فرنسا مضطرة إلى الترويج لنموذج إسلامي يتوافق مع معتقداتها

فرنسا مازالت تراهن على علمانيتها ومؤسساتها الديمقراطية العريقة في محاربة كل أشكال التطرف، وتسعى إلى سد كل الثغرات التي يمكن أن يتسرب منها الإرهاب، وذلك عبر إجراءات كثيرة ومختلفة كتحصين المساجد ومراقبة مصادر تمويلها.
الخميس 2016/09/15
فرنسا تسعى إلى عقد اجتماعي مع مسلميها

باريس- يمتد عمر كاتدرائية روان ذات المعمار القوطي، والتي أقيم فيها القداس الجنائزي على روح القس جاك هامل، الذي قتل على يد مسلحين إسلاميين مزعومين بكنيسة سانت تريز القريبة، إلى أكثر من 1700 عام. جرت العادة ألّا تكون الكاتدرائية وغيرها من كنائس شمال أوروبا ممتلئة بالمؤمنين، نظرا لضياع قيم الكاثوليكية تحت وطأة الحداثة في فرنسا. على سبيل المثال، عندما اغتيل القس هامل أثناء قداس الصباح، في السادس والعشرين من يوليو الماضي، على يد شابين لا يتجاوزان سن التاسعة عشرة باسم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، لم يكن عدد المصلين في الكنيسة أكثر من اثنين، بالإضافة إلى ثلاث راهبات.

ومع ذلك يعتبر هذا الهجوم الأقل دموية بين الاعتداءات الإرهابية التي وقعت على الأرض الفرنسية وراح ضحيتها حتى الآن ما يقرب من 230 شخصا في أقل من عام ونصف، ولكنه يظل الأول من نوعه داخل دار عبادة، مما تسبب في صدمة حقيقية شملت البلاد بالكامل، مع تزايد المخاوف من المزيد من الهجمات على رموز الدولة الفرنسية، في إطار حلقة جديدة من صراع الحضارات.

من ناحية أخرى أثار الحادث جدلا واسعا حول دور الدين في المجتمع الفرنسي، إلى درجة أن مانويل فالس رئيس الوزراء الفرنسي، دعا إلى توقيع عقد اجتماعي بين الإسلام وفرنسا “بلدنا يجب أن يثبت للعالم أجمع، بما لا يدع مجالا للشك، أن الإسلام متوافق تماما مع الديمقراطية”؛ هكذا نشرت صحيفة جورنال دو ديمانش، نقلا عن فالس تعليقا على الحادث.

وتابع رئيس الوزراء تصريحه “الكثير من المسلمين أسرى الأصولية، والسلفية، والإخوان المسلمين الذين يضعون تصورا خاصا عن الدين يتمثل دائما في مواجهة مسلحة بين الناس ضد بعضهم البعض. فمن المهم مساعدة الإسلام في فرنسا على التخلص من هؤلاء الذين قد يدمرونه من الداخل”.

وأغلقت فرنسا منذ بداية الهجمات في الربع الأخير من العام الماضي وحتى الآن ما يقرب من 20 مسجدا بدعوى أنها تحرض على التطرف، واستبعدت 80 شخصا متهمين بالترويج لأفكار متطرفة ونشرها، ومع ذلك يدعو فالس إلى تحويل فرنسا إلى مرجعية حقيقية بالنسبة إلى أوروبا لتعليم عقيدة الإسلام الصحيح، ومن ثم قال إنه لا يجب أن يمارس الدعوة في فرنسا إلا الأئمة الذين نشأوا وتعلموا فيها، مطالبا بمنع الأجانب من تمويل المساجد أو الإنفاق على أئمتها.

ولا تمثل هذه الدعاوى أيّ طرح جديد، علما بأن معظم تمويل المساجد في فرنسا مصدره المباشر مسلمون مقيمون في فرنسا، ومع ذلك تتزايد المخاوف من انتشار إسلام متطرف مموّل من الخارج.

يشير تقرير نشره مجلس الشيوخ في يوليو الماضي إلى أنه تم رصد ستة ملايين يورو مصدرها المغرب ومليونين مصدرهما الجزائر، و3.8 ملايين يورو من السعودية لتمويل المساجد بصورة شرعية، بالإضافة إلى دعم تركي غير مباشر للأئمة الفرنسيين.

