فرنسا تدشّن متحف الرسّام المعماري جان كوتي

شارل كوتي يؤسس متحفا لوالده الفنان الذي طبع القرن العشرين بلوحاته التصويرية.
الاثنين 2020/02/03
كثافة في اللون والمادة (من أعمال الفنان كوتي)

وفاء لروح والده الفنان جان كوتي، تولى شارل كوتي تأسيس متحف بمدينة ليون يحمل اسمه. وكان من الطبيعي أن يتمّ تدشينه مؤخرا بمعرض فني أقيم للفنان الراحل الذي أفنى عمره في تخليد معالم عاصمة بلاد الغول.

ينحدر الفنان الفرنسي جان كوتي (1907 – 1991) من أسرة بسيطة، كانت موزّعة بين الفلاحة وحظائر البناء، ما ولّد لديه رغبة في رسم المعالم التي كانت تجلل محيطه.

فبعد بدايات محتشمة، التحق بمدرسة الهندسة في ليون، حيث حصل على الجائزة الأولى في علم الآثار، قبل أن ينضم إلى ورشة المهندس توني غارنيي، الذي نصحه باختيار الرسم الفني، فصار كوتي يزاوج بين دراسة الهندسة في المدرسة الجهوية للهندسة بليون، ودراسة الفنون بقسم الهندسة التابع لمعهد الفنون الجميلة بباريس، إلى أن حصل على دبلوم في الهندسة المعمارية عام 1933، دون أن يتوقف عن الرسم. بل واصل المزاوجة بين الفنين حتى صار يعرف بالرسّام البَنّاء.

ومنذ ذلك التاريخ، بدأ يشارك في المعارض الفنية مثل صالون المستقلين بباريس وصالون الخريف، قبل أن يلتحق بالمدارس المسيحية بليون حيث درس فن البورتريه. وفي عام 1950، حاز الجائزة الكبرى للنقد التي سبقه إليها برنار بوفي، وكانت بداية سلسلة من الجوائز والأوسمة جللت مسيرته.

تتميز لوحات جان كوتي في عمومها بكبر حجمها، وهذا الميل إلى الأحجام الكبيرة متأتّ حسب مؤرخة الفن ليديا هاربمورغ من تكوينه في الهندسة المعمارية، الذي أثر في طريقته في الرسم، إذ تبدو منظَّمة ومهيكلة بصفة هندسية، ما يجعها متجذرة في واقعها. وقد دأب كوتي على رسم ما يبصره من معالم أحبها وتعلق بها، من كنائس وجسور تعتلي نهري الصون والرون اللذين يشقان مدينة ليون، إلى جانب أحيائها، القديمة خاصة، وحتى ما ينتأ فيها من مشاريع كلوحة “بداية أشغال مترو الأنفاق” عام 1972.

ويقيم “متحف جان كوتي” بمدينة ليون الذي أسّسه ابنه شارل كوتي تخليدا لاسم والده، معرضا يضم مئة وخمسين عملا فنيا، ما بين لوحات زيتية ورسوم هي حصيلة ما أبدعه كوتي طيلة ستين عاما من مسيرته الفنية.

ويُفتتح بأعماله الأولى التي أنجزها خلال ثلاثينات القرن الماضي، وتمثل مشاهد من محيطه، كالصيد على ضفاف نهر الصُّون وجزيرة بارب، ومحطة فيز للسكك الحديدية.. ويتواصل بالثيمات الكبرى التي اشتغل عليها كوتي، بدءا بالبورتريهات، ولوحات طبيعة ميتة، وحظائر البناء، ومشاهد من مدينة ليون، وصولا إلى قاعة كبرى خصّصت للرحلات والمناظر الطبيعية.

ونكتشف في قاعة أخرى تشكيلا جزئيا لمرسم الفنان، وفيه مختلف الأدوات التي كانت بحوزته. أما القاعة الأخيرة، فقد جعلت للرسوم، وتحتوي على مجموعة من أعمال البَستل، ورسوم بالفحم، وأخرى بالحبر، إلى جانب دفاتر تخطيطات. وقد ساهمت بساطةُ المكان وصفاؤُه في إبراز الأعمال المعروضة التي تتّسم في الغالب بكثافة الألوان والمواد.

لوحات كوتي موجهة إلى الخارج ترقب ما يحدث فيه، لكنها تهتم بالدواخل، تبحث داخل كل فرد عن الكوني الذي يوحد الإنسانية
لوحات كوتي موجهة إلى الخارج ترقب ما يحدث فيه، لكنها تهتم بالدواخل، تبحث داخل كل فرد عن الكوني الذي يوحد الإنسانية

وقبل وفاته، قال لابنه شارل “سيكون أمرا جيدا لو تؤسّس متحفا يضم أعمالي”، وها أن الابن يحقّق أمنية والده، بعد ستة وعشرين عاما على رحيله، بإنشاء متحف يحمل اسمه، تتولى إدارته ابنته مريم كوتي، ويضم كافة أعماله، فكان تدشينه حدثا هاما في ليون، عاصمة الغول. وقد اختار شارل كوتي أن يكون موقعه في جزيرة بارب بالدائرة التاسعة، على مسافة أمتار من بيت الأسرة ومرسم الفنان الراحل.

هذا الفنان الذي طبع القرن العشرين بلوحاته التصويرية في مرحلة كانت التجريدية خلالها هي الطاغية، يكشف لزوار المعرض عن وجهه الآخر. فقد اشتهر بكنائسه وحظائره ومناظره الطبيعية، وظل الجانب الآخر من فنه غير معروف إلّا لبعض الخاصة، ونعني به ولعه برسم بورتريهات لفئات متعددة تضم الأقرباء كأبيه جان فرنسوا، وأمه أوجيني، وأخته هنرييت، وأخيه جولين، وابنه شارل الذي يرجع له الفضل في تشييد هذا المتحف، متحف جان كوتي؛ مثلما تضم الناس العاديين من عُبّاد وعابرين ومهمّشين.

ويذكر شارل كوتي أن أباه كان يقول “لا يمكن أن يكون الإنسان فنانا إذا لم يحسن رسم البورتريه. البورتريه هو قمة الفن، وهو أصعب شيء فيه”. في تلك اللوحات، يحرص كوتي على تصوير الحميمية أكثر من تمثل المظهر الخارجي والتشبه به، فنظرته موجهة لا محالة إلى الخارج ترقب ما يحدث فيه، ولكنها تهتم بالدواخل، لأنه يبحث داخل كل فرد عن الكوني الذي يوحد الإنسانية.

ومن ضمن ما قاله كوتي عن فن البورتريه “يلزمني اعتياد لمدة طويلة، وولوج عميق قبل الإقدام على دراسة بورتريه؛ ينبغي أن أعيش الشخصية، أقرأ وجهها وأحسّ أن وراء كل ملـمح، وكل انحناءة أو اعوجاج، يختفي جوهر حقيقتها ومطلقها.. أعود إلى الطبيعة وحدها، أسائلها بلا انقطاع، وأسعى للنفاذ إليها، لأستخلص من الوجه ما يميزها، ويضفي عليها طبعها. أنا أبحث عن الروح خلف النظرة أو البسمة”.

لم يسع جان كوتي إلى المفاضلة بين الواقعية والتعبيرية أو الروحانية، ولا بين الرسم والدهن الزيتي، بل كانت غايته أن يكون شاهدا على واقعه وعلى عصره، ويلتحم بمدينته التي ولد ومات فيها، ليخلّد معالمها ووجوه من سكنوها، من أقرباء وأغراب، من الجنسين، ويسم كل ذلك بميسم إنسانيته العميقة.

16