فرنسا تمسك بأول خيوط اعتداءات ليلة الجمعة السوداء

لم يشفع لفرنسا إحباط أجهزتها الأمنية خمسة مخططات إرهابية منذ هجوم شارلي إيبدو. فبعد هول الصدمة الناجم عن الاعتداءات الأكثر دموية في قلب باريس، بدأ الفرنسيون في لملمة ما تبقى من مأساتهم عقب استفاقتهم مذعورين، للتعرف على ملابسات هذا الهجوم وللوقوف ضد التطرف ولكن أيضا لرد الضربة بمثلها.
الاثنين 2015/11/16
استنفار فرنسي واضح، فأسلوب داعش تغير، فهو يتصرف مثل الدولة التي تخوض حربا وليس اعتمادا على منطق أنه تنظيم إرهابي

باريس - كشفت مصادر قضائية فرنسية الأحد أنها تعرفت على ثلاثة من بين الانتحاريين السبعة الذين نفذوا هجمات “الجمعة الأسود” في العاصمة الفرنسية باريس.

أحد المهاجمين يدعى إسماعيل عمر مصطفى (29 عاما) وهو مواطن فرنسي وقد تم توقيف 6 من أفراد عائلته بينهم والده وشقيقه وزوجة شقيقه، أما الثاني فعبدالله- ب والذي لم تتوفر معلومات أوسع عنه حتى الآن.

واللافت أن انتحاريا ثالثا وهو سوري ويدعى أحمد المحمد كان قد وصل إلى غرب أوروبا عبر صربيا، وأقرت اليونان بأنه سجل اسمه لديها كلاجئ أثناء عبوره أراضيها.

وكان المدعي العام الفرنسي فرانسوا مولين قال السبت إن المعتدين قسموا أنفسهم على الأرجح إلى ثلاث مجموعات، أفرادها مسلحون ببنادق كلاشنيكوف وعبوات ناسفة شديدة الانفجار.

وأكد مولين أيضا أن السلطات الفرنسية لديها ملف أمني عن انتماء أحد المهاجمين إلى التشدد الإسلامي وله سجل جنائي أيضا لكنه لم يسجن أبدا.

وعثرت الشرطة على سيارة ثانية للمعتدين من نوع “سيات” في شرق العاصمة وبها عدة بنادق كلاشنيكوف بعد العثور على سيارة سوداء اللون من نوع بولو أمام قاعة مسرح باتيكلان، ووفقا لتقييم المحققين فإن مجوعة الإسناد تمكنت من الفرار، ولم يجر الحديث عن الفرقة الثالثة التي يسند لها عملية المراقبة.

وتحدث أحد الانتحاريين أثناء إطلاقه النار على حشد كان يحضر عرضا لموسيقى الروك في قاعة باتيكلان في الدائرة الـ11 في العاصمة، عن سوريا والعراق حيث تشن فرنسا غارات جوية هناك.

المحققون الفرنسيون يرجحون فرار مجموعة إسناد الانتحاريين، ولا يزال البحث عن مجموعة المراقبة

ملاحقة المشتبه بهم امتدت إلى بلجيكا المجاورة بعد احتجاز فرنسي استأجر على ما يبدو سيارة استخدمت في الهجمات عند الحدود البلجيكية صباح السبت مع اثنين آخرين.

والثلاثة الذين اعتقلتهم السلطات البلجيكية من سكان منطقة بروكسل، وتقول السلطات إنهم لم يكونوا معروفين من قبل للمخابرات الفرنسية.

كما طالت عمليات الملاحقة أسبانيا المجاورة أيضا حيث يشك المحققون الفرنسيون في مجموعة أخرى استأجرت سيارتين من هناك، لكن مدريد نفت ذلك مبدئيا وقالت إنها ستعمل مع فرنسا على حل لغز هذا الاعتداء.

وأعلنت ألمانيا بدورها أنها ألقت القبض على مشتبه به له علاقة بالمجموعة التي نفذت الهجوم، لكنها لم تعط الكثير من التفاصيل عنه، ويرجح أن تسلمه لباريس للتحقيق معه.

وفي بريطانيا، اتهمت الشرطة رسميا رجلا فرنسيا بحيازة بندقية تعمل بضغط الهواء وسكين بعد إعلان حالة تأهب أمني في مطار غاتويك جنوب العاصمة لندن، ولا يعرف ما إذا كان مرتبطا بتلك المجاميع.

وقتل في الهجوم حسب حصيلة أولى 129 شخصا وأصيب أكثر 352 بجروح، من بينهم 99 في حالة حرجة، وذلك في موجة إطلاق نار وتفجيرات انتحارية مساء الجمعة الماضي في باريس.

