فرنسا تطرق أبواب النجف لتمهيد طريق العودة إلى العراق

مجاملة لودريان للحشد الشعبي من منطلق المعرفة بسطوته على القرار السياسي العراقي.
الأربعاء 2019/01/16
دغدغة المشاعر الدينية لتحقيق أهداف اقتصادية

فرنسا التي تعيش أزمة سياسية واجتماعية مرشّحة للتأثير على الوضع الاقتصادي، تختلف أهدافها واهتماماتها في العراق عن الولايات المتحدة التي من أولوياتها التصدي للنفوذ الإيراني وتحجيمه، بينما تريد فرنسا الحصول على فرص استثمارية تراها متاحة، وهي مستعّدة لأجل ذلك للعمل مع حلفاء طهران في العراق.

النجف (العراق) - انطوت زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، الثلاثاء، إلى مدينة النجف بجنوب العراق، وهي الأولى لمسؤول فرنسي من هذا المستوى للمدينة ذات القدسية لدى الشيعة، على مجاملة للقوى الدينية الشيعية ذات السلطة الروحية والصلات القوية مع الأحزاب الدينية الحاكمة في العراق.

وكشفت زيارة لودريان للعراق، والتي اختتمها الثلاثاء، بزيارة أربيل مركز إقليم كردستان العراق، عن مساع فرنسية للمنافسة على دور اقتصادي في عراق ما بعد تنظيم داعش، حيث تتوقّع باريس أن تتاح لها فرص استثمارية كبرى في عدّة مجالات، لا سيما مجال الطاقة، والبنى التحتية في نطاق برنامج إعادة إعمار المناطق المدمّرة خلال الحرب على تنظيم داعش، والذي تقدّر السلطات العراقية تكلفته المالية بأكثر من 80 مليار دولار.

وبخلاف الولايات المتّحدة الأميركية، لا تبدو باريس التي تشهد مصاعب اقتصادية وأزمة سياسية واجتماعية، بسبب الحراك الاحتجاجي لـ“السترات الصفراء”، كثيرة الاهتمام بمواجهة النفوذ الإيراني في العراق.

ولفرنسا رصيد من التعاون التقني والعسكري والاقتصادي في العراق خلال مرحلة حكم حزب البعث، لكنّها اضطرّت إلى الانكفاء تاركة الساحة لقوى أخرى على رأسها الولايات المتحدة.

وحرص لودريان خلال زيارته للنجف، حيث التقى آية الله محمد سعيد الحكيم أحد المراجع الشيعية الأربعة، على الثناء على الفتوى الدينية التي أصدرتها مرجعية علي السيستاني عام 2014 تحت عنوان “الجهاد الكفائي” ونتج عنها تشكيل ما عرف بالحشد الشعبي الذي جمع العشرات من الميليشيات المسلّحة لمواجهة تنظيم داعش الذي غزا العراق في تلك السنة واحتل ما يقارب ثلث مساحته.

ومنذ ذلك الحين أصبحت للميليشيات الشيعية التي يرتبط أغلبها بعلاقات وثيقة مع إيران سطوة عسكرية وسيطرة على الأرض ترجمتها لاحقا إلى سطوة سياسية حين شكّل قادتها تحالفا انتخابيا تحت مسمّى تحالف الفتح أحرزوا من خلاله 47 مقعدا في البرلمان، ثمّ وسعوا تحالفهم ليضم قوى أخرى ضمن تحالف نيابي يحمل اسم تحالف البناء، وهو مؤثر فعلا في القرار الحكومي.

وبحسب مصادر عراقية علّقت على زيارة لودريان للنجف، فإنّ “مجاملة وزير الخارجية الفرنسي للحشد الشعبي مقصودة ومدروسة وهادفة لكسب ودّ قادته، ومن خلفهم إيران، لتسهيل وصول فرنسا إلى السوق الاستثمارية العراقية”.

وقال لودريان في مؤتمر صحافي عقب لقائه بالمرجع محمد سعيد الحكيم، إن “فرنسا ممتنّة جدا لروح الاعتدال التي تتمتع بها مرجعيات النجف الأشرف، ونحن نثني على فتوى المرجعية الدينية التي تمكنت من خلالها من حشد العراقيين للتصدي لإرهاب داعش”، مذكّرا بأنّه “أوّل وزير خارجية فرنسي يزور النجف”.

بخلاف واشنطن لا تبدو باريس كثيرة الاهتمام بمواجهة النفوذ الإيراني في العراق بقدر اهتمامها بالحصول على فرص استثمارية

وتعد النجف من أهم المدن المقدسة لدى الشيعة في العالم، ومقرا لنفوذ سياسي مهم في العراق منذ غزو البلد من قبل الولايات المتحدة سنة 2003 والإطاحة بنظام الرئيس الأسبق صدّام حسين.

وكان لودريان، قد التقى خلال زيارته للعراق برئيس الجمهورية برهم صالح ورئيس الوزراء عادل عبدالمهدي قبل أن يتوجه، الثلاثاء، إلى إقليم كردستان العراق حيث التقى رئيس وزراء الإقليم نيجيرفان البارزاني.

وأعلن الوزير الفرنسي، عن تقديم بلاده قرضا للعراق بقيمة مليار يورو على مدى أربع سنوات لدعم مشاريع إعادة الأعمار في البلد الذي يعاني نقصا حادا في مجال الكهرباء والخدمات العامة.

وقال لودريان إنّ “الشركات الفرنسية متواجدة بالكامل من أجل المساهمة في إعادة إعمار العراق”، مذكرا في الوقت ذاته بأن القوات الفرنسية كانت منذ بداية الهجوم ضد تنظيم داعش إلى جانب القوات العراقية.

ومن جهته دعا محافظ النجف لؤي الياسري، الثلاثاء، الشركات الفرنسية إلى الاستثمار في المحافظة بمختلف المجالات.

وقال مكتب المحافظ في بيان إنّ “النجف مدينة ذات طابع ديني وتاريخي وثقافي عريق ولها دور كبير في حفظ أمن العراق واستقراره ومتابعة العمل السياسي فيه وهي تحرص من خلال المرجعية الدينية العليا على العبور بالعراق والشعب العراقي إلى بر الأمان وإصلاح الواقع للأحسن والأفضل”.

ودعا الياسري “المؤسسات العلمية والاقتصادية الفرنسية للإسهام في تطوير مؤسساتها المشابهة في النجف”، كما وجه الدعوة “للشركات الفرنسية الكبرى للاستثمار في المحافظة في مجالات الصناعة والتجارة والزراعة والتعليم والسياحة وغيرها من القطاعات”.

ويبدو العراق للعديد من القوى الدولية، ساحة استثمارية واعدة بما يمتلكه البلد من موارد وإمكانيات أغلبها غير مستغلّة. ورغم الهزيمة التي ألحقتها القوات العراقية بالتعاون مع التحالف الدولي، بتنظيم داعش في حرب الجبهات التي أنهت سيطرته على مناطق واسعة في البلاد، إلاّ أن العراق لم يحقّق بعد استقراره الكامل ليكون بيئة استثمارية آمنة.

فمن جهة ما تزال فلول التنظيم وخلاياه النائمة تتهدّده، ومن جهة ثانية لا تزال سلطاته السياسية ضعيفة ورهن قوى غير نظامية وميليشيات مسلّحة تنازع الدولة سلطتها، فضلا عن استشراء آفة الفساد المنفّرة للمستثمرين.

3