فرنسا تستعرض فنون مدغشقر وأهميتها الإثنولوجية والجمالية

متحف "برانلي- جاك شيراك" يحتفي بفنون مدغشقر في العاصمة الفرنسية ويحتوي على قطع تشهد جميعها على خصوصية الفن الملغاشي وثرائه.
الاثنين 2018/11/26
رهافة وقداسة

يحتضن متحف “برانلي- جاك شيراك” بباريس حتى نهاية العام الحالي معرضا عن فنون مدغشقر، التقليدية منها والمعاصرة، وهي مناسبة يكتشف فيها الزوار بلدا لم يسبق تسليط الضوء عليه في فرنسا من زاوية تاريخ الفن، رغم كونه من مستعمراتها القديمة.

هو أول معرض يحتفي بفنون مدغشقر في العاصمة الفرنسية، فقد كانت فرنسا لا تنظر إلى منتجات مدغشقر بخاصة، وأفريقيا بعامة إلّا من زاوية إثنولوجية أو إثنوغرافية.

ورغم تغير تلك النظرة منذ الثلاثينات، وبداية اهتمام مؤرخي الفن ونقاده بالفن الأفريقي، لم تحظ مدغشقر بغير معرض وحيد عام 1946 لم يغادر تلك النظرة الاستعمارية التي تعتبر مبتكرات الشعب الملغاشي فنا بدائيا، أو مستنسخا من الفنون الآسيوية.

ويحتوي المعرض المقام حاليا بمتحف “برانلي- جاك شيراك” الباريسي على ثلاثمئة وخمسين قطعة، تم اختيارها حسب أهميتها الإثنولوجية، والجمالية أيضا. وتتكون من أعمال تقليدية وأخرى معاصرة، تشهد جميعها على خصوصية الفن الملغاشي وثرائه، منها ما هو أركيولوجي، ومنها ما يحيل على قوى قديمة، سياسية كانت أم مقدسة، فضلا عن أعمال من القرن التاسع عشر تمثل عهد تأسيس المملكة الملغاشية، ثم مرحلة استعمار الفرنسيين للجزيرة عام 1897، وأخرى معاصرة من إنتاج فنانين محليين.

وهذا ليس غريبا على جزيرة أشبه بقارة صغيرة كانت حتى قبل أن يكتشفها الأوروبيون في مطلع القرن السادس عشر مزيجا مدهشا من الأعراق والأجناس، تولد عن وفود أفواج من الرحالة والتجار والقراصنة والغزاة والمهاجرين القادمين من البلدان الأفريقية المجاورة ومن شبه الجزيرة العربية وبلاد فارس والهند، فضلا عن شعوب جنوب شرق آسيا.

هذا الخليط أفرز ثقافة ذات أوجه متعددة، وفنونا متنوعة تتجلى في هندستها المعمارية وفي معيش سكانها اليومي وصناعة أثاثهم وتحفهم ومجوهراتهم وألبستهم ومنقوشاتهم وزخارفهم ومنحوتاتهم التي يستعمل بعضها في الأفراح وبعضها الآخر في المآتم، ولعل أهم القطع المعروضة العمود الجنائزي المحفوظ في اللوفر، وتوأمه في متحف ميتروبوليتان بنيويورك، إلى جانب القطع الأثرية الأخرى التي استعارها المنظمون من متحف الفن والآثار بجامعة أنتناناريفو.

350 قطعة بين أعمال تقليدية وأخرى معاصرة، تشهد على خصوصية الفن الملغاشي

ويتوزع المعرض على ثلاثة أقسام، حيث جعل القسم الأول للتذكير بموقع مدغشقر في الفضاء والزمن، مدغشقر تلك الجزيرة المترامية الأطراف التي تعادل مساحتها مساحة فرنسا ولوكسمبورغ وبلجيكا وهولندا مجتمعة، والتي تقع في المحيط الهندي قبالة الساحل الجنوبي الشرقي لأفريقيا، وتمتاز ببيئة رائعة جلبت نحوها أطماع شعوب كثيرة، منهم التجار ومنهم القراصنة ومنهم المحتلون الذين سوف يخضعون شعوب الجزيرة قاطبة لسلطانهم.

وخصّص القسم الثاني لفنون عالم الأحياء، والأدوات المنزلية اليومية، ويتبدّى في صنعتها الاقتصاد في استعمال المواد، حيث العناية بـ”الأشكال المفيدة”، أي تلك التي تنحصر في الجدوى، على غرار الديزاين في مفهومه الأساس. ولكن كلّ عنصر من عناصر المنزل، وكل أداة خاصة أو ذات استعمال عام تخضع لقاعدة لا يمكن المحيد عنها، قاعدة تفصل بين الفضاء المقدس والفضاء غير المقدس، وتحكمها دائرة البروج الملغاشية، المعروفة بـ”فينتانا”.

أما القسم الثالث، فهو مخصّص للعلاقة بين العوالم اللامرئية والموازية وعالم الأموات، تلك العلاقة التي تشكل سمة بارزة في الفن الملغاشي، فمن خلال الأشياء المعروضة، يقع الإيحاء بحدود عالم لا يمكن الإمساك به، ألا وهو عالم الأرواح والأجداد الغابرين، الذين يُجسَّد تقديسهم بواسطة أنسجة وأكلات شعائرية تتخلل الاحتفالات التي تهدف إلى ربط الصلة بين الأحياء والأموات،  والمعلوم أن تلك الاحتفالات المقدسة تعكس رؤية فريدة للموت، حيث لا ينظر إليه الملغاشيون كنهاية، هذا إلى جانب أدوات السحر والتنجيم التي تستعمل خلالها المنحوتات والتعويذات، وكلها ذات صناعة دقيقة تشهد على مهارة فائقة.

والملاحظ أن كل قسم من أقسام المعرض يشتمل على صور شمسية ووثائق ورسوم وحتى محامل معلوماتية تذكر بالظرف التاريخي الذي أنجزت فيه، والتقنيات التي استعملت لإنجازها، ومن خلال الجمع بين شهادات قديمة وقطع أثرية وبين أعمال فنانين أحياء، يعطي المعرض فكرة عن التاريخ بوجه عام، وتاريخ الفن في الجزيرة الكبرى بوجه خاص، في فترة تقدَّر بعشرة قرون.

تلك الأنطولوجيا تهدف أيضا إلى الخروج من الخطاب الكولونيالي الذي كان يحتقر الأعمال الفنية الملغاشية أو يقلل من شأنها، مثلما تهدف إلى الربط بين الماضي والحاضر، للتأكيد على التواصل بين مآثر السلف، ومنجزات الخلف حيث تحضر عدة أسماء معاصرة مثل المصور بييرو مان، والتشكيلي تيماندروتا، والنساجة مدام زو، وعائلة إيفيامبيلو، وأغلبهم يعرفون الفن القديم ويجعلون له أصداء مع الفن المعاصر، ليبينوا أن الفن في مدغشقر ليس ملكا للماضي.

ويقول أوريليان غابوريت مفوض المعرض “لئن كانت بلدان أفريقيا الوسطى تتميز بمنحوتاتها الضخمة، فإن الفن الملغاشي يتسم بالرقة والرهافة، سواء في الأنسجة والدباغة أو في رصف اللآلئ والنقوش والزخارف، حتى النحت فيه رهيف رفيع، وهذا شيء فريد، لا يمكن مقارنته بما يبتكر في بلدان أخرى، حتى في البلدان الأفريقية المجاورة”.

16