فرنسا تقرأ القرآن.. هل تتغير النظرة إلى الإسلام

الأربعاء 2015/04/08
هل يغير اهتمام الغرب بدراسة القرآن صورة التطرف والعنف الملصقة بالإسلام

باريس -تأكيد الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند على أن منفذي العمليات الإرهابية في باريس لا علاقة لهم بالديانة الإسلامية، حينما علق على الهجوم الذي استهدف الصحيفة الساخرة “شارلي إيبدو”، جعل الفرنسيين يحاولون معرفة المزيد عن الدين الإسلامي وقد ظهر هذا التوجه من خلال إقبالهم على اقتناء كتب القرآن وتفسيراته لفهم هذا الدين، فهل هو دين العنف والتطرف كما تُصوّره أعمال حركات الإسلام السياسي الجهادية؟ وهل تتغير صورة الإسلام تبعا لهذا التوجه في دراسة الأديان والذي بدأت ملامحه في الظهور داخل المجتمع الفرنسي؟

يبذل عدد من الفرنسيين جهودا لفهم الثقافة الإسلامية بشكل أفضل بعد الاعتداءات التي نفذها جهاديون في باريس في يناير، فيبدي بعضهم اهتماما بقراءة القرآن والمطبوعات التي تتناول الإسلام.

وتزايدت مبيعات الكتب المتعلقة بالإسلام خلال الفصل الأول من عام 2015 بحوالي ثلاثة أضعاف عن الفصل الأول من عام 2014، وفق دراسة تستند إلى أرقام 30 من كبرى المكتبات الفرنسية. وهي زيادة لافتة ولو أنها تبقى متواضعة على صعيد الأعداد إذ تمثل كتب الدين أقل من 1 بالمئة من مجموع مبيعات المكتبات الفرنسية، بحسب نقابتها.

غير أن الاعتداءات التي أوقعت 17 قتيلا ونفذها ثلاثة شبان فرنسيين مسلمين استهدفوا مقر أسبوعية “شارلي إيبدو” الساخرة ورجال أمن ومتجرا يهوديا، ولا سيما مع اقترانها بالفظاعات التي يرتكبها تنظيم داعش في الأراضي التي يسيطر عليها في سوريا والعراق، أثارت صدمة في المجتمع الفرنسي الذي يضم أكبر مجموعة إسلامية في أوروبا قوامها ما بين أربعة وخمسة ملايين نسمة.

وقال فابريس غيرشيل مدير مجلة “فيلوزوفي” إن “الفرنسيين يطرحون على أنفسهم أسئلة متزايدة ويقتنعون أقل بالأجوبة السطحية التي يجدونها في الإعلام”. وأصدرت مجلته عددا خاصا لشهر مارس/أبريل 2015 بعنوان “القرآن نفد تقريبا من أكشاك العاصمة”.

الـ\'كوليج دو فرانس\' استحدث كرسيا أستاذيا لتدريس القرآن، لتعزيز الدراسات العربية والتعمق في فهم الحضارة الإسلامية

وأوضحت ماتيلد مايو من مكتبة “لا بروكور” الدينية في باريس، وهي من إحدى أكبر المكتبات المتخصصة في أوروبا، أن القاسم المشترك لجميع الذين يقبلون على شراء مطبوعات حول الإسلام هو السعي إلى “الفهم والاستعلام” حتى “يصوغوا رأيهم الخاص” بشأن الاسلام.

وقال إيفون غيلابير مدير مكتبة “سيلوي” “قصدتني زبونة كاثوليكية ملتزمة جاءت تشتري نسخة من القرآن لأنها أرادت أن تفهم بنفسها إن كانت هذه ديانة عنيفة أم لا”.

وقال باتريس بينار وهو من الزبائن الأوفياء لمكتبة “لا بروكور” “اشتريت كتاب ‘الكاهن والإمام’ وأعتبر ذلك في غاية الأهمية وعلى الأخص في هذه المرحلة، يجب أن نعرف كيف نتخطى الناحية المتطرفة الصرفة لنرى ما يمكن أن تقدمه الأديان”.

ومع هذه الحاجة إلى فهم الإسلام يجدد الاهتمام الأكاديمي بالديانة الإسلامية، فقد استحدث معهد “كوليج دو فرانس” للدراسات العليا في فرنسا كرسيا أستاذيا لتدريس القرآن، وذلك لتعزيز الدراسات العربية و”التعمّق في فهم الحضارة الإسلامية”.

وأطلق على هذه المادة اسم “تاريخ القرآن، النص وتناقله”، وأوكلت مهمة تدريسها إلى المتخصص بالمخطوطات العربية فرنسوا ديروش. وأراد القيمون عليها بذلك “مواصلة تقليد عريق من الدراسات العربية وفتح فصول جديدة من معارف الفرنسيين حول الحضارة الإسلامية”.

وقال فرانسوا ديروش “سيكون الكتاب المقدس والقرآن على قائمة برامج المعهد على حد سواء”. وأضاف “أعتزم مراجعة النص القرآني مع النظر إلى خلاصات الأبحاث المعاصرة حول المخطوطات القرآنية العائدة إلى القرون الأولى للإسلام”.

وقال جان روني الأستاذ في السوربون إنه بدأ هو أيضا بقراءة القرآن، ونظرا إلى الوضع السائد أضفت دورتين مخصصتين للأديان التوحيدية إلى دروسي في الثقافة العامة الموجهة إلى الطلاب الذين يدرسون ليصبحوا قضاة.

الفرنسيون يطرحون على أنفسهم أسئلة متزايدة ويقتنعون أقل بالأجوبة السطحية التي يجدونها في الإعلام

كما أن الإقبال على اقتناء الكتب التي تعنى بالدين والحضارة الإسلامية سجل الحضور نفسه بين المسلمين أيضا. وقال منصور منصور مدير دار “البراق”، إحدى دور النشر الرئيسية لكتب الديانة الإسلامية باللغة الفرنسية، ومقرها في أوزوار لا فيريير قرب باريس “إن مبيعات المصاحف ازدادت بنسبة 30 بالمئة في الفصل الأول.. والأمر نفسه حصل بعد 11 سبتمبر 2001”.

وهذه المرة تبدو له الظاهرة أكثر استدامة “لأن الإسلام سيستمر في طرح مشكلة على الصعيد الجيوسياسي”.

غير أن منصور حذر من أن قراءة القرآن أمر عسير على غير المطلعين على الإسلام وقال “أنصح بعدم البدء بقراءته أولا، بل أوجه الزبائن إلى سيرة النبي”. وتابع منصور إنه بالنسبة إلى القرآن “لا بد من امتلاك تفسير لقراءته لتفادي التأويلات الخاطئة للآيات وإخراجها من سياقها، معربا عن غضبه حيال الإرهابيين الذين يستغلون القرآن”.

وفيما تتابع فرنسا بذهول رحيل المئات من الشبان الذين جنحوا للتطرف إلى سوريا طالبين “الجهاد” في صفوف التنظيمات الإسلامية، يقر منصور بأن دار الكتب التي يمتلكها عمدت إلى “سحب” بعض المؤلفات التي تضمنت تفسيرا “حرفيا للغاية” للقرآن.

وهي بادرة لقيت ترحيبا ولا سيما من الجانب الكاثوليكي، وقال كلود برنتي مدير مطبوعات “بياتيتود” الدينية الفرنسية “كان هناك في أوساط إسلامية معينة رفض لتحليل نقدي للنص، لكنني أرى أن بعض المفكرين المسلمين يتطورون أيضا”.

13