فرنسا تنسج شباكها لاصطياد التشدد الإسلامي

قانون محاربة التطرف المقترح في فرنسا وخلية محاربة الإسلام الراديكالي يبقى مجرّد جزء من عملية متعددة المستويات للقضاء على ما تسميه السلطات "أعداء الجمهورية".
الثلاثاء 2021/03/02
جهود فرنسية لمحاصرة التعليم الموازي

باريس - انتشر ضبّاط من الشرطة الفرنسية في مدرسة خاصة صغيرة بباريس، وأبقوا 92 طالبا داخل فصولهم الدراسية، والتقطوا الصور في كل مكان حتى داخل الثلاجة، واستجوبوا مديرة المدرسة.

قالت مديرة مدرسة "ميو" الثانوية الخاصة، حنان لوكيلي، متذكّرة المشهد الذي شهدته خلال 17 نوفمبر الماضي، إن العملية كانت تشبه المداهمات المرتبطة بتجار المخدرات.

لم تكن لوكيلي تعرف سبب ذلك حينها، لكن فريقا من خلية محاربة الإسلام الراديكالي والانعزال الاجتماعي، وصلت للتفتيش. واجتاحت المدارس والمتاجر والنوادي والمساجد للقضاء على التطرف. وفي غضون أسبوع، أبلغت لوكيلي الطلاب أن مدرستهم ستغلق أبوابها.

وتصرّ لوكيلي على أنها ليست متطرفة، لكن مثل هذه العمليات توضح مدى الجهود الفرنسية لمحاربة التطرف، حيث صوت المشرعون الفرنسيون مؤخرا على مشروع قانون يستهدف القضاء عليه.

ويهدف التشريع إلى إعادة ترسيخ العلمانية في فرنسا المتغيرة، حيث يتزايد ظهور المسلمين، ويكتسب الإسلام (الذي يعدّ الدين رقم 2 في البلاد) صوتا أقوى. ومن المتوقع أن يوسع التشريع الحملة.

وإلى جانب مشروع القانون الذي اعترض عليه بعض المسلمين والسياسيين وغيرهم، تخاطر عمليات التفتيش القوية بمفاقمة مناخ الريبة الذي يشعر به العديد من المسلمين في بلد لا تتبنى فيه الغالبية العظمى من المسلمين آراء متطرفة.

وكانت المدرسة علمانية ومختلطة ولكنها سمحت للطالبات المسلمات بارتداء الحجاب في الفصل، وهو ممنوع في المدارس العامة الفرنسية، وبالصلاة أثناء فترات الراحة.

تطهير فرنسا من المتطرفين ومناطق تكاثرهم أولوية بالنسبة إلى الرئيس ماكرون في بلد أدمته الهجمات الإرهابية

وعلى عكس المدارس الإسلامية الخاصة في فرنسا، حيث يُسمح بارتداء الحجاب، لم تقدم "ميو" دورات في الدين. وترى لوكيلي وآخرون أن المدرسة كانت هدفا مثاليا، فيما يقول البعض إنه مناخ غير مريح لمسلمي فرنسا.

ويعتبر تطهير فرنسا من المتطرفين ومناطق تكاثرهم أولوية بالنسبة إلى الرئيس إيمانويل ماكرون في بلد أدمته الهجمات الإرهابية، بما في ذلك قطع رأس معلم خارج مدرسته بإحدى ضواحي باريس في أكتوبر الماضي، تلاه هجوم مميت داخل كنيسة في نيس.

وتدرك لوكيلي، وهي مسلمة، المشاكل الكبيرة التي واجهتها مدرستها، لكنها أنكرت أي روابط مع التطرف من جانبها أو من موظفي المدرسة، التي افتُتحت في 2015.

وفي 9 ديسمبر الفائت، علمت لوكيلي أن وضعها أسوأ مما كانت تعتقد. وأشار بيان صادر عن مديرية الشرطة ومكتب المدعي العام إلى أن الإغلاق كان جزءا من حملة متنامية لـ”محاربة جميع أشكال الانفصالية”، وهي الكلمة التي اعتمدها ماكرون للإشارة إلى المتطرفين الذين يقوّضون قيم الأمة.

وأدت مداهمات مثل تلك التي شُنت ضد مدرسة لوكيلي إلى الكشف عن نقاط ضعف على المستوى المحلي للقضاء على التطرف الإسلامي في مهده. وتمتد الآن إلى جميع أنحاء البلاد.

وفي ديسمبر الماضي وحده، نفذت الفرق 476 مداهمة وأغلقت 36 منشأة، وفقا لأرقام وزارة الداخلية. ومنذ نوفمبر 2019، جرى تفتيش 3881 مؤسسة وإغلاق 126، معظمها شركات صغيرة وتشمل مدرستين كانت إحداهما مدرسة سرّية بلا نوافذ أو برنامج تعليمي، إلى جانب نواد رياضية تضمنت الوعظ والصلاة المفروضة.

ويبقى القانون المقترح وخلية محاربة الإسلام الراديكالي مجرّد جزء من عملية متعددة المستويات للقضاء على ما تسميه السلطات “أعداء الجمهورية”.

وطلب من رؤساء بلديات المدن التي تعتبر الأكثر تأثرا بالتهديد المتطرف التوقيع على ميثاق يلزم بالتعاون على البحث عن المتطرفين. كما ستنال خلية محاربة الإسلام الراديكالي دعم القانون المخطط له، والذي سيوفر أدوات قانونية جديدة لإغلاق المنشآت.

Thumbnail

وبدأت مشاكل مدرسة "ميو" منذ أكثر من سنة مع مخاوف تتعلق بالسلامة بسبب مبناها الكبير. وصدرت أوامر للوكيلي بإغلاق المدرسة والتوقف عن التدريس وعدم إدارة أي مؤسسة تعليمية في المستقبل. فالتجأت إلى المحكمة في 17 مارس الماضي. وقالت لوكيلي "أعتقد أنهم يتهموننا بالانفصالية لأنهم بحاجة إلى خلق مثال".

وقال عمر، وهو طالب يبلغ من العمر 17 عاما، والذي كان في الفصل عندما وصلت الشرطة "كنت خائفا… لم نفهم ما كان يجري. كانوا يلتقطون صورا. وأهان البعض من الضباط التلاميذ". وكان عمر من بين الذين شاركوا في احتجاج باريس ضد مشروع القانون.

قالت إحدى الأمهات وقد اضطرت إلى البحث عن مدرسة جديدة لأطفالها بعد إغلاق المدرسة إن ابنها بخير. لكن ابنتها البالغة من العمر 15 عاما، والتي ترتدي الحجاب، “اضطرت إلى الانتقال إلى مدرسة إسلامية حيث يُسمح بارتدائه مع فصل الفتيان والفتيات داخل الفصول الدراسية وأثناء تناول الغداء”.

وقالت المرأة، التي طلبت عدم الكشف عن هويتها إلا باسمها، رفيقة، إن ابنتها "غير سعيدة في ظل المناخ الصارم".

ويرى جان رياض كيشاو، وهو مدرس التاريخ في ضاحية شيل بباريس، الغضب في أعين طلابه المسلمين المراهقين. وقال “إنه يأتي من الوصمة الدائمة لدينهم، فهم يرون دينهم يُشوّه وأصابع الاتهام تُوجّه دائما إليهم”.

12