فرنسا تراجع أهدافها التعليمية: إصلاح ثوري أم تعديل انتقائي

مسعى إلى خلق نظام جديد يسهل الانتقال من المدارس إلى الجامعات بسلاسة.
الثلاثاء 2018/03/20
بحاجة إلى ثورة إصلاحية

باريس - تحتاج المناهج التعليمية في بعض الأحيان إلى مراجعة وإعادة ترتيب وأحيانا أخرى إلى عملية نسف وتقويض بالكامل، إما لعدم تماشيها مع متطلبات التغيير الحاصل في بعض البلدان، وإما لكونها أظهرت فشلها وعدم نجاعتها في تخريج أجيال قادرة على المنافسة في سوق العمل.

وفي مقال تحليلي لفيليب أغيون، الأستاذ في كلية فرنسا وكلية لندن للاقتصاد، وبينيديكت بيرنر الأستاذة المحاضرة في علوم بو بباريس ورئيسة المدافعين عن الحقوق المدنية، خلص إلى أن الحكومة الفرنسية توجّه اهتمامها مستقبليا للقيام بثورة إصلاحية في قطاع التعليم.

ورغم أن فرنسا توفر التعليم المجاني لجميع الطلاب بدءا من رياض الأطفال إلى المرحلة الثانوية، إلا أن متابعين للشأن التعليمي يؤكدون أن الحراك المنتظر أن يحدثه قطاع التعليم لم يكن بالنسق المأمول. ويرتبط ذلك، وفق محللين، بشكل أكثر إيجابية بالنتائج التعليمية في هذا البلد مقارنة بأي دولة أخرى داخل التكتل الأوروبي.

وتجدر الإشارة، وفق الخبراء، إلى أن أكثر من 20 بالمئة من الأطفال الفرنسيين من الأسر العمالية يتسرّبون من التعليم قبل الحصول على أي شهادة مقارنة بنحو 7 بالمئة فقط من أطفال كبار المديرين أو المسؤولين التنفيذيين.

القائمون على التعليم يؤكدون على تغيير النظام لمعالجة ركود الحركة الاقتصادية التي تعيشها فرنسا في السنوات الأخيرة

ويعتبر نظام التعليم العالي في فرنسا فريدا من نوعه، ويرجع ذلك إلى الفجوة العميقة بين جامعاتها وقلة من مدارس النخبة المعروفة باسم “المدارس الكبرى”. وتنفق المدارس الكبرى على كل طالب أكثر بكثير مما تنفقه الجامعات، وهي بالتالي توفر تدريبا مهنيا أفضل بكثير.

والواقع أن 27 بالمئة فقط من الطلاب في الجامعات يحصلون على درجة بعد ثلاث سنوات، ويصبح 25 بالمئة إلى 30 بالمئة من الخرّيجين عاطلين عن العمل بعد عام من تركهم المدرسة.

لكن الأمر الأكثر أهمية هو أن 2.7 بالمئة فقط من الطلاب في المدارس الكبرى، اعتبارا من عام 2017، ينتمي آباؤهم إلى السلم الاجتماعي الاقتصادي الأدنى، في حين ينتمي إليه آباء 66 بالمئة من طلاب الجامعات.

ويدرك القائمون على نظام التعليم أن هذا النظام لا بد أن يتغيّر من أجل معالجة الفجوة في التفاوت وركود الحركة الاقتصادية التي تعيشها فرنسا وحفز النموّ الأكثر شمولية في الأمد البعيد.

وتؤكد الإصلاحات التي يسعى القائمون على التعليم إلى القيام بها أنه يجب التركيز أكثر من أيّ وقت مضى على تعليم المهارات الأساسية ومنها بالأساس القراءة واللغة والحساب خلال المرحلة الابتدائية.

ويرى مسؤولون أن عدد الطلاب في الفصول المدرسية في الأحياء الفقيرة سوف يتقلص إلى حدود 12 طالبا فقط.

ويقول فيليب أغيون “يجب توجيه الاهتمام إلى الاستثمار بشكل كبير في برامج التدريس وغير ذلك من التدابير لمساعدة الطلاب الذين يعانون من صعوبات في التعلّم، والسماح بأداء قدر أكبر من الواجبات المدرسية في المدرسة”.

Thumbnail

ويركّز القائمون على القطاع في فرنسا اهتمامهم أيضا إلى خلق نظام جديد لتسهيل الانتقال من المدارس الثانوية إلى الجامعات.

وحتى الآن، كان الطلاب يُوجّهون إلى الجامعات من خلال نظام يانصيب، والذي يفشل غالبا في توجيههم إلى الجامعات المرموقة أو الفروع المناسبة. لكن بعد تنفيذ جملة من الإصلاحات التي أقرّتها الحكومة الفرنسية، سوف يصبح أداء الطلاب في المدرسة والموضوعات المفضلة من أبرز العوامل المحددة لعملية الالتحاق بالجامعات.

ويقرّ مطلعون على نظام التعليم في فرنسا بأن الامتحان النهائي، البكالوريا، سوف يركز على موضوعين رئيسيين وموضوعين فرعيين وامتحان شفوي، بدلا من تغطية 10 إلى 15 موضوعا مختلفا.

وللحد من معدل الفشل على مستوى شهادة البكالوريا، سوف تفرض الإصلاحات أيضا متطلّبات مسبقة من كل جامعة، بدلا من ضمان الأهلية للجميع. وكل هذا يجعل فرنسا أقرب إلى دول مثل السويد وألمانيا، حيث البطالة أقل كثيرا.

ويعزو محللون لهذا التمشّي الذي تسعى الحكومة الفرنسية إلى السير فيه، إلى تفكير المسؤولين في التفاوت بين الأسر بطريقة جديدة تماما، وهي طريقة تسعى إلى التوفيق بين النموّ ودرجة الحركية التي يخلقها القطاع التعليمي. لذلك تدرك أنه لا بد من معالجة التفاوت بين الأجيال وضرورة العمل على اقتلاعه من جذوره، وهذا يعني أن ذلك يتطلب حلا مسبقا انطلاقا من التعليم، وليس تدابير تالية مثل الضرائب التي تهدف إلى إعادة التوزيع. ولهذا السبب، تركّز فرنسا بشكل كبير على تحسين التعليم على أدنى مستوى وتوفير كل السبل لتيسير عملية الانتقال من المدرسة إلى سوق العمل.

ولم تشهد الحركية التي يمكن أن يخلقها قطاع التعليم في فرنسا أي تغيير كبير منذ عام 1991. ومن خلال الابتعاد عن نظام الأهلية الشاملة على المستوى الجماعي والانتقال إلى نظام أكثر ملاءمة لكل الطلاب بعد المدرسة الثانوية، تصبح معه فرنسا قادرة على الاستفادة من مساواة حقيقية وقدر أعظم على تطوير هذا القطاع.

ويستند نظام التعليم في فرنسا على مجموعة من الأسس أهمها أن التعليم المجاني والإلزامي بين سن السادسة والسادسة عشرة ويتمتع فيه المدرس بصلاحيات واسعة.

ويتكون نظام التعليم الفرنسي من العديد من المراحل أولها مرحلة الحضانة وهي مرحلة تمتد لمدة ثلاث أو أربع سنوات تسبق الدراسة الابتدائية ولا يشملها شرط التعليم الإلزامي، إلا أنها مجانية ويدخلها الطالب في سن السنتين أو الثالثة حتى السادسة. ومعظم الحضانات تابعة للمدارس الابتدائية.

17