فرنسا تحتفي برموز السريالية المصرية وسط الانتقادات

يشهد مركز “جورج بومبيدو” في العاصمة الفرنسية باريس حاليا، معرضا بعنوان “الفن والحريّة: القطيعة، الحرب، والسريالية في مصر”، من تنظيم مؤسسة “إعادة توجيه الفن” وإدارة كلّ من سام بردويل وتيل فيلراث، ويضم مجموعة كبيرة من اللوحات والأعمال الفنية لـ130 فنانا من السرياليين المصريين يعود تاريخها إلى الفترة الممتدة بين عامي 1938 و1948.
الجمعة 2017/01/13
السريالية سبيل لتغيير العالم

يستعيد معرض “الفن والحريّة: القطيعة، الحرب، والسريالية في مصر”، المقام حاليا بمركز “جورج بومبيدو” الباريسي، الفترة الممتدة من العام 1938 وحتى العام 1948، متلمسا ملامح تكوّن التيار السريالي في مصر وأبرز أعلامه، والجهود التي بذلت لتأسيس “جماعة الفن والحرية”، كما يتتبع المراسلات والكراسات والصحف النقدية التي أسسها أفراد الجماعة، التي ترسم موقفهم من الفن والسياسية وغيرها من المواضيع، وأبرزها تواصلهم مع السرياليين في فرنسا ومشاركتهم الفاعلة في حركة السريالية العالمية.

ويعتبر الشاعر والناقد المصري جورج حنين، الأب الروحي للسريالية المصرية، كحالة أندريه بيرتون في فرنسا، فالاثنين جمعتهما صداقة مميزة وتبادلا العديد من المراسلات، ويعتبر الميلاد الرسمي لجماعة الفن والحرية مرتبطا بظهور بيان “يحيا الفن المنحط” عام 1939 الذي كتبه حنين مع مجموعة من أصدقائه من مثقفي وفناني تلك الفترة، وذلك كرد فعل على اضطهاد الفنانين على يد النازية.

وفي صالات العرض يتتبع الزائر تطور الحركة الفكرية ونزعتها نحو السريالية، بحسب تعبير حنين، بوصفها سبيلا لتغيير العالم، فهي رفض لكل النظام الاجتماعي والسياسي الذي أدى للحرب العالمية الثانية في تلك الفترة، ما يعكس تبني سرياليي مصر لأفكار السريالية الفرنسية، والاعتماد على أفكار فرويد عن اللاوعي وتقنيات الكتابة الآلية بوصفها جوهر إنتاج العمل الفني.

ويبرز كذلك هذا التأثر في الفن التشكيلي والتصوير الفوتوغرافي، إذ تتبدى الموضوعات المشتركة، وتقنيات التعبير التي تتلمس الحلم والواقع في ذات الوقت، وهذه المقاربات الفنية تسعى إلى التقاط الحساسية المرتبطة بمصر وطبيعتها، فالموضوعات لم تكن تقليدا لموضوعات سريالي فرنسي من حيث المضمون، بل استفادت جماعة الفن والحرية من التقنيات الفنية لإنتاج ما يعبر عنه بـ”روح العصر” في تلك الفترة والنزعة الثورية بوصف السريالية في جوهرها موقفا يرفض شكل العالم الحالي، الذي يهمن على الطبيعة البشرية ويقيّدها ويكبح جماحها، ليكون الفن هو الوسيلة الوحيدة لتحريرها، خصوصا أنهم ابتدعوا مصطلح “الواقعية اللاموضوعية” كتعريف آخر للسريالية، كما استعادوا التراث الفرعوني والأساطير والشعوذات المرتبطة به، كوسيلة لتلمس الروح المصرية والتغيرات التي كانت تمر بها.

المعرض أثار الكثير من الجدل، حيث احتوى بحسب الباحثة مي تلمساني، لوحة مزورة منسوبة لكامل التلمساني

المعرض يجمع العديد من أعمال رواد تلك الفترة، سواء من التشكيلييّن أو الأدباء، كحسن يوسف أمين وعبدالهادي الجزار وحامد ندا وحسن التلمساني وكامل التلمساني، الذين شكلت أعمالهم صوتا متفردا في مصر على الصعيد الفني، إلى جانب نشاطهم السياسي عبر مواقفهم المختلفة مما يحدث في العالم، وخصوصا الحرب العالمية الثانية التي كان لها صدى كبير في مصر التي كانت تمر بتحولات سياسية هامة، فانعكس ذلك في اللوحات التي تمثّل أجسادا مقطّعة ومشوّهة، بوصف الجسد هو المساحة الأولى التي يطبّق عليها العنف بكافة أشكاله.

أما الصيغة الجسدية الأخرى فتمثل أجساد “البغاء”، تلك الظاهرة التي انتشرت أثناء الحرب وانتقدتها الجماعة بشدّة، والتي تتجلى بعمق في لوحات رمسيس يونان وأنجي أفلاطون، إلى جانب حضورها في النصوص الشعرية كقصيدة جورج حنين بعنوان “سانت لويز بلوز”.

وأثار المعرض الكثير من الجدل، إذ كتبت الباحثة والأكاديمية مي تلمساني رسالة موجهة لوزارة الثقافية المصرية تدعوها إلى التدخل لحماية تراث كامل التلمساني الفني، فالمعرض يحوي لوحة مزوّرة منسوبة له بحسب ما أكدت تلمساني في العديد من المقالات المنشورة لها.

وطالبت تلمساني القائمين على المعرض بسحبها بوصفها تشوه التراث السريالي المصري وتراث كامل التلمساني، لكن القائمين على المعرض رفضوا إزالتها من صالة العرض ومن “الكاتالوغ” الخاص به، ما دفع تلمساني لتوكيل المحامي جان بيير سبتزر، من أجل المطالبة بسحب اللوحة من المعرض وتوضيح الخطأ الذي وقع فيه المنظمون رسميا وعلنيا.

17