فرنسا تحتفي برائدة الحداثة الأميركية جورجيا أوكيف بعد عقود من الإنكار والتهميش

أوكيف تركت نحو تسعمائة عمل فني، حرصت فيها طوال حياتها المديدة على الالتزام برؤيتها الفنية المخصوصة وحدها.
الاثنين 2021/09/20
مناظر طبيعية غريبة كأنها من كوكب آخر

الأميركية جورجيا أوكيف أيقونة في بلدها، ولكنها منسية في فرنسا، ولم يحتف بها مركز بومبيدو للفن المعاصر بباريس إلاّ بعد رحيلها منذ خمس وثلاثين سنة. بل إنه لا يملك لها إلاّ لوحة واحدة، ما اضطره إلى استقدام اللوحات المعروضة من متاحف أخرى.

يحتضن مركز بومبيدو بباريس معرضا فنيا للأميركية جورجيا أوكيف (1887-1986) يحاول أن يقدّم صورة متكاملة عن هذه الفنانة التي عدّها مؤرخو الفن أمّ الحداثة الأميركية ورائدة ما عرف بالحافة الصلبة، وهو مصطلح صاغه الناقد جول لانغسنر عام 1959، للدلالة على التجريد الهندسي بعد الحرب، ويتميّز بالتكرار المتسلسل للعناصر المطلية بلون خالص وبشكل موحد بألوان صريحة ومكثفة أو على هيكل اللوحة القماشية في مناطق محددة.

بدأت جورجيا أوكيف ممارسة الفن في سن مبكرة، ثم تلقت دروسا بمعهد الفن بشيكاغو، ورابطة طلبة الفن بنيويورك، وقسم الفن بجامعة كولومبيا، وتعرّفت على العديد من الفنانين والأساتذة الذين ساهموا في نحت أدواتها وتبيّن مسارها، بيد أنها سرعان ما عافت الفن الأكاديمي، تلقيا وتدريسا، فمضت تمارس الرسم في فضاءات تختارها بنفسها، سواء داخل المدن، وخاصة شيكاغو ونيويورك، حيث أنجزت عدة لوحات عن ناطحات السحاب، أو خارجها تستلهم من المناظر الطبيعية مادتها، لاسيما بعد أن هجرت نيويورك نهائيا واختارت العيش في نيو مكسيكو.

لوحات أوكيف تميّزت بالتكرار المتسلسل للعناصر المطلية بلون خالص وبشكل موحد بألوان صريحة ومكثفة

انتقلت أوكيف بعد تجربة في الرسم المائي إلى الرسم الزيتي، وبدأت تستوحي لوحاتها من المناظر الطبيعية، وخاصة المناطق الخالية، حيث يبدو المشهد سرياليا أو يكاد، لالتقاطها عن قرب مناظر غريبة كأنها من كوكب آخر.

ولكن اهتمامها كان مركّزا على الأزهار، مرئية أم متخيلة، تصوغها بطريقة فريدة، تتجلى فيها الألوان بكيفية شاعرية. وزائر معرضها هذا يغوص في عالم عجيب يمسح ستين عاما من الخلق والإبداع، ليكتشف نشأة الحداثة الأميركية، عبر الأزهار العملاقة، والمشاهد القمرية في نيو مكسيكو، وناطحات السحاب في نيويورك، حيث تتبدّى طاقة حيوية يُغذّيها الضوء واللون والرغبة الحسية.

وسرعان ما طبقت شهرتها الآفاق، وبدأت تنظّم معارض خاصة في العديد من المتاحف الشهيرة مثل معهد الفن بشيكاغو، ومتحف الفن المعاصر بنيويورك، وكانت أول فنانة يحتفي بها هذا المتحف. كما اختيرت عضوا بالأكاديمية الأميركية للفنون والآداب، ونظّمت لها العديد من المعارض الاستعادية في عدة مدن أميركية، وعدّها النقاد ومؤرّخو الفن أمَّ الحداثة الأميركية.