وتكمن معضلة فرنسا الآن في دعواها الدينية -على الرغم من تاريخها العلماني الطويل والذي يعدّ فخرا للجمهورية الفرنسية، والذي ترك أثرا على وجه الحضارة الإنسانية لا يمّحي- بعد صراع طويل وعنيف من أجل ترسيخ مبدأ فصل الدين عن الدولة، والذي أقرّ رسميا عام 1905، وبموجب هذا التشريع يحظر على الجمهورية الفرنسية تمويل أو دعم أيّ ديانة على الإطلاق.

في تصريحات لفرانس 24، قالت النائبة نتالي جوليه التي أشرفت على الدراسة “من جانب، الدولة لا يمكنها تمويل بناء المساجد، بموجب تشريع 1905، ومن الجانب الآخر المسلمون لا يستطيعون بناءها من دون دعم. الدولة تسعى إلى تنظيم وضع الإسلام في فرنسا لإحكام المزيد من السيطرة، ولكنها في الوقت نفسه لا تستطيع الاقتراب منه بموجب القانون، إنها معادلة بلا حل”.

عقب حادث اغتيال القس هامل، نشر المئات من الدعاة المسلمين الفرنسيين بيانا عبر صحف قومية شجبوا فيه التطرف وحثوا على دعم المزيد من الجهود من أجل نشر فكر الإسلام الوسطي

واعترف فالس بهذا التناقض، ولكن تصريحاته أطلقت العنان لانتقادات حادة. في هذا السياق ذكرت صحيفة لوموند نقلا عن السياسي اليميني المتطرف فلوريان فيليبو، عضو الجبهة الوطنية أن “رئيس الوزراء فالس يلعب لعبة خطرة”. وفي السياق ذاته قالت المرشحة اليمينية إيرف ماريتون في تصريحات لإذاعة أوروبا 1، إن “تصريحات فالس تعني التخلي عن نموذج الاندماج”.

في واقع الأمر من الصعب إيجاد وسيلة مصالحة بين مبادئ المساواة والعلمانية في فرنسا الحديثة مع إرثها التاريخي. خلال أحداث الثورة الفرنسية استولت الدولة على الكثير من دور العبادة، وعقب العديد من الأحداث والاضطرابات التي شهدتها فرنسا على مدار قرنين من الزمان، بقيت الكثير من الكنائس تحت سيطرة الحكومة، ومن ثم تقع عليها مسؤولية صيانة وترميم المباني الدينية المشيدة قبل صدور قانون 1905. من ناحية أخرى لا تشمل هذه المظلة الحكومية دور العبادة الإسلامية نظرا لأن غالبية المهاجرين المسلمين وفدوا إلى البلاد خلال القرن العشرين بعد إقرار ذلك القانون.

يذكر أنه عقب حادث اغتيال القس هامل، نشر المئات من الدعاة المسلمين الفرنسيين بيانا عبر صحف قومية شجبوا فيه التطرف وحثوا على دعم المزيد من الجهود من أجل نشر فكر الإسلام الوسطي، كما طالبوا بالسماح لتمويل حملة ثقافية بهدف مواجهة الفكر المتطرف. “قبل فوات الأوان، وقبل أن يضع العنف الفرنسيين في مواجهة بعضهم البعض، وهو الهدف الذي يسعى إليه داعش، يجب علينا أن نتصرف وأن نتحمل مسؤولياتنا”، بحسب نص البيان الذي وقع عليه العشرات من الزعامات الدينية الإسلامية ونشر في جريدة جورنال دو ديمانش في 31 يوليو الماضي.

من أجل الوصول إلى حل وسط، أعلن وزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف، عقب لقائه بمسؤول المجلس الإسلامي في فرنسا، أنور كبابش، استئناف تمويل لصالح دعم الثقافة الإسلامية. ومع ذلك لا أحد يدري إن كانت هذه التدابير ستحد من انتشار تطرف الشباب عبر مواقع الإنترنت. يشار إلى أن مهاجم نيس، محمد لحويج بوهلال، كان يتناول لحم الخنزير، ويعاقر الخمر، ومن المعروف عنه أن قدميه لم تطآ مسجدا على الإطلاق طيلة حياته.

يبدو أنه في الكثير من الأحيان، لا توجد علاقة على الإطلاق بين الإرهاب الجهادي، وعقيدة الإسلام. ويتضح هذا من مشاركة المئات من المسلمين في جنازة القس هامل في روان، كنوع من التضامن مع مواطنيهم الفرنسيين المسيحيين. وتعتبر فرنسا تجسيدا حيا للدولة العلمانية، ولكنها تجد نفسها الآن مضطرة إلى الترويج لنموذج إسلامي يتوافق مع صورتها التي تسمح بتواجد مساحة لجميع المعتقدات الدينية على أراضيها، فهل ستفلح مساعيها؟

13