فرنسا تزيد الضغوط على إيران من بوابة اليمن

ليس أمام طهران سوى تقديم تنازلات لمنع تحالف أوروبا مع ترامب ضدها وسط انقلاب كامل في الموقف الدولي من الحرب ضد الحوثيين.
الجمعة 2018/03/30
مصافحة قد تكون الأخيرة

باريس - رفعت فرنسا من درجة ضغطها على إيران هذه المرة من بوابة الملف اليمني في وقت تراهن فيه الأخيرة على أوروبا لكبح جماح الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتمسك بالانسحاب من الاتفاق النووي، وما يعنيه من نقض ما ترتّب عنه من انفتاح دولي تجاه إيران وتجميد للعقوبات التي كانت مفروضة عليها.

وقال وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان الخميس إن إيران تزود الحوثيين في اليمن بالأسلحة.

وفي تصريح لإذاعة “آر تي آل”، قال لودريان “هناك مشكلة في اليمن وهي أن العملية السياسية لم تبدأ وأن السعودية تشعر بأنها تتعرض باستمرار لهجمات ينفذها الحوثيون الذين هم أنفسهم يحصلون على أسلحة من إيران”.

ويرى متابعون للشأن الإيراني أن الموقف الفرنسي الجديد يضع طهران في موقف صعب تستحيل معه المناورة، ولن تجد من خيارات أمامها سوى تقديم “تنازلات مؤلمة” للوقوف بوجه التصعيد الفرنسي الأميركي ضد الاتفاق النووي، فضلا عن معارضتهما برنامجها لإنتاج الصواريخ الباليستية.

وأشار المتابعون إلى أن أهمية تصريح لودريان هذه المرة تتمثّل في أنّه يصب في صالح السعودية التي تتهم إيران بكونها مزود المتمردين الحوثيين بالأسلحة والصواريخ، ما يعطي دفعة قوية للموقف السعودي سواء ما تعلق بمشروعية تدخّل المملكة في الحرب، أو التحرك الدبلوماسي الذي يخوضه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لإقناع الغرب بأن إيران تهدد الأمن الإقليمي في المنطقة، وأن استمرار الصمت الدولي سيسهّل لها وضع اليد على مواقع استراتيجية في البحر الأحمر ويجعلها المتحكم في الملاحة الدولية.

ويعتقد هؤلاء أن وضوح موقف باريس من دور إيران في اليمن، بالإضافة موقفي لندن وواشنطن، يشير إلى استدارة كاملة للموقف الدولي من أسباب الحرب في اليمن، لفائدة موقف السعودية التي نجحت في تحقيق نقاط إضافية على حساب إيران في ملفات أخرى مثل العراق ولبنان والبحرين.

وسيصعب تغيّر المشهد مهمّة إيران في فرض الحوثيين كطرف سياسي في أي حل مستقبلي في اليمن. كما أنه قد يساعد خصوم الجماعة الحوثية على المطالبة بنزع سلاحها قبل أي تفاوض لمنع إعادة إنتاج نموذج حزب الله اللبناني في اليمن، وهو مطلب سيقابل بتفهم غربي بعد حادثة إطلاق الصواريخ التي أخرجت الحوثيين بشكل لا لبس فيه من اعتبارهم طرفا محليا إلى وكيل خارجي في الحرب اليمنية.

 

موقف فرنسا من تزويد إيران لميليشيا الحوثي بالسلاح، وإن جاء بمثابة تأكيد للمؤكّد، فإن له قيمة سياسية كبرى تتمثّل في إسناد موقف المملكة العربية السعودية الساعية إلى تكوين أوسع جبهة دولية مناهضة لسلوكات إيران في المنطقة وساعية للحدّ من مخاطر تلك السلوكات على السلام والاستقرار في المنطقة والعالم

وستوسع الخطوة الفرنسية اللافتة دائرة المطالبات إقليميا ودوليا بوقف الدور التخريبي لإيران في العراق وسوريا ولبنان حيث يتمركز حزب الله والذي توجه له أصابع الاتهام بالوقوف وراء تهريب الصواريخ.

وأكد المتحدث الرسمي باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن، العقيد الركن تركي المالكي أن الصواريخ الباليستية التي تطلق من الأراضي اليمنية من قبل الحوثيين هي من صنع إيران، وأنه تم تهريبها إلى داخل اليمن من الضاحية الجنوبية في بيروت، حيث يتم نقلها عبر سوريا، ومن ثم يتم إرسالها عن طريق البحر.

واعتبر مراقبون أن تصريحات لودريان تعكس تغيرا واضحا في المزاج الأوروبي ضد إيران، لافتين إلى أن أوروبا تسير بشكل واضح للحاق بموقف الرئيس الأميركي من الاتفاق النووي، وأن طهران عجزت عن فعل أي شيء لمنع هذا التحول الدراماتيكي في مواقف بعض الدول التي كانت تراهن عليها للوقوف بوجه تشدد ترامب.

ويشدد هؤلاء المراقبون على أن أسلوب إيران التقليدي في اللعب على حبال التناقض الأوروبي الأميركي لم يعد مجديا بعد تصريحات لودريان القوية، وأن الخيار أمامها يكمن في المبادرة إلى تقديم تنازلات ليس في الاتفاق النووي، فالواضح أن واشنطن قررت التحرر من أي التزام تجاهه، ولكن على مستوى أدوارها الإقليمية مثل تسهيل المرور إلى حل سياسي جدي في اليمن حتى لو أن ذلك سيكون هدية للسعودية، خصمها الأوّل في المنطقة.

وفرنسا من أكثر الدول الأوروبية التي أبدت انفتاحا على إيران ودعت إلى الحوار معها، فيما يمثل موقف لودريان انقلابا يسقط المرونة الفرنسية السابقة، خصوصا وأن تصريحات الوزير الفرنسي تعبر عن فشل الزيارة التي قام بها في الخامس من الشهر الجاري إلى طهران.

وسبق للودريان أن طالب الاتحاد الأوروبي بمناقشة دور إيران في سوريا واليمن إضافة إلى برنامجها الصاروخي في إطار السعي للحفاظ على الاتفاق النووي الموقّع معها ومحاولة إقناع الولايات المتحدة بعدم الانسحاب منه.

ويراهن المسؤولون الإيرانيون على أن فرص الاستثمار في بلادهم بعد رفع العقوبات كفيلة بأن تجعل الدول الأوروبية تقف بوجه رغبة ترامب في إنهاء العمل بالاتفاق النووي، وأن أوروبا ستكون خير مدافع عن مصالح إيران طالما ارتبطت بمصالح شركاتها.

لكن الصورة تتغير بسرعة، خاصة أن الدور الذي تلعبه إيران في الشرق الأوسط يهدد على المدى القريب المصالح الغربية ككل، وهو ما سيوسع دائرة الضغوط المسلطة عليها ليس فقط على المستوى الدبلوماسي، ولكن أيضا على المستوى الاقتصادي.

ومنذ أسبوع، أعلنت شركة “توتال” الفرنسية التي كانت أول من ذهب إلى إيران بمجرد رفع العقوبات، أنها تعتزم الانسحاب في حال فرضت الولايات المتحدة عقوبات جديدة على طهران.

3