فرنسا تفرض أول نواة للجيش الأوروبي

برلين تدعم إرسال قوات أوروبية للعمل خارج الاتحاد، وواشنطن تخشى من تعاون أوروبي يتجاوز الناتو.
الجمعة 2018/04/06
في الاتحاد قوة

باريس - كشفت مصادر في وزارة الدفاع الفرنسية أن الحكومة ستدشّن في يونيو القادم قوة عسكرية أوروبية قابلة للانتشار لمواجهة الأزمات خارج نطاق جهود الاتحاد الأوروبي الحالية، ضمن حزمة إصلاحات يقودها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قوبلت بدعم ألماني وتحفظ أميركي.

وتهدف المبادرة إلى جمع بلدان أوروبية تتمتع بقدرات عسكرية ورغبة سياسية للتعاون في تخطيط وتنفيذ تحليلات مشتركة للأزمات الطارئة والتصدي لها على وجه السرعة.

وقالت مصادر دبلوماسية إن القوة “لن تعمل داخل الاتحاد الأوروبي وستسمح لدول من خارجه مثل بريطانيا بأن تكون جزءا منها”.

وذكرت ذات المصادر أن هدف المشروع هو التكهن بالأزمات المستقبلية سواء كانت عسكرية أو إنسانية مثل العواصف التي وقعت مؤخرا في الكاريبي وتجنّب مواقف تضطر فيها دولة واحدة للتدخل بمفردها كما فعلت فرنسا في مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى.

وتحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن الخطوط العامة لفكرة وجود قوة أوروبية للتدخل السريع بنهاية العقد خلال خطاب مهم عن أوروبا ألقاه في سبتمبر الماضي، على الرغم من وجود بعض مجموعات التدخل التكتيكية التابعة للاتحاد الأوروبي التي لم يتم استخدام أي منها حتى الآن.

الاتحاد الأوروبي يسعى إلى تعزيز دفاعاته العسكرية والأمنية من خلال العمل على إيجاد صيغ تشاركية أوروبية ترقى بالعمل المشترك إلى مستوى التحديات الأمنية المطروحة.

أيّدت ألمانيا مارس الماضي، مساندتها للفكرة في ضوء الحاجة إلى تحسين التعاون الأوروبي في مواجهة الأزمات، رغم تاريخها في مقاومة أي مهام عسكرية تنطوي على استخدام القوة.

ودعت برلين إلى أن تكون القوة في إطار اتفاق التعاون المنظم الدائم الدفاعي الجديد بين حكومات الاتحاد الأوروبي، فيما أكد مسؤولون فرنسيون أن المبادرة الجديدة لن تكون بديلا عن اتفاق التعاون المنظم الدائم.

وتعود إمكانية الاتفاق على تعاون منظم دائم بين دول الاتحاد الأوروبي إلى معاهدة لشبونة الموقّعة سنة 2009، حيث لم يتمكّن الأوروبيين من تفعيل الاتفاق بسبب معارضة بريطانيا للمقترح.

ولا يشارك في هذا التعاون كل من الدنمارك وبريطانيا ومالطا، فالدنمارك لا تشارك عادة في السياسة الأمنية والدفاعية الأوروبية المشتركة، وبريطانيا تعتزم الخروج من الاتحاد الأوروبي.

ويأتي مشروع تأسيس قوة عسكرية أوروبية قابلة للانتشار لمواجهة الأزمات خارج نطاق جهود الاتحاد الأوروبي، ضمن حزمة من الإصلاحات داخل التكتل الأوروبي تقودها فرنسا وتؤيدها ألمانيا، ما أثار مخاوف حلف شمال الأطلسي تجاه السياسات الأوروبية التي يبدو أنها ترنو إلى المزيد من الاستقلالية عن الولايات المتحدة.

وتوصّل وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي مؤخرا، الى التوافق حول حزمة مشاريع للتعاون في مجال الأمن والدفاع (بيسكو)، ما يمهّد الطريق لشراكة دفاعية وأمنية أكثر استقلالا عن الولايات المتحدة.

