرى، طلبا للعلم حينا، وسعيا للاكتشاف حينا آخر، إلى أن استقر به المقام منذ 2003 في مدينة لوس أنجلس التي صار فنانها الأبرز، وكانت نشأته بمدينة ليدز التي رأى فيها النور عام 1972، ثم غادرها ليتلقى أصول الفنون الجميلة بسنترال سانت مارتنس في لندن، بعدها، هاجر إلى أمستردام والتحق بمعهد أتيليرس للفنون الجميلة.

زاوج هاوسيغو بين الرسم والنحت، ولكنه حاز شهرته بفضل منحوتاته العملاقة التي يخلط فيها بين المواد التقليدية كالخشب والجبس والبرونز ومواد أخرى أقل استعمالا مثل كوابل الفولاذ والخيش والإسمنت، ويصوغها وفق مسار خلق متفرد، يقوم أساسا على تهيئة شكل آدمي يتأرجح بين البعدين والثلاثة أبعاد، والمزج بين مصادر فنية مثل “حفر الصخور” لجاكوب إبشتاين، وموسيقية وسينماتوغرافية.

وتلك الأشكال التي يهيئها ويجمع عناصرها تستعصي على أي تصنيف ثقافي، فهي تحيل في جوانب منها على أعمال بيكاسو التي استوحاها من النحت الأفريقي، وطورا تستدعي مخترعات الخيال العلمي، كالإنسان الآلي مثلا، ولا تلتقي إلاّ في كونها دميمة، مشوهة، غير مكتملة، وتكتسي في الوقت نفسه قوة وهشاشة.

ويتبدى توماس هاوسيغو مهووسا بشكل مخصوص هو الهيئة الآدمية، على غرار سابقيه أمثال هنري مور، وجورج بازليتش، وبروس نومان، ولكن بأسلوب خاص، إذ لا ينفك يصوغ أجسادا ذات ملامح لا تبين، تبدو قائمة، أو متكئة، أو منكفئة على الأرض، مثلما تبدو المادة التي صنعت منها خشنة صلبة جافة، بعضها تبرز منه أسلاك من الفولاذ، مثل خرسانة في طور البناء، وبعضها الآخر يتجلى جصّه مخلوطا خلطا فجّا، أو محفورا بشكل فظ، أو محطّما وعليه أثر يدَي النحات وأدواته.

أسلوب يقطع مع السائد
أسلوب يقطع مع السائد

بعد المعارض الخاصة التي أقامها توماس هاوسيغو في عدد من المدن الكبرى مثل لاهاي وفينسيا وبروكسل ونيويورك، نزل ضيفا على متحف الفن المعاصر بباريس، في معرض عنوانه “آدمي تقريبا” والذي يتواصل حتى منتصف يوليو المقبل، وفيه يكتشف الزائر مراحل تطور التجربة الفنية عند هذا الفنان المربِك، بدءا بأعماله الأولى التي أنجزها في تسعينات القرن الماضي، ووصولا إلى آخر أعماله، التي أبدعها خصيصا لهذه المناسبة.

ويتوزع هذا المعرض، الذي اتبع مسارا كرونولوجيّا، على أربع قاعات فسيحة، تجتمع فيها المراحل الجغرافية الكبرى للفنان، وعلاقته المخصوصة بالمواد التي يستعملها، إضافة إلى منحوتة عملاقة من البرونز نصبت في حوض الفناء الأمامي للمتحف، في مواجهة برج إيفل، ومتحف رصيف برانلي/ جاك شيراك للفنون البدائية، تلك المنحوتات العملاقة التي قال عنها صاحبها إنها حية ومحمّلة بالكثير من المعاني، ولكنها في الوقت نفسه صورة عن الموت أو الانبعاث.

وخصّصت القاعة الأولى لمنحوتات آدمية الشكل أنجزها هاوسيغو في بداياته، ويتبدى الجبس فيها خاما ومصبوغا بألوان خفيفة، أما القاعة الثانية، فقد احتوت على المنحوتات الهجينة والتجريبية، وقد جعلت بمثابة الجسر الرابط بين أعماله التصويرية الأولى، ومجموعاته ذات البنية المعمارية، والتي تمثل أكثف إنتاجاته في الفترة الراهنة.

وأما القاعة الثالثة، وهي الأكثر اتساعا، فقد خصّصت للعملقة والسواد، حيث يسود إحساس قلق بالعزلة والتأمل الباطني، من خلال نصب عملاق من البرونز “الرجل المستعجل” يحتل المكانَ عموديا، ومنحوتة موضوعة بشكل أفقي “الأب” وإفريز جداري مستمد من سلسلة “لوحات سوداء”.

بينما جعلت القاعة الرابعة لتقديم منحوتة “أستوديو الكاستينغ” التي أنجزت خصيصا لهذا المعرض، وتحتوي على العناصر التالية: مرحلة، كراسيّ، سرير، تلّ، مغارة، مغطس، قبر، مشفوعة بشريط وصور شمسية تبيّن مراحل صياغتها، وهذه المنحوتة المقَولبة في الصلصال تجسد ورشة الفنان وحركاته وأعماله داخلها، وتمثل عودته إلى البعد الأدائي لأعماله الأولى.

اختار توماس هاوسيغو إذن أسلوبا يقطع مع السائد، قد لا نفهم أعماله، وقد نرميها بالقبح والدمامة لأنها لا تتماشى مع القواعد المتعارف عليها، ولكنه، رغم كل ما قيل عن إبداعاته، لم يتنكب قط عن أسلوبه الفظ الذي يصفه بعض النقاد بالبدائي الجديد، ولم يتخل عن رؤيته للصورة الآدمية في الفضاء، واستطاع بفضل ذلك أن يفرض نفسه كواحد من أبرز نحاتي جيله.

وعن جدوى هذه المنحوتات العملاقة في العصر الرقمي والافتراضي، يقول توماس هاوسيغو “لا أكف عن التفكير في أننا نعيش مرحلة فقد فيها كل شيء ماديته، كل شيء بصدد الزوال.. يخيل إليّ، من خلال عملي، أني أقاوم، أواصل استدعاء حس اللمس عندنا لنشعر بالعالم، وفي رأيي أن النحت زائل، إذ لا وجود في العالم لفضاء خاص بالنحت، ولا بدّ أن نناضل كي يوجد، وهذا المعرض حريص على تقديم إجابة خلاقة للعالم لكي لا يكون فريسة للسمارتفون”.

16