فرنسا تلجأ إلى المناصحة لاستيعاب الشبان الميالين للتطرف

الخميس 2016/09/22
تأملات حول مآسي الإرهاب في فرنسا

باريس – صرح الوزير الفرنسي للشباب، باتريك كانر، بأنه “لا توجد حلول عجائبية” لمشكلة نزع الأفكار المتطرفة. وأضاف “لكن على الدولة الاهتمام بذلك، وما يزيد من أهمية المسألة هو أن مكافحة الإرهاب مسألة أساسية في حملة الانتخابات الرئاسية في 2017”.

هذا التصريح كان فعلا معبرا عن إجراء جديد قامت به السلطات الفرنسية مؤخرا، وهو عزمها خلال الأسبوع الجاري على إنشاء مركز فريد من نوعه لاستقبال الشبان البالغين الذين يغريهم التطرف، في رهان جديد على أمل تطويق قدرة الجهاديين على التجنيد.

ويستعد أول مركز “للوقاية والاستيعاب والمواطنة” لاستقبال ستة من النزلاء المتطوعين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عاما في بومون-اون-فيرون، وسط غرب البلاد، وقد يرتفع عددهم إلى 25 يشرف عليهم حوالي ثلاثين شخصا تم تأهيلهم لهذه المهمة. وفي السياق، يؤكد عالم الاجتماع، جيرالد برونر، الذي سيعمل في المركز، أن هذا المكان لن يستقبل محكومين أو “عائدين” من سوريا بل أفرادا “ضلوا طريقهم”. وأضاف أن “الهدف هو تنمية جهاز المناعة الثقافي لديهم، أي تطوير حسهم النقدي” في مواجهة “الأيديولوجيات التي تدعو إلى القتل” وإلى نظريات المؤامرة. وتابع أن “وجود أي شاب في المركز سيجعله منقطعا عن عدد من المصادر وعن التفاعل” الذي يمكن أن يعرضه للدعاية الجهادية.

وصرحت الأمينة العامة للجنة الوزارية لمكافحة الجنحة والتطرف، مورييل دوميناك، بأن هؤلاء الشبان البالغين من الجنسين الذين أبلغت عائلاتهم عن معظمهم، ورصدت السلطات المحلية بعضهم “تمت مشاورتهم وتطوعوا لهذه الخطوة”.

ويتضمن البرنامج مواد التاريخ والديانة والفلسفة والتعليم على وسائل الاتصال والرياضة، وكل هذا في إطار منضبط ضمن ساعات محددة بصرامة وارتداء زي موحد ورفع العلم أسبوعيا. والهدف من هذا البرنامج الذي يستمر عشرة أشهر هو إعادة دمجهم بالمجتمع وبالحياة العملية.

جيرالد برونر: الهدف هو تنمية جهاز المناعة الثقافي لديهم، أي تطوير حسهم النقدي

وبينما تواجه فرنسا تهديدات جهادية غير مسبوقة، تبدو التوقعات كبيرة من مثل هذه الإجراءات، إذ تضم فرنسا على أرضها 15 ألف شخص اعتنق التطرف بينهم أكثر من 300 يشتبه بتورطهم في شبكات إرهابية أوقفوا منذ مطلع 2016، لكن السلطات تلتزم الحذر. وقالت دومينانك “إنه ليس لقاحا ولا عصا سحرية”، مشددة على الجانب التجريبي للمشروع.

ومنذ 2014، تتحرك فرنسا في إطار سياسة غير مجدية بشكل تام في سبيل مكافحة الفكر المتطرف، وخصصت في السنتين الأخيرتين حوالي عشرين مليون يورو لمكافحة التطرف، فالمراكز الجديدة التي سيبلغ عددها 13 بحلول 2017، تكمل مجموعات الخيارات المطروحة في فرنسا بعيدا عن السجون، من تخصيص رقم هاتف مجاني للإبلاغ عن حالات التطرف ومواكبة السلطات والجمعيات المحلية للأفراد التي يستفيد منها اليوم 2375 شخصا، والصعوبة الأساسية تبقى معرفة فاعلية الأسلوب. ويقول جيرالد برونر “سيجرى اختبار تقييمي” مع أطباء نفسيين، معترفا بأنه “لا يمكن أن نكون متأكدين بنسبة مئة في المئة وقد تكون هناك استراتيجيات للتلاعب”. ويواجه هذا المركز حتى قبل أن يبدأ معارضة ممن يتوقعون فشله، ويصل بهم الأمر إلى التحذير من هذه الخطوة.

ويخشى مراد بنشلالي، المعتقل الفرنسي السابق في سجن غوانتانامو الأميركي العسكري الذي ينشط اليوم في مكافحة جذب الشبان المسلمين إلى التيارات الجهادية، من أن يأتي المشروع “بنتائج عكسية”، وقال إن “وضع شبان ليسوا متطرفين فعلا في مركز مغلق، أمر لا معنى له”، وأضاف “إنهم يواجهون خطر الانغلاق في شخصية تتبنى التطرف. إذا وضعوا جميعا مع بعضهم فلن يفكروا إلا بذلك”.

وأضاف أن مواكبة الشبان الذين لم يتشربوا التطرف يجب أن تجرى بشكل فردي وفي وسط منفتح عبر خبراء يمكنهم إقامة علاقة تعاطف وعلاقة ثقة، كأن يكونوا معلمين في الحي، وقال الخبير السياسي في التيار الجهادي، عاصم الدفراوي، “أجد أن هذا المشروع إشكالي وينطوي على مجازفة”، وأضاف “حتى الآن وحدها الأنظمة الاستبدادية أقامت مراكز مثل سنغافورة والسعودية.. لا تحبذ أي حكومة مثل هذه الطريقة في أوروبا”.

6