وأقرّت دول الاتحاد، للمرة الأولى، إقامة تعاون عسكري دائم، ما يؤكد التوجّه نحو بناء جيش أوروبي موحد، فيما أعلنت رئيسة الدبلوماسية الأوروبية، فيديريكا موغيريني، أن الاتحاد الأوروبي سيطلق حزمة مشاريع للتعاون في مجال الدفاع والأمن.

ينس ستولتنبرغ: يجب ألا يصبح الاتحاد الأوروبي بديلا عما يفعله حلف شمال الأطلسي
ينس ستولتنبرغ: يجب ألا يصبح الاتحاد الأوروبي بديلا عما يفعله حلف شمال الأطلسي

ويرى مراقبون أن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى تأسيس دفاع أوروبي مشترك باتخاذ خطوات تدريجية، مثلما تّم تأسيس الاتحاد بعد إجراءات بسيطة حول التجارة والتعاون الاقتصادي انطلقت مند أواخر خمسينات القرن الماضي.

وكانت الدول الأوروبية بما في ذلك غير الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وهي النمسا وقبرص وفنلندا وسويسرا أخبرت رسميا الاتحاد الأوروبي، في نوفمبر الماضي، عن نواياها البدء بتنفيذ التعاون الدائم المنظم، وانضمت إليه لاحقا البرتغال وأيرلندا. ومن شأن هذا التعاون أن يؤول، على المدى المتوسط، إلى تأسيس اتحاد دفاعي أوروبي حقيقي، ما يجعل الاتحاد الأوروبي أكثر مرونة واستقلالية عن الولايات المتحدة.

وعرض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مقترحات لإصلاح الاتحاد الأوروبي، لاقت دعما من قبل عدد من الدول الأعضاء، تهدف إلى السماح للاتحاد بإحراز تقدّم في كل القضايا المطروحة عليه مع الدول التي ترغب في المضيّ قُدما، من غير أن تتمكن البلدان التي لا ترغب في ذلك من منع الآخرين من التقدم.

وأثارت مبادرة الدفاع الأوروبية مخاوف أميركية، ما يهدّد بالانعكاس سلبا على وحدة التحالف، في وقت تحاول الولايات المتحدة دفع شركائها الأوروبيين إلى الترفيع في نفقات الدفاع المخصصة للحلف. وحذّر الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ من إغلاق الأسواق العسكرية الأوروبية أمام الولايات المتحدة والدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، مذكرا الحلفاء الأوروبيين بحدود مبادرتهم الدفاعية.

وقال ستولتنبرغ إن “مبادرة الدفاع الأوروبية إن كانت مصممة بشكل جيد، يمكن أن تساهم في توزيع عادل للأعباء”، حيث يخشى الأميركيون، بصورة خاصة، إغلاق أسواق الدفاع في دول الاتحاد الأوروبي أمام الشركات الأميركية لصالح الشركات الأوروبية.

وأضاف “يجب ألاّ يصبح الاتحاد الأوروبي بديلا عمّا يفعله الحلف”، مشيرا أنه “لا معنى لدخول الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي في منافسة”، ردا على ما يبدو على المخاوف التي أعرب عنها الوفد الأميركي برئاسة وزير الدفاع جيمس ماتيس بشأن مبادرة الدفاع الأوروبي الموحد. وأقرّ الأمين العام للحلف بوجود “خلافات في وجهات النظر”، لكنه نفى أن يوجد قصور في الثقة بين الأميركيين والأوروبيين، متابعا “إننا بحاجة إلى المزيد من الأموال والقدرات”، حيث تعهدت دول الحلف بزيادة إنفاقها العسكري ليصل إلى 2 بالمئة من إجمالي ناتجها الداخلي بحلول 2024.

وقالت مسؤولة الأمن الدولي لدى وزارة الدفاع الأميركية كيتي ويلبارغر “ندعم المبادرة الأوروبية شرط أن تكون مكملة ولا تنتقص من نشاطات وحاجات الحلف الأطلسي”، مضيفة “لا نريد أن ينتقص الاتحاد الأوروبي من وسائل الحلف الأطلسي”.

وتأتي المخاوف الأميركية في وقت يعتزم فيه الجيش الألماني تأسيس مركز قيادي جديد لحلف شمال الأطلسي لإسراع عمليات نقل القوات والعتاد.

5