فرنسا تحتفي بوليم تورنر "مريض" اللون الأصفر

في “مركز كومون للفن” بمدينة إيكس أن بروفانس الفرنسية، أقيم حتى منتصف شهر سبتمبر الجاري معرض بعنوان “تورنر واللون”، اكتشف فيه الزوار أعمالا بديعة للفنان الإنكليزي وليم تورنر، الذي كان يعشق الضوء والألوان، وجاب أوروبا بحثا عما يلبي تعطشه إلى ابتكار ألوان متذبذبة يطغى عليها الأصفر ومشتقاته، معلنا عن آفاق تجريدية جديدة.
الاثنين 2016/09/19
ألوان تجمع بين الفيزياء والفلسفة

نشأ وليم تورنر (1775-1851) في وسط متواضع، فأبوه حلاق وأمه ربة بيت تتحدر من أسرة جزارين، لم تعمر طويلا، فأودعه أبوه بعد وفاتها عند خاله بمدينة صغيرة غرب لندن على ضفاف التايمز.

بدأ الرسم منذ بداية تعلمه بمدينة مارغيت، ثم التحق بمدرسة الأكاديمية الملكية للفنون قبل أن يقبل في الأكاديمية نفسها ولم يتجاوز بعد عامه الخامس عشر، هناك تابع دروسا في الفن المعماري والطوبوغرافي دون أن ينقطع عن الرسم، ولكن مهندسا نصحه باختيار الجانب الثاني، أي الرسم، فكان أن قبل أحد رسومه المائية في المعرض الصيفي للأكاديمية، ولم يمض على التحاقه بها سوى سنة، وكانت تلك بداية مسيرة مكللة بنجاحات عديدة، ستقوده عند بلوغه سن السابعة والعشرين إلى حيازة عضوية بالأكاديمية.

تأثر تورنر في بدايته بنيكولا بوسان وريتشارد ويلسن وألبرت كروب وفيليم فان دي فيلد الصغير، قبل أن يفاجئ معاصريه بأسلوب فريد أثار حساده يعتمد أساسا على استعمال المخصوص للألوان، ولا سيما اللون الأصفر، حتى عدّه بعضهم منذ 1826 مصابا بـ”الحمى الصفراء”، وصار قبلة سهام حادة، لم تثنه عن البروز داخل الأكاديمية، ولا عن مواصلة تجاربه في اللون، كوسيلة وموضوع وغاية فنية، ولن تخرس الألسن إلاّ بعد وفاته، حينما اعتبره فنانو الطليعة سابقا لعصره ومبشرا بحركة تجديدية كبرى، على غرار الانطباعيين، الذين سبقهم تورنر في هوس تسجيل الظواهر الطبيعية، والعمل في الهواء الطلق، واستثمار الألوان الخالصة بلمسة خفيفة عجلى.

وكان كلود مونيه وكميل بيسّارو، اللذان اكتشفا عمله في منفاهما اللندني ما بين 1870 و1871 واعيين بذلك، فقد اعترف بيسّارو قائلا “كلنا نتحدر من وليم تورنر، فهو أول من عرف كيف يجعل الألوان ضراما في ألقها الطبيعي”، ثم تلاهما بعد سنين ماتيس، ليؤكد عمق القرابة في بنية الألوان بين لوحات تورنر المائية ولوحات كلود مونيه الزيتية.

تورنر استفاد في اشتغاله على اللون من دراسات لفيزيائيين وعلماء جيولوجيا وأحياء إلى جانب البعض من الشعراء والفلاسفة

ولم يتخلف حتى الأميركي مارك روثكو عن الاعتراف بمدى تأثره بالفنان البريطاني، إذ صرح مازحا عام 1966 “هذا الرجل تعلم مني كل شيء”، ذلك أن تورنر، بتسجيله إحساسه وانطباعه، حقق تجاوزا راديكاليا يتمثل في استعادة مبادئ الرسم واللون والنطاق، وفتح بذلك أبواب الحداثة منذ منتصف القرن التاسع عشر، معلنا عن تيارات فنية سوف تعترف للون بعد قرن بسلطة شكلية مستقلة عن الواقع، كالتجريدية و”كالار فيلد” تلك الحركة التي ظهرت في نيويورك في الأربعينات والخمسينات.

منذ 1790، سنةَ قبوله في الأكاديمية، كان تورنر يضع الألوان مباشرة على القماشة، للفت الانتباه في البداية، ثم صار يعد لوحاته بطبقة فاتحة تضيء الأصباغ الأخرى، وكانت طريقته المسماة “البداية باللون” تتمثل في بسط لونين اثنين هما عادة الأصفر والأزرق، أو ثلاثة ألوان بإضافة الأحمر، على خطوط كبرى أو كتل ضخمة نسبيا، تشكل نقاطا ثابتة في التوليفة، وقد وجدت في مرسمه بعد وفاته عدة رسوم على هذا المنوال.

وقد استفاد تورنر في اشتغاله على اللون من دراسات لفيزيائيين وعلماء جيولوجيا وأحياء إلى جانب البعض من الشعراء والفلاسفة، أهمهم موزيس هاريس (المنظومة الطبيعية للألوان) وإسحاق نيوتن (ضوئيات)، وخاصة غوته الذي عالج في كتابه “رسالة الألوان” الأبعاد العلمية والفلسفية للون، وقد برز ذلك جليا في لوحات مثل “ضوء ولون (نظرية غوته)-الصباح بعد الطوفان؛ موسى يكتب سفر التكوين؛ ظلال وعتمة-مساء الطوفان”.

وبرغم هذه النزعة التجديدية لديه، ظل تورنر فنانا أكاديميا، متجذرا بعمق في تقاليد الفنون الغربية الكبرى، كما بين معرض

أقيم له في “القصر الكبير” بباريس بين عامي 2010 و2011، ومعرض آخر بـ”تيت بريتن” عام 2014.

الطريف أن عنصر قوته الذي ميزه عن معاصريه ومنحه بعد وفاته تلك المكانة الجليلة بين عمالقة الفن، هو الذي كان سبب الانتقادات التي قوبل بها، ونعني به اللون، فقد أبدى تورنر منذ بداية مسيرته شغفا بالأصباغ الساطعة ذات الجدة والطرافة، التي غالبا ما كان مناوئوه يعتبرونها مصطنعة، ويسخرون من “حموضة الأخضر التفاحي” في رسم منظر طبيعي، والحال أنه كان يتخير ما بات متوافرا في الأسواق، كالأخضر الزمردي، وأزرق الكوبالت، والأصفر الليموني أو المائل إلى البرتقالي، والقرمزي.

بدأ باقتناص ألوان فضاء مدينة مارغيت في مقاطعة كِنت، وكان يهيم بسمائها ويعتبرها أجمل ما في الكون، ثم تنقل عبر المناطق الأوروبية، من شمالها الغربي إلى جنوبها المتوسطي، فكان للأضواء والمناظر الطبيعية التي اكتشفها فيها،

لا سيما في مدينة البندقية بإيطاليا، ما طور مقاربته من جهة اللون، ومنحها بعدا عاطفيا بالغ الحساسية، إذ كان تورنر يحرص على نقل روح المكان بقدر ما كان يصور ملمحه المادي.

16