ومن بين الضحايا 3 بلجيكيين و3 تشيليين وبرتغاليان ورومانيان وتونسيتان وجزائريان ومغربي وبريطاني وأميركية-مكسيكية وأسبانية-مكسيكية وسويدي.

أوروبا في أقصى تأهبها

قالت مصادر برلمانية فرنسية أن الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند سيمدد حالة الطوارئ التي أعلنت بعد الاعتداءات لثلاثة أشهر. كما طلبت باريس عقد مجلس طارئ لوزراء داخلية الاتحاد الأوروبي الجمعة المقبل لتعزيز إجراءات مكافحة الارهاب.

ردود فعل عنيفة لدى بعض الأوروبيين بلغت حدّ إحراق مساجد في أسبانيا وهولندا

ورفعت فرنسا، التي أعلنت حالة الطوارئ للمرة الأولى منذ 2005، وأغلب دول الاتحاد، حالة التأهب الأمني وشددت عمليات التفتيش على حدودها بشكل غير مسبوق.

ومن الواضح أن الإجراءات الأمنية التي كانت متبعة، رغم صرامتها، لم تف بالغرض المطلوب منذ تعزيزها عقب هجمات شارلي إيبدو مطلع العام في باريس.

وعلقت عدة دول في الاتحاد العمل بتأشيرة شنغن مؤقتا من بينها النمسا، بعد أن شددت فرنسا العمل بالاتفاقية التي تضمن حرية التنقل بين 15 دولة أوروبية.

وبموجب القرار فإن كل من حصل على تأشيرة شنغن سيخضع لمراقبة جوازه عند دخول الحدود الفرنسية والخروج منها، حتى لو كان قادما من إحدى الدول الموقعة على الاتفاقية.

ويتوقع أن ينتشر أكثر من عشرة آلاف جندي إضافي في كامل أنحاء فرنسا بحلول غد الثلاثاء بعد أن رفعت السلطات عدد عناصـر الجيـش في العاصمة إلى 1500 جندي.

وكان الرئيس الفرنسي قال عقب الهجوم الذي تبنته داعش في بيان نشرته على أحد مواقعها الجهادية في الإنترنت إن “إرهابيي الدولة الإسلامية أعلنوا الحرب ضد فرنسا، وقد نظموها وخططوا لها من خارج فرنسا بمساعدة أشخاص في الداخل”.

تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة أيضا اتخذت تدابير أمنية عقب الهجمات التي ضربت العاصمة الفرنسية باريس مساء الجمعة.

اليمين المتطرف ينتفض

أثارت الهجمات ردود فعل عنيفة لدى بعض الأوروبيين، إذ طالبوا في مدينة ليل الفرنسية بطرد المسلمين من فرنسا، كما قاموا بإحراق مساجد في أسبانيا وهولندا.

عشرون ضحية أجنبية
◄ ثلاثة بلجيكيين- ثلاثة تشيليين

◄برتغاليان – رومانيان – تونسيتان – جزائريان

◄ مغربي – بريطاني – سويدي- أميركية – مكسيكية – أسبانية

وطالبت ماريان لوبان، زعيمة حزب الجبهة الوطنية اليمني المتطرف، بأن تستعيد باريس السيطرة على حدودها نهائيا من الاتحاد الأوروبي وأن تقضي على “التطرف الإسلامي”.

وقالت لوبان في كلمة متلفزة “يجب على فرنسا تجريم المنظمات الإسلامية وإغلاق المساجد وإبعاد الأجانب الذين يروجون للكراهية والمهاجرين غير الشرعيين وتجريد الإسلاميين مزدوجي الجنسية من جنسيتهم الفرنسية وترحيلهم”.

الزعيم الهولندي اليميني المتطرف المعادي للإسلام خيرت فيلدرز، ركب على موجة الاعتداءات العنيفة وأطلق دعوة لحكومة بلاده إلى إغلاق الحدود فورا، متهما السلطات بتجاهل الصلة بين الإرهاب والهجرة.

وفي إيطاليا، أشار زعيم رابطة الوطنيين الشماليين ماتيو سيلفاني إلى التطرف الديني للمهاجرين وأطفالهم بوصفه خطرا أمنيا، داعيا إلى إغلاق الحدود الأوروبية.

أما الوزير البولندي المكلف بالشؤون الأوروبية كونراد تشيمانسكي فأعلن أن بلاده لا يمكنها قبول لاجئين وفق نظام “كوتا” الاتحاد الأوروبي بعد هجمات 13 نوفمبر في باريس.

