فرنسا.. "شرطي العالم" الصاعد

الأحد 2013/11/17
فابيوس.. مهندس السياسة الخارجية الفرنسية

باريس- قاتلت على الجبهة في ليبيا ومالي، واتخذت موقفا متشددا بالنسبة لسوريا وغير مساوم بالنسبة لإيران، إنها فرنسا التي دأبت على انتقاد الولايات المتحدة ووصفها بأنها شرطي العالم، ولكنها أصبحت الآن أكثر الدول الغربية تدخلا في شؤون الدول الأخرى.

وبدأت فرنسا في اتخاذ مواقف متشددة غير معتادة على الساحة الدولية في الوقت الذي يضعف فيه نفوذها على ما يبدو، ويعاني جيشها من خفض ميزانيته، وتتضاءل قوتها الاقتصادية ويظهر لاعبون جدد على الساحة من بينهم قطر والهند والبرازيل.

وأظهرت فرنسا أنه "في ظل حكومات مختلفة في السنوات الأخيرة، فقد أصبحت أكثر الدول الغربية تشددا في الأمور المتعلقة بالشرق الأوسط والمناطق المجاورة لها"، بحسب ما يرى حسين ايبيش المحلل في "قوة المهام الأميركية بشأن فلسطين" في واشنطن والذي يعمل على المساعدة في حل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي.

وأشار إلى أن فرنسا "دفعت من أجل التدخل في ليبيا، وغزت مالي وانقذتها، وكانت الأكثر حماسا لشن ضربات عسكرية ضد أسلحة سوريا الكيميائية".

وأضاف أنه "في الشأن الإيراني، رفضت فرنسا التوصل إلى اتفاق وصفته بـ(الاخرق)"، في إشارة إلى المفاوضات التي جرت الأسبوع الماضي في جنيف للتوصل إلى اتفاق بشأن برنامج إيران النووي، حيث تمكنت فرنسا من اقناع الدول الغربية والولايات المتحدة بضرورة الحصول على مزيد من التنازلات من طهران قبل التوقيع على أي اتفاق.

وقال الكاتب برنارد غويتا في صحيفة "ليبراسيون" هذا الأسبوع "سواء رحبنا بذلك أم أسفنا له، فإن فرنسا لم تعد تلعب نفس الدور الذي كانت تلعبه في الماضي على الساحة الدولية".

وإبان رئاسة اليميني نيكولا ساركوزي والإشتراكي فرنسوا هولاند، أصبحت فرنسا "أكثر دول الحلف الأطلسي دفاعا عن أمن ومبادئ ومصالح العالم الغربي".

وعلى مدى نحو 50 عاماً، اتبعت السياسة الخارجية الفرنسية خطوطا عريضة وضعها الرئيس الراحل شارل ديغول بعد الحرب العالمية الثانية، وأكد فيها على أن فرنسا يجب أن لا تعتمد على الآخرين في الساحة الدولية التي تهيمن عليها الحرب الباردة.

وأبعد ديغول فرنسا عن العملاقين السوفياتي والأميركي وكذلك عن إسرائيل. واستمرت هذه السياسة في ظل رئاسة الرئيس الاشتراكي الراحل فرانسو ميتران في الثمانينات والتسعينات، وبلغت ذروتها في 2003 عندما رفض الرئيس جاك شيراك المشاركة في غزو العراق.

وفي ذلك الوقت دعا الجمهوريون الأميركيون الشعب الأميركي إلى مقاطعة فرنسا ومنتجاتها، فيما أطلقت فرنسا على واشنطن لقب "شرطي العالم".

ولكن وبعد عشر سنوات، رحب السناتور الجمهوري المتنفذ جون ماكين بموقف فرنسا في محادثات جنيف وبعث بتغريدة على تويتر قال فيها "تعيش فرنسا".

وأشار الكاتب في صحيفة "نيويورك تايمز" روجر كوهن إلى أن الفرنسيين أصبحوا أكثر تشددا بينما أصبح الأميركيون أكثر ليونة.

وتتجلى مظاهر التغيير في رئيسيين هما ساركوزي وهولاند اللذان يتبنيان سياسة خارجية أكثر تشددا من سابقيهم، ودخول جيل جديد إلى وزارة الخارجية والجيش والاستخبارات.

وهذا الجيل بدأ حياته المهنية الفعلية في الوقت الذي شهد فيه العالم هجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة، والهجمات الإرهابية والقتال ضد الإرهاب في أفغانستان وفي مناطق جنوب الصحراء الكبرى.

كما أن فرنسا تريد التعويض عن الفراغ النسبي الذي خلفته الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. فبعد عقد من الحروب التي شنها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش في أفغانستان والعراق، تبنى خلفه باراك أوباما سياسة مختلفة تقوم على سحب القوات الأميركية، وتحويل الاهتمام إلى آسيا.

ورأى علي رضا نادر المحلل السياسي في مؤسسة "راند" الفكرية أن "دولا كفرنسا تدرك تماما توازن القوى في الشرق الأوسط وترغب في حماية مصالحها".

وأضاف أن الأمر لا يتعلق فقط بـ "برنامج إيران النووي، ولكن كذلك بحساب القوة في الشرق الأوسط"، مشيرا إلى حماية فرنسا لإسرائيل وعلاقاتها الوثيقة مع السعودية ودول الخليج.

ولكن وفي اب ، أعاد النزاع الدامي في سوريا فرنسا إلى دنيا الواقع بقوة.

فبعد الهجوم بأسلحة كيميائية على ضواحي دمشق الذي هز العالم، سعت باريس وبقوة إلى شن ضربات عسكرية على المنشات العسكرية السورية، وظنت أنها أقنعت واشنطن بذلك.

ولكن وفي اللحظات الأخيرة تراجع أوباما ليترك هولاند لوحده على الجبهة، ما اضطره هو كذلك إلى التراجع.

وأوضح مصطفى العاني المحلل في مركز الخليج للابحاث أن فرنسا تفتقر إلى الموارد التي تماشي تطلعاتها السياسية، وسياستها "تظل معتمدة على السياسة الأميركية".

إلا أن رامي خوري رئيس معهد عصام فارس للسياسات العامة أكثر إيجابية ويقول إنه رغم أن فرنسا لا يمكنها أن تكون لاعبا بحجم الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، "إلا أنها تستطيع أن تلعب دورا أكثر ديناميكية وفعالية وايجابية".

1