وبمرور الأعوام صارت أيقونة وطنية، فأهداها الرئيس جيرالد فورد وسام الحرية، ثم توّجت مسيرتها لاحقا بالميدالية الوطنية للفنون، وكانت أول امرأة تباع إحدى لوحاتها بأربع وأربعين مليون دولار، وهو رقم قياسي للوحات الفنانات.

ورغم كل ذلك، فإن مركز بموبيدو للفن المعاصر بباريس لا يملك من أعمالها سوى لوحة يتيمة، كما أن المتاحف والمعارض الفرنسية الأخرى ظلت زمنا معرضة عنها.

Thumbnail

ولسائل أن يسأل لماذا لم تحتف المتاحف الفرنسية بأوكيف من قبل؟ والجواب حسب بعض النقاد متشعّب. منه ما يدخل في باب الصراع بين الأميركان والفرنسيس حول أسبقية ابتكار ما سُمي بالفن المعاصر؛ ومنه ما يعود إلى العُقد الذكورية التي لا تزال سائدة في الوسط الفني؛ ومنه ما يعزى إلى أوكيف نفسها، فهي عادة ما كانت تقدّم نفسها بوصفها “رسامة، رسامة فقط، لا غير”، في حين أن الرسم ألغي أو يكاد في أعمال الحركات الفنية الحديثة.

ولكنْ هناك سبب آخر جعل الساهرين عن المتاحف في فرنسا يغّضون عنها الطرف منذ رحيلها، ألا وهو طبيعة لوحات أوكيف، وبالأحرى ما ألصق بها منذ مطلع القرن الماضي.

حدث ذلك منذ عام 1919 تاريخ بداية مرحلة استكشاف أوكيف لثيمة الأزهار، فقد كان للتُّوَيْجات المفتوحة، والبتلات المكشوفة، والمِدقات الوردية المنتصرة (المدقة هي عُضْوُ التَّأْنِيثِ في النَّبات) تفسير جنسي، لاسيما أن ظهورها تزامن مع الثورة الفرويدية.

فقد نظر إليها النقاد كتعبير مستفّز عن رغبة أنثوية وصور إيروسية ورموز جنسية تكاد لا تخفى، ما أثار فضيحة في الوسط الفني، لاسيما أن زوجها ألفريد ستيغليتز المتخصّص في التصوير الشمسي كان لا ينفكّ يلتقط لها صورا تبدو فيها عارية تماما، بل إنه كان ينظم في رواقه الخاص بصفة دورية تقريبا معارض عن تلك الصور، قبل أن يفتح باب رواقه لمعارض لوحات أوكيف، بشكل لفت نحوها الانتباه، فكان منطلقا لمساهمتها في معارض جماعية ثم فردية.

لقد تركت جورجيا أوكيف نحو تسعمئة عمل فني، حرصت فيها طوال حياتها المديدة على الالتزام برؤيتها الفنية المخصوصة وحدها، فلم تتأثّر بالتيارات الطلائعية بالرغم من أن بعض النقاد يدرجونها مرة ضمن التصويرية ومرة أخرى ضمن التجريدية.

ورغم أنها عاصرت التعبيرية التجريدية فإنها لم تهتمّ بها، وغادرت نيويورك نهائيا عام 1949 لتستقرّ في نيو مكسيكو، تاركة النجومية والمجد والشهرة لجاكسون بولوك ومارك روثكو، لأنها لم تكن تؤمن بما أجمع عليه النقاد في عمومهم من أن التجريد هو النهاية المنطقية والمشروعة لتاريخ بدأه سيزان ومرّ بالتكعيبية، فقد وقفت من ذلك موقفا مناهضا، لكونها تكره التصنيف، ولا تريد أن تتّبع غير حساسيتها الفنية.                                                 

Thumbnail
16