وحذر رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيتسو، المعارض للهجرة، مـن إمكـانية تسلـل مسلحين مـن تنظيـم داعش وسط موجات المهاجرين التي تصل أوروبا.

وقال بعد اجتماع لمجلس الأمن القومي في بلاده “نحن نعمل مع نسختين للهجوم، الأولى تطرف السكان المسلمين في فرنسا كرد انتقامي على مشاركة فرنسا في الضربات الجوية ضد الدولة الإسلامية، واختراق التنظيم لموجات الهجرة الحالية”.

ويعد فيتسو واحدا من مجموعة من قادة حكومات دول وسط أوروبا، بينهم رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، الذين يتهمون المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بتشجيع تدفق المهاجرين عبر فتح أبواب ألمانيا أمام المهاجرين السوريين.

وكانت استخبارات المسؤولين في بريطانيا وألمانيا قد حذرت قبل أسابيع من عبور قرابة 4 آلاف متطرف في شكل لاجئين إلى أوروبا، وهو الأمر الذي لم تأخذه الحكومات الأوروبية على محمل الجد وبالكيفية المطلوبة على ما يبدو.

التعاون سر مكافحة الإرهاب

دعا زعيم الجمهوريين الفرنسي نيكولا ساركوزي، الرئيس فرنسوا هولاند إلى التعاون مع روسيا بجدية وأن يكون ذلك ضمن إطار مشترك يجمع فرنسا وأوروبا لاستئصال داعش في الشرق الأوسط نهائيا.

وقال ساركوزي في كلمة له أمام قصر الإليزيه بعد لقائه بهولاند عقب الهجمات إن “فرنسا تعيش وضعا مأساويا قد يطول. ولا بد من تغييرات في سياسة فرنسا الخارجية”، مشيرا إلى أن الوضع الأمني الحالي في البلاد يجب أن يتغير.

ويرى الروس أن أوروبا عوقبت بهذا الهجوم لسياستها الناعمة مع المتطرفين تحت يافطة تطبيق مبادئ القانون الدولي واحترام حقوق الإنسان الذي تقوده واشنطن، وهـذه النظـرة يتفق معهـا الكثير من المراقبين.

وقال رئيس لجنة مجلس الدوما الروسي أليكسي بوشكوف إن “أوروبا تدفع ثمن سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط”.

ونقلت وكالة أنباء سبوتنيك الروسية عن بوشكوف قوله إن “الأميركيين أعلنوا أن بلادهم لا تواجه أي تهديد، لكن أرى أن الوقت قد حان لكي تجد لغة مشتركة مع روسيا”.

ورغم الخلافات مع موسكو، قال وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند إن “الهجمات المروعة في باريس أظهرت الحاجة العاجلة إلى مبادرة قوية ومشتركة تجاه إيجاد حل للحرب في سوريا من أجل ضمان مكافحة التهديدات الوحشية التي يشكلها تنظيم داعش وأتباعه”.

وفي الولايات المتحدة، حصل تصادم بين المتنافسين على الترشح للرئاسة الأميركية بشأن كيفية التعامل مع تنظيم الدولة الإسلامية، وتجاوزت بكثير مواقف إدارة الرئيس أوباما من هذا الحادث الذي يعتقد البعض أنه قد يتكرر في أي لحظة وفي أي بلد.

وفي حين قالت هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأميركية السابقة في مناظرة في ولاية آيوا، إن “الحرب ليست أميركية”، ودعت تركيا ودول الخليج إلى بذل المزيد من الجهد لمحاربة المتشددين، اعترض منافسها مارتن أومالي قائلا إن “الولايات المتحدة ينبغي أن تتصدى للشر وتقود العمل الميداني”.

ويؤكد الخبراء أن أسلوب تنظيم داعش تغير، إذ كان في السابق بناء بلد يحكم فيه التأويل الأكثر تشددا للإسلام، أما اليوم فقد التحق عدد كبير من الشباب الذين يحملون جوازات سفر أجنبية بالتنظيم، وهو ما أدى إلى التغيير في أسلوب العمل.

وأشاروا إلى أن موجة هجمات باريس الأخيرة ستقرب وجهات النظر بين الغرب من جهة وبين روسيا وإيران من جهة ثانية، وستذيب الخلافات، فيما يبدو، بينهم لأنهم ازدادوا قناعة بأن التخلص من الهجمات الإرهابية ينبغي أن يبدأ من عش دبابير داعش في العراق وسوريا.

5